الجزء الأول · الجزء الثاني
ترجمة عربية للنسخة الإنكليزية المنشورة على هذا الموقع (English). الآيات القرآنية منقولة بنصّها من المصحف، وما بين معقوفين [ ] تعليقات المترجم التركي للنسخة الأصلية.

اعترافات جاسوس بريطاني وعداء بريطانيا للإسلام

«مذكرات مستر همفر، الجاسوس البريطاني في الشرق الأوسط» عنوانُ وثيقةٍ نُشرت على حلقات في صحيفة «شبيغل» الألمانية، ثم في صحيفة فرنسية بارزة. وقد ترجمها طبيب لبناني إلى العربية، ومن العربية تُرجمت إلى الإنكليزية ولغات أخرى. ونشرت مطبوعات «وقف الإخلاص» هذه الوثيقة بالإنكليزية، ورقيًّا وإلكترونيًّا، بعنوان: «اعترافات جاسوس بريطاني وعداء بريطانيا للإسلام».

تكشف هذه الوثيقة الخلفية الحقيقية للحركة الوهابية التي ابتدعها محمد بن عبد الوهاب، وتبيّن كثيرًا من الأباطيل التي نشرها أتباعه باسم الإسلام، وتفضح دورهم في معاداة دين الإسلام ومعاداة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومعاداة المسلمين عامة. ولا عجب أن يكون الوهابية اليوم عمودَ الإرهاب الفقري، يستحلّون دماء المسلمين وغيرهم من الأبرياء ويموّلون سفكها ويخطّطون له. وتاريخُهم المعروف في الإرهاب، كما وثّقه مفتي مكة الشيخ أحمد زيني دحلان في كتاب «فتنة الوهابية»، وما يرتكبونه اليوم من اغتيالات وتعدٍّ، سببُه عقيدتهم الفاسدة في أن الناس جميعًا كفار إلا هم. حفظ الله أمتنا من شرورهم.

القسم الأول

يقول همفر:

إن بريطانيانا العظمى واسعة جدًّا؛ تشرق الشمس على بحارها، ثم تغيب تحت بحارها أيضًا. ومع ذلك فإن دولتنا ما زالت ضعيفة نسبيًّا في مستعمراتها في الهند والصين والشرق الأوسط، فهذه البلاد ليست كلها تحت سيطرتنا التامة. غير أننا نتّبع في هذه الأماكن سياسة نشيطة وناجحة جدًّا، وسنملكها كلها عمّا قريب. وأمران مهمّان:

  1. أن نحاول الاحتفاظ بما حصلنا عليه من بلاد؛
  2. وأن نحاول الاستيلاء على ما لم نحصل عليه بعد.

وقد كلّفت وزارة المستعمرات لجنةً من كل مستعمرة بتنفيذ هاتين المهمتين. وما إن دخلتُ وزارة المستعمرات حتى وضع الوزير ثقته فيّ وعيّنني مديرًا لشركة الهند الشرقية. كانت في ظاهرها شركة تجارية، أما مهمتها الحقيقية فكانت البحث عن سبل السيطرة على أراضي الهند الشاسعة.

لم تكن حكومتنا قلقة من الهند أبدًا؛ فقد كانت بلدًا يعيش فيه معًا أناس من قوميات مختلفة، يتكلمون لغات متعددة، ولهم مصالح متضاربة. ولم نكن نخشى الصين كذلك، فالديانتان السائدتان فيها البوذية والكونفوشيوسية، ولا تشكّل أيٌّ منهما خطرًا يُذكر؛ فهما ديانتان ميتتان لا تُعنيان بشؤون الحياة، وليستا أكثر من صيغٍ وتعابير. ولهذا لم يكن يُتوقَّع أن يكون عند سكان هذين البلدين شعور وطني. فهذان البلدان لم يكونا يقلقاننا نحن الحكومة البريطانية، لكن ما قد يقع فيهما من أحداث في المستقبل لم يكن غائبًا عن حسابنا؛ ولذلك كنا نضع خططًا بعيدة المدى لنشر الشقاق والجهل والفقر، بل والأمراض، في هذين البلدين. وكنا نقلّد عادات هذين البلدين وتقاليدهما، فنُخفي نوايانا بسهولة.

أما أكثر ما كان يرهق أعصابنا فهو البلاد الإسلامية. كنا قد عقدنا مع «الرجل المريض» (الدولة العثمانية) بعض الاتفاقيات، وكلها في صالحنا. وكان أهل الخبرة في وزارة المستعمرات يتنبّؤون بأن هذا الرجل المريض سيموت في أقل من قرن. وكنا فوق ذلك قد عقدنا اتفاقيات سرية مع الحكومة الإيرانية، وزرعنا في هاتين الدولتين رجال دولة جعلناهم من الماسونيين. وقد كسرت ظهرَ هاتين الدولتين مفاسدُ مثل الرشوة، وسوء الإدارة، وضعف التعليم الديني الذي أدّى بدوره إلى الانشغال بالحسناوات ثم إلى إهمال الواجب. ومع كل هذا كنا نخشى ألّا تؤتي أعمالنا النتائج التي نرجوها، للأسباب التي سأذكرها:

  1. المسلمون متمسكون بالإسلام تمسكًا شديدًا؛ فكل مسلم مرتبط بالإسلام ارتباطَ القسيس أو الراهب بالنصرانية، إن لم يكن أشد. ومعلوم أن القسس والرهبان يفضّلون الموت على ترك النصرانية. وأخطر هؤلاء الشيعة في إيران، فهم يعدّون غير الشيعة كفارًا وأنجاسًا، والنصارى عندهم كالقذر النجس، ومن الطبيعي أن يسعى المرء للتخلص من القذر. سألت مرة شيعيًّا: لِمَ تنظرون إلى النصارى هكذا؟ فأجابني: «كان نبي الإسلام حكيمًا جدًّا، فوضع النصارى تحت ضغطٍ معنوي ليهتدوا إلى الطريق المستقيم بدخولهم في دين الله، الإسلام. ومن سياسة الدولة أن يُبقى مَن يُخشى خطره تحت ضغطٍ معنوي حتى يُعلن الطاعة. والنجاسة التي أتحدث عنها ليست مادية، بل هي ضغط معنوي لا يختص بالنصارى وحدهم، بل يشمل أهل السنة وسائر الكفار؛ حتى أجدادنا الإيرانيون القدماء من المجوس أنجاس عند الشيعة».
    فقلت له: «حسنًا! إن أهل السنة والنصارى يؤمنون بالله وبالأنبياء وبيوم القيامة أيضًا، فلماذا يكونون أنجاسًا؟» فقال: «هم أنجاس لسببين: أولًا أنهم ينسبون الكذب إلى نبينا حضرة محمد، عياذًا بالله من ذلك! ونحن نردّ على هذا الاتهام الشنيع بالقاعدة التي يعبّر عنها القول: "مَن آذاك فلك أن تؤذيه"، فنقول لهم: أنتم أنجاس. وثانيًا أن النصارى ينسبون إلى أنبياء الله ما لا يليق بهم؛ فهم يقولون مثلًا إن عيسى عليه السلام كان يشرب الخمر، وإنه صُلب لأنه كان ملعونًا».
    فقلت للرجل مذهولًا إن النصارى لا يقولون ذلك، فأجاب: «بل يقولونه وأنت لا تدري، إنه مكتوب في الكتاب المقدس». فسكتُّ؛ لأن الرجل كان مصيبًا في الأمر الأول وإن لم يكن مصيبًا في الثاني. ولم أُرد أن أطيل الجدال، لئلا يرتابوا فيّ وأنا في زيّ المسلمين، فكنت أتجنب مثل هذه المجادلات.
  2. كان الإسلام يومًا دينَ حكمٍ وسلطان، وكان المسلمون أعزّاء مهابين، ومن الصعب أن تقول لهؤلاء الأعزّة إنكم صرتم عبيدًا الآن. ولا يمكن كذلك تزوير التاريخ الإسلامي والقول للمسلمين: إن العزة والمكانة اللتين نلتموهما يومًا كانتا نتيجة ظروف مواتية، وقد ولّت تلك الأيام ولن تعود.
  3. كنا نخشى كثيرًا أن يتنبّه العثمانيون والإيرانيون لمكائدنا فيُفسدوها؛ فمع أن هاتين الدولتين قد ضعفتا كثيرًا، لم نكن مطمئنين، لأن لهما حكومة مركزية ذات مال وسلاح وسلطان.
  4. وكنا قلقين جدًّا من علماء الإسلام؛ فقد كان علماء إسطنبول والأزهر وعلماء العراق والشام عقبات لا يمكن تجاوزها في طريق أهدافنا؛ لأنهم من الذين لا يتنازلون عن مبادئهم قيد أنملة، إذ أعرضوا عن متاع الدنيا الزائل وزينتها، وتعلّقت أبصارهم بالجنة التي وعد بها القرآن الكريم. وكان الناس يتبعونهم، حتى السلطان كان يهابهم. ولم يكن أهل السنة متعلّقين بالعلماء تعلّقَ الشيعة بهم؛ فالشيعة لا يقرؤون الكتب، وإنما يعرفون العلماء فقط، ولا يوقّرون السلطان كما ينبغي، أما أهل السنة فيقرؤون الكتب ويحترمون العلماء والسلطان.

