الجزء الأول · الجزء الثاني
ترجمة عربية للنسخة الإنكليزية المنشورة على هذا الموقع (English). الآيات القرآنية منقولة بنصّها من المصحف، وما بين معقوفين [ ] تعليقات المترجم التركي للنسخة الأصلية.

القسم الخامس

يقول همفر:

في يوم من تلك الأيام التي صرت فيها أنا ومحمد النجدي صديقين حميمين جدًّا، وصلتني رسالة من لندن تأمرني بالسفر إلى مدينتي كربلاء والنجف، أشهر مركزين للعلم والروحانية عند الشيعة. فاضطررت إلى فراق محمد النجدي وترك البصرة. لكنني كنت مسرورًا، لأنني كنت متيقنًا أن هذا الرجل الجاهل الفاسد الأخلاق سيؤسس فرقة جديدة تهدم الإسلام من داخله، وأنني أنا واضع العقائد الضالة لهذه الفرقة الجديدة.

دُفن عليّ، الخليفة الرابع عند أهل السنة والأول عند الشيعة، في النجف. وكانت مدينة الكوفة، التي تبعد عن النجف فرسخًا، أي ساعة مشيًا، عاصمة خلافة علي. ولما قُتل علي دفنه ابناه الحسن والحسين خارج الكوفة في مكان يُسمّى اليوم النجف. ومع مرور الزمن أخذت النجف تكبر والكوفة تضمحلّ شيئًا فشيئًا. واجتمع رجال الدين الشيعة في النجف، وبُنيت فيها البيوت والأسواق والمدارس.

وكان الخليفة في إسطنبول يعاملهم بلطف وكرم للأسباب التالية:

  1. كانت الحكومة الشيعية في إيران تساند الشيعة، وتدخّل الخليفة في شؤونهم قد يسبب توترًا بين الدولتين يفضي إلى الحرب.
  2. كان من سكان النجف قبائل مسلحة تساند الشيعة، ومع أنها لم تكن ذات شأن كبير من حيث السلاح والتنظيم، لم يكن من الحكمة أن يجازف الخليفة بالدخول في مشكلات معها.
  3. كان لشيعة النجف سلطان على الشيعة في العالم كله، ولا سيما في إفريقيا والهند، فلو أزعجهم الخليفة لثار عليه الشيعة جميعًا.

واستُشهد الحسين بن علي، حفيد النبي ابن ابنته فاطمة، في كربلاء. كان أهل العراق قد أرسلوا إلى الحسين في المدينة ودعوه إلى العراق ليبايعوه خليفة، فلما كان الحسين وأهله في الأرض المسمّاة كربلاء رجع أهل العراق عن نيّتهم الأولى، وخرجوا بأمر من يزيد بن معاوية، الخليفة الأموي المقيم في دمشق، يريدون القبض عليه. فقاتل الحسين وأهله الجيشَ العراقي قتالًا بطوليًّا حتى النهاية، وانتهت المعركة بمقتلهم، فكان الجيش العراقي هو الغالب. ومنذ ذلك اليوم اتخذ الشيعة كربلاء مركزًا روحيًّا لهم، فيأتيها الشيعة من أنحاء العالم في حشود عظيمة لا نظير لها في ديننا النصراني.

وكربلاء مدينة شيعية فيها مدارس شيعية، وهي والنجف تساند إحداهما الأخرى. فلما وصلني الأمر بالذهاب إلى هاتين المدينتين تركت البصرة إلى بغداد، ومنها إلى مدينة تُسمّى «الحلّة» على نهر الفرات.

ودجلة والفرات ينبعان من تركيا، ويشقّان العراق، ويصبّان في الخليج. وزراعة العراق ورخاؤه قائمان على هذين النهرين.

ولما عدت إلى لندن اقترحت على وزارة المستعمرات وضع مشروع لتحويل مجرى هذين النهرين لإرغام العراق على قبول مطالبنا؛ فإذا قُطع الماء اضطر العراق إلى تلبية مطالبنا.

وسافرت من الحلّة إلى النجف متنكرًا في زيّ تاجر أذربيجاني. وأقمت صداقات وثيقة مع رجال الدين الشيعة، وبدأت أضلّلهم، وانضممت إلى حلقات دروسهم الدينية. فرأيت أنهم لا يدرسون العلوم كما يدرسها أهل السنة، وليس عندهم الأخلاق الجميلة التي عند أهل السنة. فمثلًا:

  1. كانوا شديدي العداوة للدولة العثمانية، لأنهم شيعة والأتراك سنة، وكانوا يقولون إن أهل السنة كفار.
  2. كان علماء الشيعة منصرفين كليًّا إلى التعاليم الدينية، قليلي الاهتمام بالعلوم الدنيوية، كما كان حال القسس في عصر الجمود من تاريخنا.
  3. كانوا جاهلين تمامًا بجوهر الإسلام الباطن وسموّ أخلاقه، وليس عندهم أدنى فكرة عن التقدم العلمي والتقني في عصرهم.

