النِّيَّةُ للهِ تَعَالَى
فائدةٌ عظيمةُ النَّفْعِ في تنزيهِ اللهِ تعالى، والرَّدِّ على المُشبِّهةِ المُجسِّمة.
وقد جَرَتْ على ألسنةِ عوامِّ المسلمينَ كلمةٌ طيبةٌ حسنةٌ، يقولونَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وهي كلمةٌ صحيحةٌ، ومعناها صحيحٌ من التوحيد.
اللهُ يُغَيِّرُ، ولكنْ هو لا يَتَغَيَّرُ، لا يجوزُ عليه التغيُّرُ؛ لأنَّهُ من المُقرَّر في عقيدةِ أهلِ الإسلامِ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى هو الَّذي يُغيِّرُ في خَلْقِهِ على حسبِ مَشيئتِهِ، أمَّا هو سبحانهُ فلا يجوزُ عليه التغيُّرُ، وذلك لأنَّ التغيُّرَ هو أقوى علاماتِ الحُدوثِ، أي أقوى ما يدلُّ على أنَّ الشيءَ مخلوقٌ، كونُهُ يَتغيَّرُ من حالٍ إلى حالٍ.
فلو كان اللهُ يَتَغَيَّرُ، أو صِفَتُهُ تَتَغَيَّرُ، أي صفةٌ من صفاتِهِ تتغيَّرُ، لكان كخَلْقِهِ. ولو كان كخلقهِ، لم يكن خالقًا لهم، واللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ. ولا يجوزُ أن يكون محتاجًا إلى شيءٍ.
ومعنى الآيةِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
يعني: إذا تغيَّر حالُهم من الطاعةِ إلى العصيانِ، ومن الإيمانِ إلى الكفرِ، تُنْزَعُ عنهم النِّعمةُ. هذا هو معنى الآيةِ، وليس معناها أنَّ اللهَ تعالى يُغيِّرُ مَشيئَتَهُ. لا يجوزُ تغيُّرُ المشيئةِ، لا يجوزُ ذلك للهِ تبارك وتعالى.
فإذا فَهِمَ الإنسانُ هذا المعنى تمامًا، يَفْهَمْ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى إذا خَلَقَ شيئًا من الأشياءِ، لا يَعْنِي ذلك أنَّهُ بخلقِهِ له يَتَغَيَّرُ، أو تتغيَّرُ صِفَاتُهُ.
كلُّ ما سِوَى اللهِ حادثٌ مخلوقٌ. فإذا قُلْنَا: السَّماءُ، فالسَّماءُ حادثةٌ مخلوقةٌ، اللهُ خَلَقَهَا. فانتبهوا لهذا الأمرِ: لا يجبُ أن يكون خَلْقُ اللهِ للسَّماءِ قد غَيَّرَ في صِفَتِهِ شيئًا.
يعني أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، المسلمون، كلُّ المسلمين، يقولون: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى كان في الأزلِ وحدَهُ، ولم يكن معه شيءٌ. ثُمَّ خَلَقَ اللهُ العرشَ، والقَلَمَ، واللَّوحَ، والكُرسيَّ، وخَلَقَ كلَّ شيءٍ.
فخَلْقُ اللهِ للسَّماءِ لم يُغَيِّرْ في صِفَتِهِ شيئًا. فلا يُقالُ: إنَّ اللهَ تعالى قبل خلقِ السَّماءِ كان موجودًا دون أن يكون في السَّماءِ، ثُمَّ بعد خلقِ السَّماءِ صار موجودًا فيها. لا.
وكذلك خَلْقُ اللهِ للعَرْشِ لم يُغَيِّرْ في صِفَتِهِ شيئًا. فإذا قال لكم أحدٌ: لماذا؟ فقولوا لهُ: لأنَّهُ لو كان يَتَغَيَّرُ بهذا في صِفَاتِهِ، لكان معنى ذلك أنَّ اللهَ حادثٌ مخلوقٌ. ولو كان اللهُ حادثًا مخلوقًا، لم يكن خالقًا. الحادثُ لا يَخلُقُ، والمخلوقُ لا يَخلُقُ.
فهذه مسألةٌ مهمَّةٌ جدًّا أن تَفْهَموها، وتَحْفَظُوها، وتعتنوا بها.