ولذلك أعددنا سلسلة من المؤتمرات، وكنا في كل مرة نرى بخيبة أن الطريق مسدود أمامنا. وكانت تقارير جواسيسنا مخيّبة دائمًا، والمؤتمرات تذهب سدى. ومع ذلك لم نفقد الأمل، فنحن قوم تعوّدنا أن نتنفّس بعمق ونصبر.

حضر أحدَ مؤتمراتنا الوزيرُ نفسه وكبارُ رجال الكنيسة وبعضُ المختصين، وكنا عشرين رجلًا. دام المؤتمر ثلاث ساعات، وخُتمت الجلسة الأخيرة دون الوصول إلى نتيجة مثمرة. غير أن قسيسًا قال: «لا تقلقوا! فالمسيح وأصحابه لم ينالوا السلطان إلا بعد اضطهاد دام ثلاثمئة سنة. ونرجو أن ينظر إلينا من عالم الغيب فيمنحنا التوفيق لطرد الكفار (يعني المسلمين) من مراكزهم، ولو بعد ثلاثمئة سنة. علينا أن نتسلح بالإيمان القوي والصبر الطويل! ولكي ننال السلطان يجب أن نستولي على كل وسائل الإعلام، وأن نجرّب كل الوسائل الممكنة، وأن نسعى لنشر النصرانية بين المسلمين. فمن الخير لنا أن نحقق هدفنا ولو بعد قرون، فالآباء يعملون لأبنائهم».

ثم عُقد مؤتمر حضره دبلوماسيون ورجال دين من روسيا وفرنسا وإنكلترا. وكنت محظوظًا جدًّا، إذ حضرته أنا أيضًا لما بيني وبين الوزير من صلة حسنة. وقد نوقشت فيه خطط تفريق المسلمين شيعًا، وحملهم على ترك دينهم، وتنصيرهم كما حدث في إسبانيا. لكن النتائج لم تكن كما كان مرجوًّا. وقد دوّنت كل ما دار في ذلك المؤتمر من أحاديث في كتابي «إلى ملكوت المسيح».

من الصعب أن تقتلع فجأةً شجرة ضربت بجذورها في أعماق الأرض، لكن علينا أن نذلّل الصعاب ونتغلب عليها. لقد جاءت النصرانية لتنتشر، وقد وعدنا سيدنا المسيح بذلك. أما محمد فقد أعانته الأحوال السيئة التي كان عليها الشرق والغرب، وقد زالت تلك الأحوال فذهبت معها الآفات التي صاحبتها (يعني الإسلام). ونحن نرى اليوم بسرور أن الوضع قد تغيّر تمامًا؛ فبفضل الأعمال العظيمة والجهود التي بذلتها وزارتنا والحكومات النصرانية الأخرى أصبح المسلمون في انحدار، والنصارى في صعود. لقد آن الأوان لنستعيد ما خسرناه عبر القرون، ودولة بريطانيا العظمى القوية تتقدّم هذه المهمة «المباركة» [مهمة القضاء على الإسلام].

القسم الثاني

في سنة 1122 للهجرة (1710 للميلاد) أرسلني وزير المستعمرات إلى مصر والعراق والحجاز وإسطنبول جاسوسًا، لأجمع المعلومات اللازمة والكافية لتفريق المسلمين. وعيّنت الوزارة تسعة آخرين، كلهم نشاط وجرأة، للمهمة نفسها وفي الوقت نفسه. وأُعطينا، فوق ما نحتاج إليه من مال ومعلومات وخرائط، قائمةً بأسماء رجال الدولة والعلماء وشيوخ القبائل. ولن أنسى أبدًا أن السكرتير قال لي حين ودّعته: «إن مستقبل دولتنا متوقف على نجاحك، فابذل أقصى ما عندك من جهد».

انطلقت في رحلة إلى إسطنبول، مركز الخلافة الإسلامية. وكان عليّ، إلى جانب مهمتي الأساسية، أن أتقن التركية، لغة المسلمين هناك. وكنت قد تعلمت في لندن قدرًا كبيرًا من التركية والعربية (لغة القرآن) والفارسية لغة إيران. لكن تعلّم اللغة شيء، والتكلم بها كأهلها شيء آخر؛ فالأول يُكتسب في سنوات قليلة، والثاني يحتاج إلى أضعاف ذلك. وكان عليّ أن أتعلم التركية بكل دقائقها لئلا يرتاب الناس فيّ.

ولم أكن قلقًا من أن يرتابوا فيّ، فالمسلمون متسامحون، منشرحو الصدور، محبّون للخير، كما تعلّموا من نبيّهم محمد عليه السلام، وليسوا شكّاكين مثلنا. ثم إن الحكومة التركية في ذلك الوقت لم يكن لها جهاز للقبض على الجواسيس.

وبعد رحلة متعبة جدًّا وصلت إلى إسطنبول، فقلت إن اسمي محمد، وصرت أذهب إلى المسجد، معبد المسلمين. وأعجبني ما عند المسلمين من نظام ونظافة وطاعة، فقلت في نفسي لحظةً: لماذا نحارب هؤلاء الأبرياء؟ أهذا ما أوصانا به سيدنا المسيح؟ لكنني سرعان ما أفقت من هذه الفكرة «الشيطانية» [!] وعزمت على أداء واجبي على أحسن وجه.