فقلت في نفسي: ما أتعس هؤلاء الشيعة! إنهم يغطّون في نوم عميق والعالم كله مستيقظ، وسيأتي يومًا طوفان فيجرفهم جميعًا. وحاولت مرارًا أن أحرّضهم على الثورة على الخليفة، ولكن للأسف لم يُصغِ إليّ أحد، بل ضحك مني بعضهم كأنني طلبت منهم أن يهدموا الأرض؛ فقد كانوا يرون الخليفة حصنًا لا يمكن الاستيلاء عليه، ويرون أنهم إنما يتخلصون من الخلافة بظهور المهدي المنتظر.

والمهدي عندهم هو إمامهم الثاني عشر، من ذرية نبي الإسلام، اختفى سنة 255 للهجرة، ويعتقدون أنه ما زال حيًّا، وأنه سيظهر يومًا فينقذ العالم مما هو فيه من ظلم وجور، ويملؤه عدلًا.

إنه لأمر مذهل! كيف يصدّق هؤلاء الشيعة بهذه الخرافات! إنها كالعقيدة الخرافية التي عند نصارانا: «سيعود يسوع المسيح ويملأ العالم عدلًا».

قلت يومًا لأحدهم: «أليس من الفرض عليكم أن تمنعوا الظلم كما فعل نبي الإسلام؟» فأجاب: «إنما استطاع أن يمنع الظلم لأن الله أعانه». فقلت: «جاء في القرآن: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [سورة محمد: 7]، فإن ثُرتم على ظلم شاهاتكم أعانكم الله». فأجاب: «أنت تاجر، وهذه مسائل علمية لا تفهمها».

وكان ضريح «أمير المؤمنين» عليّ مزخرفًا بإفراط، له صحن فخم وقبة مكسوّة بالذهب ومنارتان عاليتان. وكانت جموع غفيرة من الشيعة تزور هذا الضريح كل يوم، ويصلّون فيه جماعة. وكان كل زائر ينحني أولًا أمام العتبة فيقبّلها، ثم يسلّم على القبر، ويستأذن ثم يدخل. وكان للضريح صحن واسع فيه حجرات كثيرة لرجال الدين والزوار.

وفي كربلاء ضريحان شبيهان بضريح علي، أحدهما للحسين والآخر لأخيه العباس الذي استُشهد معه في كربلاء. وكان الشيعة في كربلاء يكررون ما يفعلونه في النجف. ومناخ كربلاء أطيب من مناخ النجف، تحيط بها بساتين جميلة وجداول لطيفة.

وفي أثناء مهمتي في العراق رأيت مشهدًا أراح قلبي؛ فقد كانت هناك أحداث تبشّر بنهاية الدولة العثمانية. فمن ذلك أن الوالي الذي عيّنته الحكومة في إسطنبول كان جاهلًا ظالمًا، يتصرف كما يشاء، وكان الناس لا يحبونه. فأهل السنة كانوا متضايقين لأن الوالي يقيّد حريتهم ولا يقيم لهم وزنًا، والشيعة كانوا ساخطين لأن يحكمهم تركيّ وفيهم السادة والأشراف من ذرية النبي، وهم أولى بالولاية منه بكثير.

كان الشيعة في حال بائسة جدًّا، يعيشون في بيئات قذرة متداعية. وكانت الطرق غير آمنة، يترصّد قطّاعُ الطرق القوافل ويهاجمونها كلما رأوها بلا جنود يحرسونها، ولذلك لم تكن القوافل تخرج حتى تعيّن الحكومة فرقة لحراستها.

وكانت القبائل الشيعية في الغالب تتقاتل فيما بينها، يقتل بعضها بعضًا وينهب بعضها بعضًا كل يوم. وكان الجهل والأمية منتشرين انتشارًا مخيفًا. وذكّرتني حال الشيعة هذه بالزمن الذي كانت فيه أوروبا تحت سيطرة الكنيسة. فباستثناء رجال الدين المقيمين في النجف وكربلاء وقلّة قليلة من أتباعهم، لم يكن من كل ألف شيعي واحد يعرف القراءة والكتابة.

وكان الاقتصاد منهارًا تمامًا، والناس يعانون فقرًا مدقعًا، والنظام الإداري مختلًّا، والشيعة يخونون الحكومة.