خُذُوا هذه الجملةَ واحفظوها: خَلْقُ اللهِ للحوادثِ لا يُغَيِّرُ في صِفَاتِهِ شيئًا. وخَلْقُ اللهِ للسَّماءِ لم يُغَيِّرْ في صِفَاتِهِ شيئًا. وخَلْقُ اللهِ للعَرْشِ لم يُغَيِّرْ في صِفَاتِهِ شيئًا.
قَبْلَ العَرْشِ، كان اللهُ موجودًا. وقبل السَّماءِ، كان اللهُ موجودًا. ولا يُقالُ إنَّهُ كان داخلَ السَّماءِ أو خارجَ السَّماءِ.
وبعد أن خلقَ العرشَ، لا يُقالُ إنَّهُ داخلُ العرشِ ولا خارجُ العرشِ.
اللهُ تعالى كما كان موجودًا في الأزلِ، ولم تكن سَماءٌ، ولا عرشٌ، ولا مكانٌ، ولا جهةٌ، كذلك بعد أن خلقها، ما زال كما كان.
فإذا قال لكم أحدٌ: لماذا؟ فقولوا لهُ: لأنَّ اللهَ لا يَتَغَيَّرُ. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا يجبُ فَهْمُهُ.
هذا الذي نقولهُ فيه ردٌّ على المُشبِّهةِ الذين يقولون: «أين اللهُ؟» فيُجيبون هم بأنفسهم عن سؤالهم، ويقولون: «اللهُ في السَّماءِ فوق العرشِ.»
طيب! اللهُ كان موجودًا قبل السَّماءِ، وكان موجودًا قبل العرشِ. فكيف يكون في السَّماءِ أو على العرشِ؟
وأيضًا هذا يُعَلِّمُكم الردَّ على من يسألكم. انتبهوا:
إذا قال قائلٌ: «اللهُ موجودٌ خارجَ العالَمِ أو داخلَ العالَمِ»، يُقالُ لهُ: اللهُ كان موجودًا في الأزلِ، وفي الأزلِ لم يكن داخلَ شيءٍ ولا خارجَ شيءٍ. واللهُ لا يَتَغَيَّرُ.
خلقَ اللهُ العالَمَ، ولم يَنْزِلْ فيه، بل بَقِيَ كما كان في الأزلِ. فلا يُقالُ عنهُ: إنَّهُ داخلُ العالَمِ، ولا يُقالُ عنهُ: إنَّهُ خارجُ العالَمِ.
فهذه مسألةٌ مهمَّةٌ جدًّا أن تَفْهَموها، وتَحْفَظُوها، وتُعَلِّموها حتى للصِّغارِ. احفظوا هذه الجملةَ: خَلْقُ اللهِ للحوادثِ لا يُغَيِّرُ في صِفَاتِهِ شيئًا. فَخَلْقُ اللهِ للسَّماءِ لم يُغَيِّرْ في صِفَاتِهِ شيئًا. وخَلْقُ اللهِ للعَرْشِ لم يُغَيِّرْ في صِفَاتِهِ شيئًا.
قبل العرشِ لا يُقالُ: هو داخلٌ في العرشِ أو خارجٌ عن العرشِ، ولا مكانَ ولا جهةَ. نقول: اللهُ كما كان موجودًا في الأزلِ، ولم تكن سَماءٌ، ولا عرشٌ، ولا مكانٌ، ولا جهاتٌ. وبعد خَلْقِها، لم يَزَلْ كما كان.
فإذا قال لكم أحدٌ: لماذا؟ فقُولوا لهُ: لأنَّ اللهَ لا يَتَغَيَّرُ. وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًّا.
مواضيع أخرى من «فتاوى»
- من هدي النبوة — سئل شيخنا رحمه الله: هل يجوز أن يُقالَ "يا رِضَى الله ورِضَى الوالِدَين
- سُئل الشيخ عبدالله الهرري رحمه الله : ما معنى حديث:" أكرِمُوا…
- اِعْلَمْ أنَّ الأَوْلِياءَ لا يَعْلَمونَ الغَيْبَ، فَإذَا تَكَلَّمَ…
- اللهُ تباركَ وتعالى لا تَصِحُّ معرفتُه مع تَشبيهِه بشيءٍ من خَلقِه…
- بيان أصلُ تسميةِ النصارى واليهود
- مَسْأَلَةٌ: إِنْسَانٌ كَانَ مَعْضُوبًا فَحَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ شَفَاهُ اللَّهُ،