وفي إسطنبول تعرّفت إلى عالم شيخ اسمه «أحمد أفندي»، لم أرَ من رجال ديننا مَن يضاهيه في لطف أخلاقه وانشراح صدره وصفاء روحه وحبه للخير. كان يجتهد ليلًا ونهارًا ليتشبّه بالنبي محمد، فمحمد عنده أكمل الناس وأرفعهم، وكانت عيناه تدمعان كلما ذكر اسمه. ولا بد أنني كنت محظوظًا جدًّا، فلم يسألني قطّ مَن أنا ولا من أين أتيت، وكان يناديني «محمد أفندي»، ويجيب عن أسئلتي ويعاملني بلطف وشفقة؛ إذ كان يعدّني ضيفًا جاء إسطنبول ليعمل في تركيا ويعيش في ظل الخليفة نائبِ النبي محمد. وهذه في الحقيقة هي الحجة التي اتخذتها للبقاء في إسطنبول.

قلت يومًا لأحمد أفندي: «لقد مات والداي، وليس لي إخوة ولا أخوات، ولم أرث شيئًا. وقد جئت إلى مركز الإسلام لأعمل وأكسب رزقي، ولأتعلم القرآن الكريم والسنة، أي لأحصّل دنياي وآخرتي». ففرح بكلامي هذا فرحًا شديدًا وقال: «إنك تستحق الإكرام لهذه الأسباب الثلاثة»، وأنا أنقل كلامه كما قاله:

  1. «أنت مسلم، والمسلمون كلهم إخوة.
  2. وأنت ضيف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه».
  3. وأنت تريد أن تعمل، وفي الحديث الشريف ما معناه أن الذي يعمل ويكسب رزقه حبيبُ الله».

فسرّني هذا الكلام كثيرًا، وقلت في نفسي: «ليت في النصرانية مثل هذه الحقائق الناصعة! ومن المؤسف أنه لا يوجد فيها شيء منها». وكان الذي يدهشني أن الإسلام، على شرفه ونبله، كان ينحطّ في أيدي هؤلاء المغرورين الذين لا يدرون ما يجري في الحياة.

قلت لأحمد أفندي إنني أريد أن أتعلم القرآن الكريم، فأجاب بأنه يعلمني بسرور، وبدأ يعلمني سورة الفاتحة، يشرح المعاني ونحن نقرأ. وكنت أجد صعوبة كبيرة في نطق بعض الكلمات. وفي سنتين ختمت القرآن الكريم كله. وكان قبل كل درس يتوضأ ويأمرني بالوضوء، ثم يجلس مستقبلًا القبلة (الكعبة) ويبدأ الدرس.

والوضوء عند المسلمين سلسلة من الغسلات على النحو التالي:

  1. غسل الوجه؛
  2. غسل اليد اليمنى من الأصابع إلى المرفق؛
  3. غسل اليد اليسرى من الأصابع إلى المرفق؛
  4. مسح الرأس (بتبليل اليدين وإمرارهما برفق) وخلف الأذنين وخلف العنق؛
  5. غسل القدمين.

وكان استعمال السواك يضايقني كثيرًا. و«السواك» عود يُنظّف به المسلمون أفواههم وأسنانهم، وكنت أظن هذا العود مضرًّا بالفم والأسنان، وكان أحيانًا يؤذي فمي فيُدميه. لكنني كنت مضطرًّا لاستعماله، لأن استعمال السواك عندهم سنة مؤكدة عن النبي. وكانوا يقولون إن هذا العود نافع جدًّا. والحق أن نزيف أسناني انقطع، وزالت الرائحة الكريهة التي كانت في فمي حتى ذلك الحين، والتي تكون في أفواه أكثر البريطانيين.

وكنت طوال إقامتي في إسطنبول أبيت في غرفة استأجرتها من رجل يقوم على خدمة أحد المساجد، اسمه «مروان أفندي». ومروان اسم أحد الصحابة من أصحاب النبي محمد. وكان هذا الخادم عصبيًّا جدًّا، يفتخر باسمه ويقول لي: إن رُزقت ولدًا في المستقبل «فسمّه مروان، فإن مروان من أعظم مجاهدي الإسلام».

وكان «مروان أفندي» يعدّ طعام العشاء. ولم أكن أذهب إلى العمل يوم الجمعة، عطلة المسلمين، وفي سائر أيام الأسبوع كنت أعمل عند نجار اسمه خالد، يعطيني أجري أسبوعيًّا. ولأنني كنت أعمل نصف النهار، من الصباح إلى الظهر، كان يعطيني نصف الأجر الذي يعطيه للعمال الآخرين. وكان هذا النجار يقضي كثيرًا من وقت فراغه في الحديث عن مناقب «خالد بن الوليد». وخالد بن الوليد من أصحاب النبي محمد، مجاهد عظيم فتح فتوحًا إسلامية كثيرة، وكان عزلُ عمر بن الخطاب له في خلافته يحزّ في قلب النجار.

وكان «خالد» النجار الذي أعمل عنده فاسد الأخلاق شديد العصبية، ومع ذلك كان يثق بي ثقة كبيرة، ولا أدري لماذا، ولعل ذلك لأنني كنت أطيعه دائمًا. كان لا يبالي بأحكام الشريعة في خلواته، فإذا كان مع أصحابه أظهر الالتزام بأحكامها. وكان يحضر صلاة الجمعة، ولست متيقنًا من أدائه سائر الصلوات اليومية.

كنت أفطر في الدكان، وبعد العمل أذهب إلى المسجد لصلاة الظهر وأبقى فيه حتى صلاة العصر، ثم أذهب بعد العصر إلى بيت أحمد أفندي فيعلمني ساعتين دروسًا في قراءة القرآن الكريم وفي العربية والتركية. وكنت كل جمعة أعطيه أجري الأسبوعي لأنه كان يحسن تعليمي؛ وقد علّمني فعلًا قراءة القرآن الكريم وأحكام الدين الإسلامي ودقائق العربية والتركية أحسن تعليم.

ولما علم «أحمد أفندي» أنني أعزب أراد أن يزوجني إحدى بناته، فرفضت، لكنه ألحّ قائلًا إن النكاح سنة النبي، وإن النبي قال: «مَن رغب عن سنتي فليس مني». فلما خشيت أن يقطع ذلك ما بيننا من صلة، اضطررت إلى الكذب عليه بأنني عاجز عن النكاح، فضمنت بذلك دوام معرفتنا وصداقتنا.

ولما انقضت سنتا إقامتي في إسطنبول قلت لأحمد أفندي إنني أريد العودة إلى بلدي، فقال: «لا، لا تذهب. لماذا تذهب؟ إنك تجد في إسطنبول كل ما تطلبه، فالله تعالى قد جمع في هذه المدينة الدين والدنيا معًا. تقول إن والديك ماتا وليس لك إخوة ولا أخوات، فلماذا لا تستقر في إسطنبول؟...» لقد تعلّق «أحمد أفندي» بصحبتي تعلقًا شديدًا، فلم يُرد فراقي وألحّ عليّ أن أتخذ إسطنبول دارًا. لكن شعوري بالواجب الوطني ألزمني بالعودة إلى لندن، لأقدّم تقريرًا مفصلًا عن مركز الخلافة، ولأتلقى أوامر جديدة.

وكنت طوال إقامتي في إسطنبول أرسل إلى وزارة المستعمرات كل شهر تقريرًا بما أشاهده. وأذكر أنني سألت في أحد تقاريري عمّا أفعل إن طلب مني صاحب العمل أن أرتكب معه اللواط، فكان الجواب: «يجوز لك ذلك إن كان يعينك على بلوغ غايتك». فاستأت من هذا الجواب استياءً شديدًا، وشعرت كأن الدنيا سقطت على رأسي. كنت أعلم أن هذه الفاحشة منتشرة جدًّا في إنكلترا، لكن لم يخطر ببالي قط أن يأمرني بها رؤسائي. فماذا أفعل؟ لم يكن لي سبيل إلا أن أتجرّع الكأس حتى الثمالة، فسكتّ ومضيت في مهمتي.