وكانت الدولة والشعب ينظر كلٌّ منهما إلى الآخر بعين الريبة، فلا تعاون بينهما. وكان رجال الدين الشيعة، المنصرفون كليًّا إلى سبّ أهل السنة، قد تركوا العلم دنيويَّه ودينيَّه معًا.

بقيت في كربلاء والنجف أربعة أشهر، وأصابني في النجف مرض شديد جدًّا، حتى يئست تمامًا من الشفاء. ودام مرضي ثلاثة أسابيع، فذهبت إلى طبيب فكتب لي وصفة، فلما استعملت الدواء بدأت أتعافى. وقضيت مدة مرضي في غرفة تحت الأرض. وكان مضيفي يعدّ لي الدواء والطعام مقابل مبلغ زهيد، يرجو ثوابًا عظيمًا على خدمتي، إذ كنت، كما يقال، زائرًا لأمير المؤمنين علي. ونصحني الطبيب ألّا أتناول في الأيام الأولى إلا مرق الدجاج، ثم أذن لي بأكل الدجاج أيضًا، وفي الأسبوع الثالث تناولت حساء الأرز. ولما شُفيت سافرت إلى بغداد، وأعددت تقريرًا من مئة صفحة عن مشاهداتي في النجف والحلة وبغداد وفي الطريق، وسلّمته إلى ممثل وزارة المستعمرات في بغداد، وانتظرت أمر الوزارة: أأبقى في العراق أم أعود إلى لندن؟

كنت أتمنى العودة إلى لندن، فقد طالت غيبتي، واشتقت إلى وطني وأهلي، وكنت أريد خاصة أن أرى ابني «راسبوتين» الذي وُلد بعد سفري. ولذلك ألحقت بتقريري طلبًا للإذن بالعودة إلى لندن ولو لمدة قصيرة، لأقدّم تقريرًا شفهيًّا عن انطباعاتي في مهمتي التي دامت ثلاث سنوات في العراق، ولأستريح في أثناء ذلك. ونصحني ممثل الوزارة في العراق ألّا أُكثر من زيارته لئلا أثير الشبهات، ونصحني أن أستأجر غرفة في أحد الخانات على نهر دجلة، وقال: «سأخبرك بجواب الوزارة حين يصلنا البريد من لندن». وفي أثناء إقامتي في بغداد لاحظت البُعد الروحي بين إسطنبول عاصمة الخلافة وبغداد.

وحين تركت البصرة إلى كربلاء والنجف كنت قلقًا جدًّا من أن ينحرف محمد النجدي عن الاتجاه الذي وجّهته إليه؛ فقد كان شديد التقلب والعصبية، وكنت أخشى أن تفسد الأهداف التي بنيتها عليه.

وحين فارقته كان يفكر في الذهاب إلى إسطنبول، فبذلت جهدي لأصرفه عن هذه الفكرة، وقلت له: «أخشى كثيرًا أن تقول هناك قولًا يحكمون عليك بسببه بالزندقة فيقتلوك».

وكان خوفي في الحقيقة على العكس من ذلك؛ كنت أخشى أن يلقى هناك علماء متبحّرين يصحّحون أغلاطه ويردّونه إلى عقيدة أهل السنة، فتذهب أحلامي كلها سدى، ففي إسطنبول كان العلم وأخلاق الإسلام الجميلة.

ولما علمت أن محمدًا النجدي لا يريد البقاء في البصرة نصحته أن يذهب إلى أصفهان وشيراز، فهما مدينتان جميلتان، وأهلهما شيعة، والشيعة لا يمكن أن يؤثروا في محمد النجدي لضعفهم في العلم والأخلاق. وهكذا ضمنت ألّا يغيّر الطريق الذي رسمته له.

وعند الفراق قلت له: «أتؤمن بالتقيّة؟» فقال: «نعم. لقد أسر الكفار أحد الصحابة وعذّبوه وقتلوا أبويه، فعمل بالتقيّة، أي أظهر الشرك، [فلما رجع وأخبر بما حدث] لم يعاتبه النبي أبدًا». فنصحته: «إذا عشت بين الشيعة فاعمل بالتقية، ولا تقل لهم إنك سنيّ لئلا يؤذوك. انتفع ببلادهم وعلمائهم، وتعلّم عاداتهم وتقاليدهم، فإنهم قوم جهلة معاندون».

وعند الفراق أعطيته شيئًا من المال على أنه زكاة، والزكاة ضريبة إسلامية تُجمع لتُوزّع على المحتاجين. وأهديته فوق ذلك دابة مسرجة، ثم افترقنا.

وبعد سفري انقطعت أخباره عني، فأقلقني ذلك قلقًا شديدًا. وكنا قد اتفقنا عند الفراق على أن نعود كلانا إلى البصرة، وأن من يعود أولًا ولا يجد الآخر يكتب رسالة ويتركها عند عبد الرضا.