ولما ودّعت «أحمد أفندي» دمعت عيناه وقال لي: «يا بنيّ! الله تعالى معك! إن عدت إلى إسطنبول فوجدتني قد متّ فاذكرني، واقرأ الفاتحة لروحي! وسنلتقي يوم القيامة بين يدي رسول الله». والحق أنني حزنت كثيرًا أيضًا حتى ذرفت دموعًا حارة، لكن شعوري بالواجب كان بطبيعة الحال أقوى.

القسم الثالث

كان أصحابي قد عادوا إلى لندن قبلي وتلقّوا أوامر جديدة من الوزارة، وأُعطيت أنا أيضًا أوامر جديدة عند عودتي. ومن المؤسف أنه لم يعد منا إلا ستة.

قال السكرتير إن أحد الأربعة الآخرين أسلم وبقي في مصر، لكنه كان مع ذلك مسرورًا لأنه، كما قال، لم يُفشِ أيّ سرّ. والثاني ذهب إلى روسيا وبقي فيها، وكان روسيّ الأصل، وقد أسف السكرتير عليه كثيرًا، لا لأنه عاد إلى وطنه، بل لأنه ربما كان يتجسس على وزارة المستعمرات لصالح روسيا، وعاد إلى بلده لانتهاء مهمته. والثالث، كما روى السكرتير، مات بالطاعون في بلدة تُسمّى «العمارة» بالقرب من بغداد. والرابع تتبّعته الوزارة حتى مدينة صنعاء في اليمن، وظلّت تصلها تقاريره سنة كاملة، ثم انقطعت ولم يُعثر له على أثر مع كل ما بُذل من جهود. وقد عدّت الوزارة فقدان هؤلاء الأربعة كارثة؛ لأننا أمة ذات مهام عظيمة وعدد سكان قليل، فنحن نحسب لكل رجل حسابًا دقيقًا.

وبعد بضعة من تقاريري عقد السكرتير اجتماعًا لدراسة تقارير أربعة منا. فلما قدّم أصحابي تقاريرهم عن مهامهم قدّمت تقريري أيضًا، فأخذوا منه بعض الملاحظات، وأثنى على عملي الوزيرُ والسكرتير وبعض الحاضرين. ومع ذلك كنت الثالث، فقد فاز بالمرتبة الأولى صديقي «جورج بلكود»، وكان «هنري فانس» الثاني.

لا شك أنني نجحت نجاحًا كبيرًا في تعلّم التركية والعربية والقرآن والشريعة، لكنني لم أستطع أن أعدّ للوزارة تقريرًا يكشف مواطن الضعف في الدولة العثمانية. وبعد الاجتماع الذي دام ساعتين سألني السكرتير عن سبب تقصيري، فقلت: «كانت مهمتي الأساسية تعلّم اللغات والقرآن والشريعة، فلم يتّسع وقتي لشيء آخر، لكنني سأُرضيك هذه المرة إن وثقت بي». فقال السكرتير إنني ناجح بلا شك، لكنه كان يتمنى لو نلت المرتبة الأولى، ثم قال:

«يا همفر، إن مهمتك القادمة تتضمن أمرين:

  1. أن تكتشف نقاط ضعف المسلمين، والمواضع التي ندخل منها إلى أجسادهم ونفكّك أوصالهم، فهذا هو طريق التغلب على العدو.
  2. وحين تكشف هذه المواضع وتفعل ما أمرتك به [أي حين تنجح في بث الفرقة بين المسلمين وإيقاع بعضهم ببعض] ستكون أنجح عميل وتنال وسامًا من الوزارة».

بقيت في لندن ستة أشهر، وتزوجت ابنة عمي «ماريا شفاي»، وكان عمري يومئذ اثنتين وعشرين سنة وعمرها ثلاثًا وعشرين. كانت «ماريا شفاي» فتاة جميلة جدًّا، متوسطة الذكاء، عادية الثقافة. وكانت أسعد أيام حياتي وأبهجها تلك التي قضيتها معها. وحملت زوجتي، وكنا ننتظر ضيفنا الجديد حين وصلتني الرسالة التي تأمرني بالسفر إلى العراق.

أحزنني أن يأتيني هذا الأمر وأنا أنتظر ولادة ابني، لكن ما أوليه لوطني من أهمية، مع طموحي إلى الشهرة بأن أُختار أفضل زملائي، كان فوق عواطفي زوجًا وأبًا، فقبلت المهمة دون تردد. أرادت زوجتي أن أؤجل المهمة إلى ما بعد الولادة، فلم ألتفت إلى قولها. وبكينا كلانا ونحن نتودّع، وقالت زوجتي: «لا تنقطع عن الكتابة إليّ! وسأكتب إليك عن بيتنا الجديد الذي هو أغلى من الذهب». فأثارت كلماتها عواصف في قلبي حتى كدت ألغي السفر، لكنني تمالكت عواطفي، وأتممت وداعها، ثم توجهت إلى الوزارة لأتسلّم التعليمات الأخيرة.

وبعد ستة أشهر وجدت نفسي في مدينة البصرة بالعراق. كان أهلها بعضهم سنّة وبعضهم شيعة. والبصرة مدينة قبائل، سكانها خليط من العرب والفرس وعدد قليل نسبيًّا من النصارى. وكانت تلك أول مرة في حياتي ألتقي فيها بالفرس. وبهذه المناسبة أتحدث قليلًا عن التشيّع والتسنّن.

يقول الشيعة إنهم يتّبعون علي بن أبي طالب، زوج فاطمة بنت محمد عليه السلام وابن عمه في آن واحد. ويقولون إن محمدًا عليه السلام عيّن عليًّا والأئمة الاثني عشر من ذرية علي ليخلفوه.

وفي رأيي أن الشيعة محقّون في مسألة خلافة علي والحسن والحسين؛ فقد كان علي، فيما فهمت من التاريخ الإسلامي، رجلًا ذا صفات متميزة عالية تؤهله للخلافة، ولا أستغرب أن يكون محمد عليه السلام قد عيّن الحسن والحسين خليفتين. أما الذي يريبني فهو أن يكون محمد عليه السلام قد عيّن ابن الحسين وثمانية من أحفاده خلفاء؛ فقد كان الحسين طفلًا حين توفي محمد عليه السلام، فكيف علم أنه سيكون له ثمانية أحفاد؟ إن كان محمد عليه السلام نبيًّا حقًّا فقد كان يمكنه أن يعلم المستقبل بإعلام الله تعالى إياه، كما أخبر المسيح عن المستقبل. لكن نبوة محمد عليه السلام موضع شك عندنا نحن النصارى.

يقول المسلمون: «إن لنبوة محمد عليه السلام أدلة كثيرة، منها القرآن». وقد قرأت القرآن، وهو بحق كتاب رفيع جدًّا، بل هو أرفع من التوراة والإنجيل، لما فيه من مبادئ وأحكام وقواعد أخلاقية وغير ذلك.

وكان يعجبني كيف استطاع رجل أمّيّ مثل محمد عليه السلام أن يأتي بهذا الكتاب الرفيع، وكيف اجتمعت فيه كل تلك الصفات الأخلاقية والعقلية والشخصية التي لا يحوزها حتى من قرأ كثيرًا وسافر كثيرًا. فهل كانت هذه الحقائق هي أدلة نبوة محمد عليه السلام؟

وكنت دائمًا أتأمل وأبحث لأستخلص الحقيقة في نبوة محمد عليه السلام. فطرحت مرة اهتمامي هذا على قسيس في لندن، فكان جوابه متعصبًا معاندًا لا يقنع أبدًا. وسألت أحمد أفندي مرارًا حين كنت في تركيا، فلم أتلقّ منه أيضًا جوابًا شافيًا. والحق أنني كنت أتجنب أن أسأل أحمد أفندي أسئلة تمسّ الموضوع مباشرة، لئلا يرتابوا في تجسسي.

إنني أُجلّ محمدًا عليه السلام كثيرًا، ولا شك أنه من أنبياء الله الذين قرأنا عنهم في الكتب، لكنني، وأنا نصراني، لم أؤمن بنبوته بعد. ولا ريب أنه كان يفوق العباقرة بكثير.

أما أهل السنة فيقولون: «بعد وفاة النبي رأى المسلمون أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا أهلًا للخلافة».

ومثل هذه الخلافات موجودة في كل الأديان، وهي في النصرانية أكثر. وبما أن عمر وعليًّا قد ماتا اليوم، فلا فائدة من إدامة هذه الخلافات. وأرى أن المسلمين، لو كانوا عقلاء، لفكّروا في يومهم لا في تلك الأيام الغابرة.

أشرت يومًا في وزارة المستعمرات إلى الخلاف بين أهل السنة والشيعة فقلت: «لو كان المسلمون يفقهون شيئًا من الحياة لحلّوا هذا الخلاف بينهم واجتمعوا». فقاطعني أحدهم معترضًا: «واجبك أن تؤجّج هذا الخلاف، لا أن تفكر في كيفية جمع المسلمين».

وقبل أن أنطلق في رحلتي إلى العراق قال لي السكرتير: «يا همفر، اعلم أن بين البشر اختلافات طبيعية منذ خلق الله هابيل وقابيل، وستبقى هذه الخلافات حتى عودة المسيح، وكذلك الخلافات العرقية والقبلية والإقليمية والقومية والدينية.

«وواجبك هذه المرة أن تشخّص هذه الخلافات جيدًا وتبلغ بها الوزارة، وكلما نجحت أكثر في تعميق الخلافات بين المسلمين كانت خدمتك لإنكلترا أعظم.

«إننا نحن الإنكليز لا بد لنا أن نثير الفتن ونبثّ الانقسام في كل مستعمراتنا لكي نعيش في رفاهية ورغد، ولن نستطيع هدم الدولة العثمانية إلا بمثل هذه الإثارة؛ وإلا فكيف تُخضع أمةٌ قليلة السكان أمةً أكثر منها عددًا؟ ابحث بكل قوتك عن فوهة الصدع، فإذا وجدتها فادخل منها فورًا. واعلم أن الدولتين العثمانية والإيرانية قد بلغتا الحضيض من حياتهما، فأول واجباتك أن تثير الشعب على الحكم! لقد أثبت التاريخ أن "مصدر كل الثورات هو العصيان الشعبي". فإذا انكسرت وحدة المسلمين وضعف التعاطف المشترك بينهم تفكّكت قواهم، وحينئذ نقضي عليهم بسهولة».

القسم الرابع

لما وصلت إلى البصرة نزلت في مسجد، وكان إمامه رجلًا سنيًّا عربيّ الأصل اسمه الشيخ عمر الطائي. فلما التقيته بدأت أحادثه، لكنه ارتاب فيّ منذ البداية وأمطرني بالأسئلة. فنجوت من هذا الحديث الخطر هكذا: «أنا من منطقة إغدير في تركيا، وكنت تلميذًا لأحمد أفندي في إسطنبول، وعملت عند نجار اسمه خالد». وأعطيته بعض المعلومات عن تركيا مما اكتسبته في إقامتي هناك، وقلت بضع جمل بالتركية. فغمز الإمام بعينه أحد الحاضرين وسأله إن كنت أتكلم التركية صحيحة، فكان الجواب بالإيجاب. وفرحت كثيرًا بأنني أقنعت الإمام، لكنني كنت مخطئًا؛ فبعد أيام رأيت بخيبة أن الإمام يظنني جاسوسًا تركيًّا. ثم عرفت بعد ذلك أن بينه وبين الوالي الذي عيّنه السلطان (العثماني) خلافًا وعداوة.

ولما اضطررت إلى ترك مسجد الشيخ عمر أفندي استأجرت غرفة في خان للمسافرين والغرباء وانتقلت إليه. وكان صاحب الخان أحمق اسمه مرشد أفندي، يزعجني كل صباح بطرق بابي بشدة ليوقظني ما إن يُؤذَّن لصلاة الفجر، فكنت مضطرًّا لطاعته، فأقوم وأصلي الفجر. ثم يقول: «يجب أن تقرأ القرآن الكريم بعد صلاة الصبح». فلما قلت له إن قراءة القرآن الكريم ليست فرضًا وسألته لماذا يلحّ هكذا، كان يجيب: «النوم في هذا الوقت يجلب الفقر والنحس على الخان وأهله». فكنت مضطرًّا لتنفيذ أمره، لأنه قال إنه يطردني من الخان إن لم أفعل. فكنت ما إن يؤذَّن أصلي الفجر ثم أقرأ القرآن الكريم ساعة.

وجاءني مرشد أفندي يومًا وقال: «منذ استأجرت هذه الغرفة والمصائب تنزل بي، وأنا أنسب ذلك إلى شؤمك؛ فأنت أعزب، والعزوبة شؤم. فإما أن تتزوج وإما أن تترك الخان». فقلت له إنه ليس عندي من المال ما يكفي للزواج، ولم أستطع أن أقول له ما قلته لأحمد أفندي، فمرشد أفندي من الصنف الذي قد يجرّدني من ثيابي ليتحقق من صدقي.

فلما قلت ذلك وبّخني مرشد أفندي قائلًا: «ما أضعف إيمانك! ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [سورة النور: 32]؟» فبُهتّ، ثم قلت أخيرًا: «حسنًا، سأتزوج، لكن هل أنت مستعد أن تقدّم المال اللازم؟ أو أن تجد لي فتاة لا تكلّفني كثيرًا؟»

فتفكّر مرشد أفندي قليلًا ثم قال: «لا شأن لي! إما أن تتزوج قبل دخول شهر رجب، وإما أن تترك الخان». ولم يكن قد بقي لدخول رجب إلا خمسة وعشرون يومًا.

وبالمناسبة أذكر الأشهر العربية: محرّم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. وأشهرهم لا تزيد على ثلاثين يومًا ولا تنقص عن تسعة وعشرين، وهي قائمة على الحساب القمري.

فاشتغلت مساعدًا عند نجار وتركت خان مرشد أفندي. واتفقنا على أجر زهيد جدًّا، على أن يكون سكني وطعامي على حساب صاحب العمل، فنقلت أمتعتي إلى دكان النجار قبل رجب بوقت كاف. وكان النجار رجلًا شهمًا، يعاملني كأنني ابنه. وكان شيعيًّا من خراسان في إيران، اسمه عبد الرضا. فاغتنمت صحبته وبدأت أتعلم الفارسية. وكان الشيعة الإيرانيون يجتمعون عنده كل عصر ويتحدثون في شؤون شتى، من السياسة إلى الاقتصاد، وكثيرًا ما كانوا يذمّون حكومتهم والخليفة في إسطنبول أيضًا، فإذا دخل غريب غيّروا الموضوع وأخذوا يتحدثون في شؤون خاصة.