القسم السادس

بقيت في بغداد مدة، ثم وصلتني الرسالة التي تأمرني بالعودة إلى لندن فسافرت. وفي لندن تحدثت مع السكرتير وبعض مسؤولي الوزارة، وأخبرتهم بنشاطي ومشاهداتي في مهمتي الطويلة، ففرحوا كثيرًا بما قدّمته من معلومات عن العراق، وأبدوا رضاهم. وكانت صفية، صاحبة محمد النجدي، قد أرسلت من جهتها تقريرًا يوافق تقريري. وعرفت كذلك أن رجالًا من الوزارة كانوا يتعقبونني طوال مهمتي، وأرسلوا هم أيضًا تقارير موافقة لتقاريري ولما رويته للسكرتير.

وحدّد لي السكرتير موعدًا لمقابلة الوزير، فلما زرته استقبلني استقبالًا لم يستقبلني بمثله حين عدت من إسطنبول، فعلمت أنني صرت أحتل في قلبه مكانة خاصة.

وسُرّ الوزير كثيرًا حين علم أنني ظفرت بمحمد النجدي، وقال: «إنه السلاح الذي كانت وزارتنا تبحث عنه، فأعطه كل أنواع الوعود، ولو قضيت كل وقتك في تلقينه لكان ذلك جديرًا». فلما قلت: «إني قلق على محمد النجدي، فلعله غيّر رأيه» أجاب: «لا تقلق، إنه لم يتخلَّ عن الأفكار التي كانت عنده حين فارقته؛ فقد التقاه جواسيس وزارتنا في أصفهان وأبلغوا الوزارة أنه لم يتغير». فقلت في نفسي: «كيف يكشف محمد النجدي أسراره لغريب؟» ولم أجرؤ أن أسأل الوزير هذا السؤال. لكنني حين لقيت محمدًا النجدي بعد ذلك عرفت أن رجلًا اسمه عبد الكريم لقيه في أصفهان واستخرج أسراره بقوله: «أنا أخو الشيخ محمد [يعنيني]، وقد أخبرني بكل ما يعرفه عنك».

وقال لي محمد النجدي: «ذهبت معي صفية إلى أصفهان وعشنا معًا بنكاح المتعة شهرين آخرين، ثم صحبني عبد الكريم إلى شيراز ووجد لي امرأة اسمها آسية، أجمل من صفية وأكثر فتنة، فتزوجتها متعة، وقضيت معها أمتع لحظات حياتي».

وعرفت بعد ذلك أن عبد الكريم عميل نصراني يسكن حيّ جلفا في أصفهان ويعمل للوزارة، وأن آسية يهودية تسكن شيراز وهي عميلة أخرى للوزارة. وقد تعاونّا نحن الأربعة على تدريب محمد النجدي بحيث يؤدي في المستقبل ما يُنتظر منه على أحسن وجه.

ولما رويت هذه الأحداث بحضور الوزير والسكرتير وعضوين آخرين من الوزارة لا أعرفهما، قال لي الوزير: «لقد استحققت أعظم جائزة تمنحها الوزارة، فأنت أفضل عملاء الوزارة المهمّين. وسيخبرك السكرتير ببعض أسرار الدولة التي ستعينك في مهمتك».

ثم أعطوني إجازة عشرة أيام أرى فيها أهلي، فذهبت إلى البيت فورًا وقضيت بعض أحلى لحظاتي مع ابني الذي كان يشبهني كثيرًا. كان ابني ينطق ببضع كلمات، ويمشي برشاقة حتى أحسست كأنه قطعة من جسدي. وقضيت هذه الإجازة بمرح وسعادة حتى كدت أطير من الفرح؛ فما أعظم لذة العودة إلى البيت والبقاء مع الأهل! وزرت في هذه الإجازة عمّتي العجوز التي كانت تحبني كثيرًا، وكان من الحكمة أن أزورها، فقد توفيت بعد سفري في مهمتي الثالثة، فحزنت على وفاتها حزنًا شديدًا.

ومضت الأيام العشرة سريعة كساعة واحدة. فأيام الفرح تمضي سريعة كالساعة، وأيام الحزن تبدو كأنها قرون. وتذكرت أيام مرضي في النجف، فقد بدت لي تلك الأيام العصيبة كأنها سنوات.

ولما ذهبت إلى الوزارة لأتسلّم الأوامر الجديدة لقيت السكرتير بوجهه البشوش وقامته الطويلة، فصافحني بحرارة ظهرت فيها مودّته، وقال لي: «بأمر وزيرنا واللجنة المسؤولة عن المستعمرات سأخبرك بسرّين من أسرار الدولة، ستنتفع بهما كثيرًا فيما بعد، ولا يعرفهما إلا نفر قليل من الموثوقين».