وكانوا يثقون بي كثيرًا، لكنني عرفت فيما بعد أنهم كانوا يظنونني أذربيجانيًّا لأنني أتكلم التركية.

وكان شاب يتردّد على دكان النجار من حين إلى آخر، في زيّ طالب علم، يفهم العربية والفارسية والتركية، اسمه محمد بن عبد الوهاب النجدي. وكان هذا الشاب فظًّا جدًّا شديد العصبية، يكثر من ذمّ الحكومة العثمانية ولا يذمّ الحكومة الإيرانية أبدًا. وكان الذي جمع بينه وبين صاحب الدكان عبد الرضا في صداقة هو أن كليهما يعادي الخليفة في إسطنبول. لكن كيف أمكن لهذا الشاب السني أن يفهم الفارسية ويصادق عبد الرضا الشيعي؟ كان أهل السنة في هذه المدينة يتظاهرون بالصداقة بل بالأخوّة مع الشيعة، وأكثر سكانها يفهمون العربية والفارسية، وأكثرهم يفهمون التركية أيضًا.

كان محمد النجدي سنيًّا في الظاهر، ومع أن أكثر أهل السنة كانوا يذمّون الشيعة، بل يقولون إن الشيعة كفار، فإن هذا الرجل لم يكن يسبّ الشيعة أبدًا. وكان محمد النجدي يرى أنه لا داعي لأن يتّبع أهل السنة أحد المذاهب الأربعة، ويقول: «ليس في كتاب الله دليل على هذه المذاهب». وكان يتعمّد إغفال الآيات الكريمة في هذا الشأن ويستخفّ بالأحاديث الشريفة.

أما مسألة المذاهب الأربعة: فبعد وفاة نبيّهم محمد عليه السلام بقرن ظهر من بين المسلمين السنة أربعة علماء: أبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي. وقد ألزم بعضُ الخلفاء أهلَ السنة بتقليد أحد هؤلاء الأربعة، وقالوا إنه لا يجتهد في القرآن الكريم ولا في السنة أحد غير هؤلاء الأربعة. فأغلقت هذه الحركة أبواب العلم والفهم في وجه المسلمين، ويُعدّ هذا المنع من الاجتهاد سببَ جمود الإسلام.

وقد استغلّ الشيعة هذه الأقوال الخاطئة لنشر مذهبهم. وكان عدد الشيعة أقل من عُشر عدد أهل السنة، أما الآن فقد كثروا حتى ساووا أهل السنة عددًا. وهذه نتيجة طبيعية، فالاجتهاد كالسلاح، يُنمّي فقه الإسلام ويجدّد فهم القرآن الكريم والسنة، أما منع الاجتهاد فكالسلاح الصدئ، يحصر المذهب في إطار معيّن، وهذا يعني إغلاق أبواب الاستنباط وإهمال حاجات العصر. فإن كان سلاحك صدئًا وسلاح عدوك تامًّا فأنت مغلوب لا محالة عاجلًا أو آجلًا. وأظن أن الأذكياء من أهل السنة سيعيدون فتح باب الاجتهاد في المستقبل، وإن لم يفعلوا صاروا أقلية وصار الشيعة أكثرية في بضعة قرون.

[والحق أن أئمة المذاهب الأربعة على عقيدة واحدة واعتقاد واحد، لا خلاف بينهم فيه، وإنما اختلافهم في العبادات، وهذا بدوره تيسير على المسلمين. أما الشيعة فقد افترقوا اثنتي عشرة فرقة، فصاروا هم السلاح الصدئ. وفي كتاب «الملل والنحل» تفصيل في هذا الشأن.]

وكان الشاب المغرور محمد النجدي يتّبع هواه في فهم القرآن والسنة، ويُهمل آراء العلماء إهمالًا تامًّا، لا علماء عصره وأئمة المذاهب الأربعة فحسب، بل وكبار الصحابة كأبي بكر وعمر. وكلما صادف آية رأى أنها تخالف آراء هؤلاء قال: «قال النبي: "تركتُ فيكم كتابَ الله وسنّتي"، ولم يقل: تركت فيكم القرآن والسنة والصحابة وأئمة المذاهب. فالفرض إذن اتّباع القرآن والسنة مهما بدا أنهما يخالفان آراء المذاهب أو أقوال الصحابة والعلماء».

وفي حديث على العشاء في بيت عبد الرضا دار هذا الجدال بين محمد النجدي وضيف من قم، عالم شيعي اسمه الشيخ جواد:

الشيخ جواد: بما أنك تقبل أن عليًّا كان مجتهدًا، فلماذا لا تتّبعه كما يتّبعه الشيعة؟

محمد النجدي: علي لا يختلف عن عمر أو غيره من الصحابة، وأقواله ليست حجة، وإنما الحجة القرآن والسنة وحدهما. [والحق أن أقوال كل واحد من الأصحاب الكرام حجة، وقد أمرنا نبينا باتّباع أيّ واحد منهم.]

الشيخ جواد: بما أن نبينا قال: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»، أفلا يكون هناك فرق بين علي وسائر الصحابة؟

محمد النجدي: لو كانت أقوال علي حجة، أفما كان النبي يقول: «تركت فيكم القرآن والسنة وعليًّا»؟

الشيخ جواد: نعم، يمكننا أن نقول إنه قال ذلك؛ ففي الحديث الشريف: «إني تاركٌ فيكم كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي»، وعليٌّ أعظمُ أهل البيت.

فأنكر محمد النجدي أن يكون النبي قال ذلك، فأفحمه الشيخ جواد بأدلة مقنعة.

لكن محمدًا النجدي اعترض قائلًا: «تزعم أن النبي قال: "إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي"، فأين تذهب سنة النبي إذن؟»

الشيخ جواد: سنة رسول الله شرحٌ للقرآن. فقد قال رسول الله: «إني تارك فيكم كتاب الله وأهل بيتي»، وعبارة «كتاب الله» تشمل «السنة» التي هي شرح له.

محمد النجدي: ما دامت أقوال أهل البيت شرحًا للقرآن، فما الحاجة إلى شرحه بالأحاديث؟

الشيخ جواد: لما توفي حضرة النبي رأت أمته (المسلمون) أنه لا بد من شرح للقرآن يفي بحاجات العصر، ولهذا أمر حضرة النبي أمته باتباع القرآن، وهو الأصل، واتباع أهل بيته الذين يشرحون القرآن شرحًا يفي بحاجات العصر.

وقد أعجبني هذا الجدال كثيرًا؛ فقد كان محمد النجدي أمام الشيخ جواد لا حراك به، كالعصفور في يد الصياد.

كان محمد النجدي هو الصنف الذي أبحث عنه؛ فازدراؤه لعلماء عصره، واستخفافه حتى بالخلفاء الأربعة الأوائل، واستقلاله برأيه في فهم القرآن والسنة، كانت أضعف نقاطه التي أصطاده منها وأظفر به. وما أبعد الفرق بين هذا الشاب المغرور وأحمد أفندي الذي علّمني في إسطنبول! فذلك العالم، كأسلافه، كان أشبه بالجبل، لا تحرّكه قوة. كان كلما ذكر اسم أبي حنيفة قام فتوضأ، وكلما أراد أن يمسك كتاب الحديث المسمّى «البخاري» توضأ أيضًا. وأهل السنة يثقون بهذا الكتاب ثقة كبيرة.

أما محمد النجدي فكان يحتقر أبا حنيفة كثيرًا ويقول: «أنا أعلم من أبي حنيفة». ويرى فوق ذلك أن نصف كتاب البخاري باطل.

[تذكرت وأنا أترجم اعترافات همفر هذه إلى التركية الحادثة التالية: كنت مدرسًا في مدرسة ثانوية، فسألني أحد تلاميذي في درس: «يا أستاذ، إذا قُتل المسلم في الحرب أيكون شهيدًا؟» قلت: «نعم». قال: «أقال النبي ذلك؟» قلت: «نعم». قال: «وإذا غرق في البحر أيكون شهيدًا أيضًا؟» قلت: «نعم، وينال في هذه الحالة ثوابًا أكثر». ثم سأل: «وإذا سقط من طائرة أيكون شهيدًا؟» قلت: «نعم». قال: «أقال نبينا هذا أيضًا؟» قلت: «نعم». فابتسم ابتسامة المنتصر وقال: «يا أستاذ! أكانت في تلك الأيام طائرات؟» فأجبته: «يا بنيّ! لنبينا تسعة وتسعون اسمًا، كل اسم منها يدل على صفة جميلة اتّصف بها، ومن أسمائه "جامع الكلم"، كان يعبّر عن حقائق كثيرة بكلمة واحدة؛ فقد قال مثلًا ما معناه إن مَن سقط من مكان عالٍ فمات كان شهيدًا». فتقبّل الصبي جوابي بإعجاب وامتنان. وكذلك في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة كلمات وأحكام وأوامر ونواهٍ كثيرة، يدل كل منها على معانٍ أخرى متعددة. والعمل العلمي الذي يُبذل لاستخراج هذه المعاني وتنزيل الصحيح منها على الوقائع الصحيحة يُسمّى الاجتهاد، والاجتهاد يحتاج إلى علم غزير؛ ولهذا منع أهل السنة الجهلةَ من الاجتهاد، وليس هذا منعًا للاجتهاد. وبعد القرن الرابع الهجري لم يبلغ عالمٌ في العلم درجة المجتهد المطلق، فلم يجتهد أحد، وكان هذا بطبيعة الحال إغلاقًا لباب الاجتهاد. وفي آخر الزمان ينزل عيسى عليه السلام من السماء ويظهر المهدي، وهما يجتهدان.

وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة». قيل: مَن هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». وقال في حديث شريف آخر: «أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم»، أي اهتديتم إلى الطريق الموصل إلى الجنة. وقد أثار يهوديّ من اليمن اسمه عبد الله بن سبأ العداوة على الأصحاب بين المسلمين، فسُمّي أولئك الجهلة الذين صدّقوا هذا اليهودي وعادوا الأصحاب «شيعة»، وسُمّي الذين أطاعوا الأحاديث الشريفة وأحبّوا الأصحاب الكرام واتّبعوهم «أهل السنة».]

وقد عقدت مع محمد بن عبد الوهاب النجدي صداقة حميمة جدًّا، وبدأت حملة أمدحه فيها في كل مكان. وقلت له يومًا: «أنت أعظم من عمر وعلي، ولو كان النبي حيًّا اليوم لجعلك خليفته بدلًا منهما. وإني أرجو أن يتجدد الإسلام ويرتقي على يديك، فأنت العالم الوحيد الذي سينشر الإسلام في العالم كله».

واتفقت أنا ومحمد بن عبد الوهاب على أن نضع تفسيرًا جديدًا للقرآن، لا يعكس إلا وجهة نظرنا، ويخالف تمامًا ما فسّره الصحابة وأئمة المذاهب والمفسرون. فكنا نقرأ القرآن ونتحدث في بعض الآيات، وكان غرضي من ذلك إضلال محمد. فقد كان يحاول أن يُظهر نفسه ثائرًا مجدّدًا، فيتقبّل آرائي وأفكاري بسرور لكي أثق به أكثر.

قلت له مرة: «الجهاد ليس فرضًا».

فاعترض قائلًا: «كيف لا يكون فرضًا والله يقول: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾؟»

قلت: «فلماذا لم يحارب النبي المنافقين والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة التوبة: 73]؟» [ومن جهة أخرى فقد ذُكر في «المواهب اللدنية» أن سبعًا وعشرين غزوة وقعت مع الكفار، وسيوفهم معروضة في متاحف إسطنبول. وكان المنافقون يتظاهرون بالإسلام، ويصلّون مع رسول الله في المسجد النبوي نهارًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفهم، لكنه لم يقل لأحد منهم: «أنت منافق». ولو حاربهم وقتلهم لقال الناس: «محمد عليه السلام قتل أناسًا آمنوا به». فلذلك جاهدهم بالقول؛ لأن الجهاد المفروض يكون بالبدن أو بالمال أو باللسان. والآية الكريمة المذكورة تأمر بجهاد الكفار والمنافقين ولا تحدد نوع الجهاد؛ فجهاد الكفار يكون بالقتال، وجهاد المنافقين يكون بالوعظ والنصيحة، والآية الكريمة تشمل هذين النوعين من الجهاد.]

قال: «لقد جاهدهم النبي بلسانه».

قلت: «وهل الجهاد المفروض هو الذي يكون باللسان؟»

قال: «لقد حارب رسول الله الكفار».

قلت: «إنما حارب النبي الكفار دفاعًا عن نفسه، لأنهم أرادوا قتله».

فأومأ برأسه موافقًا.

وقلت له مرة أخرى: «نكاح المتعة جائز».

فاعترض: «لا، ليس جائزًا».

قلت: «إن الله يقول: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة النساء: 24]».

قال: «لقد حرّم عمر متعتين كانتا في زمنه، وقال إنه يعاقب من يفعلهما».

قلت: «أنت تقول إنك أعلى من عمر، ثم تتّبعه! ثم إن عمر قال إنه حرّمها مع علمه بأن النبي أباحها، فلماذا تترك قول النبي وتطيع قول عمر؟»

فلم يُجب، وعلمت أنه اقتنع.

وأحسست أن محمدًا النجدي كان يشتهي امرأة في تلك اللحظة، فقد كان أعزب، فقلت له: «هلمّ نتّخذ كلٌّ منا امرأة بنكاح المتعة، فنقضي معهما وقتًا طيبًا». فقبل بإيماءة من رأسه. وكانت هذه فرصة عظيمة لي، فوعدته أن أجد له امرأة يستمتع بها، وكان غرضي أن أزيل ما عنده من تحرّج من الناس. لكنه اشترط أن يبقى الأمر سرًّا بيننا، وألّا تعرف المرأة حتى اسمه. فأسرعت إلى النساء النصرانيات اللواتي أرسلتهن وزارة المستعمرات لإغواء شباب المسلمين هناك، وشرحت الأمر لإحداهن فقبلت المساعدة، فأطلقت عليها اسم «صفية». وأخذت محمدًا النجدي إلى بيتها، وكانت صفية وحدها في البيت، فعقدنا لمحمد النجدي عقد زواج لمدة أسبوع، وأعطى المرأة شيئًا من الذهب باسم «المهر». وهكذا بدأنا نُضلّ محمدًا النجدي، صفيةُ من الداخل وأنا من الخارج.

وصار محمد النجدي في يد صفية تمامًا، وقد ذاق فوق ذلك لذة مخالفة أوامر الشريعة بحجة حرية الاجتهاد والرأي.