وأخذ بيدي إلى غرفة في الوزارة، فرأيت فيها شيئًا لافتًا جدًّا: عشرة رجال جالسين حول طاولة مستديرة. كان الأول في زيّ السلطان العثماني، يتكلم التركية والإنكليزية، والثاني في زيّ شيخ الإسلام في إسطنبول، والثالث في زيّ مطابق لزيّ شاه إيران، والرابع في زيّ الوزير في القصر الإيراني، والخامس في زيّ العالم الكبير الذي يتزعم الشيعة في النجف. وكان الثلاثة الأخيرون يتكلمون الفارسية والإنكليزية. وبجانب كل واحد من هؤلاء الخمسة كاتب يدوّن كل ما يقوله، وكان هؤلاء الكتبة يزوّدون الخمسة بالمعلومات التي جمعها الجواسيس عن أصولهم في إسطنبول وإيران والنجف.

وقال السكرتير: «هؤلاء الخمسة يمثّلون أولئك الخمسة هناك. ولكي نعرف ما يفكر فيه أصلهم دربنا هؤلاء وأعددناهم ليكونوا مثلهم تمامًا، ونبلّغهم بما نحصل عليه من معلومات عن أصولهم في إسطنبول وطهران والنجف، فيتصورون أنفسهم أولئك الأصول في أماكنهم، ثم نسألهم فيجيبوننا. وقد وجدنا أن أجوبتهم توافق ما كان أصولهم سيجيبون به بنسبة سبعين بالمئة.

«وإن شئت فاسألهم أسئلة تختبرهم بها. وقد لقيت عالم النجف من قبل». فأجبت بالإيجاب، فقد لقيت العالم الشيعي الكبير في النجف وسألته عن بعض المسائل. فاقتربت من نظيره وقلت: «يا شيخنا، أيجوز لنا أن نحارب الحكومة لأنها سنية متعصبة؟» فتفكّر قليلًا ثم قال: «لا، لا يجوز لنا أن نحارب الحكومة لأنها سنية، فالمسلمون كلهم إخوة. وإنما نعلن عليهم الحرب إن ارتكبوا الظلم والاضطهاد بحق الأمة، وحتى في هذه الحال نلتزم بمبادئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونكفّ عنهم ما إن يكفّوا عن ظلمهم».

قلت: «يا شيخنا، ما رأيك في مسألة نجاسة اليهود والنصارى؟» قال: «نعم، هم أنجاس، ويجب الابتعاد عنهم». فلما سألته عن السبب أجاب: «ذلك ردًّا على إهانتهم؛ فهم يعدّوننا كفارًا وينكرون نبينا محمدًا عليه السلام، فنحن نقابلهم بالمثل». قلت له: «يا شيخنا، أليست النظافة من الإيمان؟ ومع ذلك فإن الطرق والشوارع حول الصحن الشريف [المنطقة المحيطة بضريح حضرة علي] ليست نظيفة، بل حتى المدارس، وهي أماكن العلم، لا يمكن أن يقال إنها نظيفة». فأجاب: «نعم، صحيح، النظافة من الإيمان، لكن لا حيلة في ذلك، لأن الشيعة مهملون في النظافة».

كانت أجوبة هذا الرجل في الوزارة مطابقة تمامًا للأجوبة التي سمعتها من العالم الشيعي في النجف، فأذهلني هذا التطابق الدقيق بين هذا الرجل وعالم النجف أشد الذهول، وكان هذا الرجل يتكلم الفارسية أيضًا.

وقال السكرتير: «لو كنت لقيت أصول الشخصيات الأربع الأخرى لكلّمت نظائرهم الآن، ولرأيت كم هم مطابقون لأصولهم». فلما قلت: «إنني أعرف كيف يفكر شيخ الإسلام، فقد وصفه لي أحمد أفندي، شيخي في إسطنبول، وصفًا مفصلًا»، قال السكرتير: «إذن تقدّم وكلّم نظيره».