وفي اليوم الثالث من نكاح المتعة جادلته طويلًا في أن الخمر ليست حرامًا. ومع أنه أورد آيات وأحاديث كثيرة تدل على تحريم الخمر، فإنني رددتها كلها، ثم قلت أخيرًا: «من الثابت أن يزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس شربوا الخمر، أفكانوا كلهم ضالّين وأنت وحدك على الصواب؟ لا شك أنهم كانوا أعلم منك بالقرآن والسنة، وقد استنبطوا من القرآن والسنة أن الخمر مكروهة لا حرام. وفي كتب اليهود والنصارى أن الخمر مباحة، والأديان كلها أوامر الله. بل جاء في رواية أن عمر كان يشرب الخمر حتى نزلت الآية: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [سورة المائدة: 91]، ولو كانت حرامًا لعاقبه النبي، فبما أن النبي لم يعاقبه فالخمر حلال».

[والحق أن عمر رضي الله عنه كان يشرب الخمر قبل تحريمها، ولم يشربها قط بعد إعلان التحريم. وإن شرب بعض خلفاء بني أمية وبني العباس الخمر فليس ذلك دليلًا على أن الخمر مكروهة، بل هو دليل على أنهم كانوا عصاة ارتكبوا الحرام؛ فالآية الكريمة التي استشهد بها الجاسوس، وغيرها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، تدل على تحريم الخمر. وقد جاء في كتاب «رياض الناصحين»: «كان شرب الخمر مباحًا في أول الأمر، وكان حضرة عمر وسعد بن أبي وقاص وبعض الصحابة الآخرين يشربونها، ثم نزلت الآية التاسعة عشرة بعد المئتين من سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت بعد ذلك آية سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء: 43]»، ثم نزلت آية سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة: 90]، فحُرّمت الخمر. وقد جاء في الحديث الشريف: «ما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام»، وجاءت أحاديث شريفة أخرى معناها: أن الخمر من أكبر الكبائر، وألّا يُصادَق شارب الخمر ولا تُشهد جنازته ولا يُصاهَر، وأن مدمن الخمر كعابد وثن، وأن الله تعالى لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها وساقيها.]

قال محمد النجدي: «في بعض الروايات أن عمر شرب النبيذ بعد أن مزجه بالماء، وقال إنه ليس حرامًا ما لم يُسكر. ورأي عمر صحيح، فإن الله يقول في القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [سورة المائدة: 91]، والخمر لا تسبّب الآثام المذكورة في الآية إذا لم تُسكر، فليست حرامًا إذا لم يكن لها أثر مُسكر».

فأخبرت صفية بهذا الجدال الذي دار بيننا في الخمر، وأوصيتها أن تسقيه شرابًا قويًّا جدًّا. فقالت بعد ذلك: «فعلت كما قلت وسقيته، فرقص وواقعني مرات تلك الليلة». ومنذ ذلك الحين أحكمنا، أنا وصفية، السيطرة على محمد النجدي تمامًا. وقد قال لي وزير المستعمرات في حديث الوداع: «لقد أخذنا إسبانيا من الكفار [يعني المسلمين] بالخمر والزنى، فلنستردّ بلادنا كلها بهاتين القوتين العظيمتين مرة أخرى». والآن عرفت كم كان قوله صادقًا.

وفتحت يومًا مع محمد النجدي موضوع الصوم فقلت: «جاء في القرآن: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: 184]، ولم يُذكر أن الصوم فرض، فالصوم إذن سنة لا فرض في دين الإسلام». فاعترض وقال: «أتريد أن تُخرجني من ديني؟» فقلت: «إنما الدين طهارة القلب وسلامة الروح وعدم التعدّي على حقوق الآخرين. ألم يقل النبي: "الدين الحب"؟ ألم يقل الله في القرآن الكريم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: 99]؟ فإذا بلغ المرء اليقين بالله وبيوم القيامة، وجمّل قلبه وطهّر أعماله، صار أفضل الناس». فهزّ رأسه ردًّا على كلامي هذا.

وقلت له مرة: «الصلاة ليست فرضًا». قال: «كيف لا تكون فرضًا؟» قلت: «إن الله يقول في القرآن: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: 14]، فالغاية من الصلاة ذكر الله، فيمكنك إذن أن تذكر الله دون أن تصلي».

قال: «نعم، سمعت أن بعض الناس يذكرون الله بدل أن يصلّوا». فسُررت بقوله هذا سرورًا كبيرًا، واجتهدت في تنمية هذه الفكرة والاستيلاء على قلبه. ثم لاحظت أنه صار لا يعطي الصلاة كبير أهمية، ويصليها متقطعة، وكان شديد التهاون خاصة بصلاة الصبح؛ إذ كنت أمنعه من النوم بمحادثته حتى منتصف الليل، فيكون أشد إرهاقًا من أن يقوم لصلاة الصبح.

وبدأت أنزع رداء الإيمان عن كتفي محمد النجدي رويدًا رويدًا. وأردت يومًا أن أجادله في النبي أيضًا، فقال: «إن كلّمتني في هذه المواضيع بعد اليوم فسدت العلاقة بيننا، وقطعت صداقتي معك». فتركت الحديث عن النبي خوفًا من أن تضيع جهودي كلها دفعة واحدة.

ونصحته أن يسلك طريقًا يخالف طريق أهل السنة وطريق الشيعة معًا، فاستحسن فكرتي هذه، لأنه كان مغرورًا. وبفضل صفية وضعت في عنقه رسنًا.

وقلت له مرة: «سمعت أن النبي آخى بين أصحابه، فهل هذا صحيح؟» فلما أجاب بالإيجاب أردت أن أعرف أهذا الحكم الإسلامي مؤقت أم دائم، فقال: «إنه دائم، فحلال النبي محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة». فعرضت عليه أن يكون أخي، فصرنا أخوين.

ومنذ ذلك اليوم لم أتركه وحده قط، وكنا معًا حتى في أسفاره. كان مهمًّا جدًّا بالنسبة لي، فالشجرة التي غرستها ورعيتها وأنفقت عليها أثمن أيام شبابي بدأت الآن تؤتي ثمارها.

وكنت أرسل كل شهر تقارير إلى وزارة المستعمرات في لندن، وكانت الأجوبة التي تصلني مشجعة ومطمئنة جدًّا. لقد كان محمد النجدي يسير في الطريق الذي رسمته له.

وكان واجبي أن أغرس فيه مشاعر الاستقلال والحرية والشك، وكنت دائمًا أمدحه وأقول له إن مستقبلًا باهرًا ينتظره.

واختلقت يومًا هذا المنام: «رأيت البارحة نبيّنا في المنام، فخاطبته بالأوصاف التي تعلمتها من الشيوخ. كان جالسًا على منصّة، وحوله علماء لا أعرفهم. فدخلتَ أنت، ووجهك مشرق كالهالة، فمشيت نحو النبي، فلما اقتربت منه قام النبي وقبّلك بين عينيك وقال: "أنت سميّي، ووارث علمي، ونائبي في أمور الدين والدنيا". فقلت: "يا رسول الله! إني أخاف أن أبيّن علمي للناس". فقال النبي: "أنت أعظمهم، لا تخف"».

فلما سمع محمد بن عبد الوهاب المنام طار فرحًا، وسألني مرارًا إن كان ما قلته صحيحًا، فأجبته في كل مرة بالإيجاب، حتى تيقّن أنني صادق. وأظن أنه منذ ذلك الحين عزم على نشر الأفكار التي غرستها فيه، وعلى تأسيس فرقة جديدة.

تتمة مذكرات مستر همفر، الجاسوس البريطاني في الشرق الأوسط (الجزء الثاني) ←