فاقتربت من نظير شيخ الإسلام وقلت له: «أفرضٌ طاعة الخليفة؟» قال: «نعم، هي واجبة، كما أن طاعة الله والنبي فرض». فلما سألته عن دليله أجاب: «ألم تسمع قول الله جلّ جلاله: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [سورة النساء: 59]؟» فقلت: «أيعني هذا أن الله يأمرنا بطاعة الخليفة يزيد الذي أباح لجيشه نهب المدينة وقتل حفيد نبينا الحسين، وطاعة الوليد الذي كان يشرب الخمر؟» فكان جوابه: «يا بنيّ! كان يزيد أمير المؤمنين بإذن الله، ولم يأمر بقتل الحسين، فلا تصدّق أكاذيب الشيعة، واقرأ الكتب جيدًا! لقد أخطأ ثم تاب. وكان مصيبًا في أمره بنهب المدينة المنوّرة، فقد صار أهلها جامحين عصاة. أما الوليد فنعم، كان فاسقًا. والواجب ألّا نقتدي بالخليفة، بل أن نطيع أوامره الموافقة للشريعة». وكنت قد سألت شيخي أحمد أفندي الأسئلة نفسها وتلقيت أجوبة مطابقة مع فروق يسيرة. ثم سألت السكرتير: «ما الغاية النهائية من إعداد هؤلاء النظائر؟» فقال: «بهذه الطريقة نقيس القدرات العقلية للسلطان (العثماني) وعلماء المسلمين شيعةً وسنّة، ونبحث عن التدابير التي تعيننا على مواجهتهم. فمثلًا، إن عرفت الجهة التي ستأتي منها قوات العدو استعددت لها، ووضعت قواتك في مواقع مناسبة، فهزمت العدو. أما إن لم تكن متيقنًا من جهة هجوم العدو فإنك توزّع قواتك هنا وهناك عشوائيًّا فتنهزم... وكذلك إن عرفت الأدلة التي سيقدّمها المسلمون لإثبات أن دينهم ومذهبهم حق، أمكنك أن تعدّ الأدلة المضادة التي تنقض أدلتهم وتزعزع إيمانهم».

ثم أعطاني كتابًا من ألف صفحة فيه نتائج الملاحظات والمشاريع التي أنجزها هؤلاء الخمسة الممثلون في مجالات كالحرب والمال والتعليم والدين، وقال: «اقرأ هذا الكتاب من فضلك ثم أعده إلينا». فأخذت الكتاب إلى البيت وقرأته كله بأقصى انتباه في عطلتي التي دامت ثلاثة أسابيع.

كان الكتاب من نوع عجيب، فالأجوبة المهمة والملاحظات الدقيقة التي فيه تبدو حقيقية. وأظن أن أجوبة الممثلين الخمسة كانت توافق ما كان أصولهم سيجيبون به بأكثر من سبعين بالمئة، وقد قال السكرتير فعلًا إن الأجوبة صحيحة بنسبة سبعين بالمئة.

ولما قرأت الكتاب ازدادت ثقتي بدولتي، وعلمت يقينًا أن خطط هدم الدولة العثمانية في أقل من قرن قد أُعدّت. وقال السكرتير أيضًا: «وفي غرف أخرى مماثلة طاولات مثل هذه للبلاد التي نستعمرها وللبلاد التي نخطط لاستعمارها». فلما سألت السكرتير من أين يجدون مثل هؤلاء الرجال المجتهدين الموهوبين، أجاب: «عملاؤنا في أنحاء العالم يزوّدوننا بالمعلومات باستمرار، وهؤلاء الممثلون كما ترى خبراء في عملهم. ومن الطبيعي أنك لو زُوّدت بكل ما عند شخص معيّن من معلومات لاستطعت أن تفكر مثله وتتخذ القرارات التي يتخذها، لأنك تصير حينئذ بديلًا عنه».

وتابع السكرتير: «هذا هو السر الأول الذي أمرتني الوزارة أن أطلعك عليه.

«وسأطلعك على السر الثاني بعد شهر، حين تعيد إلينا الكتاب ذا الألف صفحة».

قرأت الكتاب جزءًا جزءًا من أوله إلى آخره، مركّزًا عليه كل انتباهي، فزادت معلوماتي عن «المحمّديين»؛ فصرت أعرف كيف يفكرون، وما نقاط ضعفهم، وما الذي يجعلهم أقوياء، وكيف تُحوَّل نقاط قوتهم إلى مواطن ضعف.

وكانت نقاط ضعف المسلمين كما سجّلها الكتاب على النحو التالي:

  1. الخلاف بين السنة والشيعة، والخلاف بين الحاكم والشعب، والخلاف بين الأتراك والإيرانيين، والخلاف القبلي، والخلاف بين العلماء والدول.
  2. المسلمون، إلا قليلًا منهم، جهلة أمّيّون.
  3. قلّة الروحانية والعلم والضمير.
  4. تركوا شؤون الدنيا تمامًا وانصرفوا إلى أمور الآخرة.
  5. الحكّام طغاة ظالمون.
  6. الطرق غير آمنة، والمواصلات والأسفار متقطعة.
  7. لا تُتّخذ أي احتياطات من الأوبئة كالطاعون والكوليرا التي تقتل عشرات الآلاف كل عام، والصحة العامة مهملة تمامًا.
  8. المدن خربة، ولا نظام لتوزيع المياه.
  9. الإدارة عاجزة عن مواجهة الثوار والمتمردين، والفوضى عامة، وأحكام القرآن التي يفخرون بها لا تكاد تُطبّق.
  10. الانهيار الاقتصادي والفقر والتخلف.
  11. ليس عندهم جيش منظم ولا سلاح كاف، والأسلحة الموجودة قديمة هشّة. [أيجهلون الجيش المنظم الذي أسسه أورخان غازي الذي اعتلى العرش (العثماني) سنة 726 (1326 للميلاد)، وجيش يلدرم (الصاعقة) بايزيد خان الذي لا عيب فيه، الذي هزم الجيش الصليبي العظيم في نيكوبولي سنة 799 (1399 للميلاد)؟]
  12. انتهاك حقوق المرأة.
  13. قلة الصحة البيئية والنظافة.

وبعد أن ذكر الكتاب ما عدّه مواطن ضعف المسلمين في الفقرات الملخّصة آنفًا، أوصى بأن يُجعل المسلمون غافلين عن تفوّق دينهم الإسلام ماديًّا وروحيًّا، ثم أورد المعلومات التالية عن الإسلام:

  1. الإسلام يأمر بالوحدة والتعاون، وينهى عن التفرق؛ ففي القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [سورة آل عمران: 103].
  2. الإسلام يأمر بالتعلم والوعي؛ ففي القرآن: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة العنكبوت: 20].
  3. الإسلام يأمر بطلب العلم؛ ففي الحديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة».
  4. الإسلام يأمر بالعمل للدنيا؛ ففي القرآن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [سورة البقرة: 201].
  5. الإسلام يأمر بالشورى؛ ففي القرآن: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الشورى: 38].
  6. الإسلام يأمر بإنشاء الطرق؛ ففي القرآن: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [سورة الملك: 15].
  7. الإسلام يأمر المسلمين بالمحافظة على صحتهم؛ ففي الحديث ما معناه أن العلم أربعة: علم الفقه لحفظ الدين، وعلم الطب لحفظ الأبدان، وعلم الصرف والنحو لحفظ اللسان، وعلم النجوم لمعرفة الأوقات.
  8. الإسلام يأمر بالعمران؛ ففي القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة: 29].
  9. الإسلام يأمر بالنظام؛ ففي القرآن: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [سورة الرعد: 8].
  10. الإسلام يأمر بالقوة الاقتصادية؛ ففي الأثر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا».
  11. الإسلام يأمر بإعداد جيش مزوّد بالسلاح القوي؛ ففي القرآن: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال: 60].
  12. الإسلام يأمر بمراعاة حقوق المرأة وإكرامها؛ ففي القرآن: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: 228].
  13. الإسلام يأمر بالنظافة؛ ففي الحديث ما معناه: «النظافة من الإيمان».

وأوصى الكتاب بإفساد مصادر القوة التالية وإضعافها:

  1. الإسلام ألغى التعصب العرقي واللغوي والتقليدي والعرفي والقومي.
  2. الربا والاحتكار والزنى والخمر ولحم الخنزير محرّمة.
  3. المسلمون متعلّقون تعلّقًا وثيقًا بعلمائهم.
  4. أكثر المسلمين السنة يعدّون الخليفة نائبًا عن النبي، ويعتقدون أن احترامه فرض كما يجب احترام الله والنبي.
  5. الجهاد فرض.
  6. غير المسلمين وأهل السنة كلهم أنجاس عند الشيعة.
  7. المسلمون جميعًا يعتقدون أن الإسلام هو الدين الحق الوحيد.
  8. أكثر المسلمين يعتقدون أن إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب فرض.
  9. يؤدّون عباداتهم (كالصلاة والصوم والحج...) على أجمل وجه.
  10. يعتقد الشيعة أن بناء الكنائس في بلاد المسلمين حرام.
  11. المسلمون متمسكون بمبادئ العقيدة الإسلامية تمسكًا شديدًا.
  12. يعدّ الشيعة إعطاء الخُمس، أي خُمس الغنائم المأخوذة في الجهاد، للعلماء فرضًا.
  13. يربّي المسلمون أبناءهم تربية تجعلهم لا يكادون يتركون طريق آبائهم.
  14. تتستّر النساء المسلمات تستّرًا تامًّا لا يمكن معه أن يصل إليهن الفساد.
  15. يصلّي المسلمون جماعة، فتجمعهم الصلاة خمس مرات كل يوم.
  16. يجتمعون عند قبر النبي وقبر علي وقبور غيرهما من الصالحين، لأنها مقدّسة عندهم.
  17. هناك عدد من ذرية النبي [يُسمّون السادة والأشراف]، يذكّرون بالنبي ويُبقونه حيًّا دائمًا في أعين المسلمين.
  18. إذا اجتمع المسلمون قوّى الوعّاظ إيمانهم وحثّوهم على الأعمال الصالحة.
  19. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض.
  20. من السنة التزوج بأكثر من امرأة لزيادة عدد المسلمين.
  21. هداية إنسان واحد إلى الإسلام أحبّ إلى المسلم من ملك الدنيا كلها.
  22. الحديث: «مَن سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» مشهور بين المسلمين.
  23. يعظّم المسلمون القرآن والأحاديث تعظيمًا بالغًا، ويعتقدون أن العمل بهما هو الطريق الوحيد إلى الجنة.

وأوصى الكتاب بإفساد مواطن قوة المسلمين ونشر مواطن ضعفهم، ووصف الطرق لتحقيق ذلك.

وأوصى بالخطوات التالية لنشر مواطن ضعفهم:

  1. إحداث الخلافات بإثارة العداوة بين الفرق المتنازعة، وزرع الريبة، ونشر الكتابات التي تزيد الخلافات اشتعالًا.
  2. عرقلة التعليم والنشر، وإحراق الكتب كلما أمكن، والحرص على بقاء أطفال المسلمين جهلة، بإلصاق التهم المختلفة برجال الدين لمنع الآباء المسلمين من إرسال أبنائهم إلى المدارس الدينية. [وقد كانت هذه الطريقة البريطانية شديدة الضرر بالإسلام.]
  3. ذكر الجنة ومدحها أمامهم، وإقناعهم بأنهم لا يحتاجون إلى العمل للحياة الدنيا، وتوسيع حلقات التصوف، وإبقاؤهم في غفلة بتشجيعهم على قراءة الكتب التي تدعو إلى الزهد، مثل «إحياء علوم الدين» للغزالي، و«المثنوي» لمولانا، وكتب محيي الدين بن عربي المختلفة.
  4. إغراء الحكّام بالظلم والاستبداد بالأباطيل الديماغوجية التالية: أنتم ظلّ الله في الأرض. والحقيقة أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا والأمويين والعباسيين إنما وصلوا إلى الحكم بالقوة والسيف، وكان كل منهم ملكًا. فأبو بكر مثلًا تولّى الحكم بمعونة سيف عمر، وبإحراق بيوت من لم يطعه، كبيت فاطمة. وعمر صار خليفة بتوصية أبي بكر. وعثمان صار رئيسًا بأمر عمر. أما علي فصار رئيس الدولة بانتخاب جرى بين عصابات. ومعاوية تولّى الحكم بالسيف. ثم في عهد الأمويين صار الحكم إرثًا يُتوارث من الآباء، وكذلك كان الأمر عند العباسيين. وهذه أدلة على أن الحكم في الإسلام ضرب من الاستبداد.
  5. حذف عقوبة الإعدام على القتل العمد من قانون العقوبات. [والإعدام هو الرادع الوحيد عن القتل وقطع الطرق، ولا يمكن منع الفوضى وقطع الطرق بدون عقوبة الإعدام.] وعرقلة الحكومة في معاقبة قطّاع الطرق واللصوص، والحرص على أن يكون السفر غير آمن بدعمهم وتسليحهم.
  6. جعلهم يعيشون حياة غير صحية بهذه الحيلة: كل شيء بقضاء الله وقدره، والعلاج الطبي لا أثر له في الشفاء؛ ألم يقل الله في القرآن: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ۝ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ۝ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [سورة الشعراء: 79-81]؟ فلا يبرأ أحد من مرض ولا ينجو من موت إلا بمشيئة الله.
  7. قول ما يلي لتشجيع الظلم: الإسلام دين عبادة لا شأن له بأمور الدولة، ولذلك لم يكن لمحمد وخلفائه وزراء ولا قوانين.
  8. التدهور الاقتصادي نتيجة طبيعية للأعمال الضارة التي أوصينا بها حتى الآن، ويمكننا أن نزيد في الضمور بإتلاف المحاصيل، وإغراق السفن التجارية، وإحراق الأسواق، وتخريب السدود والقناطر فتغرق المناطق الزراعية والمراكز الصناعية، وأخيرًا بتلويث شبكات مياه الشرب.
  9. تعويد رجال الدولة على الملذات [كالجنس والرياضة] والخمر والقمار والفساد الذي يسبب الفتن والدسائس، وإنفاق أموال الدولة في مصالحهم الشخصية، وتشجيع الموظفين على مثل ذلك ومكافأة من يخدمنا بهذا. ثم أضاف الكتاب النصيحة التالية: يجب حماية الجواسيس البريطانيين المكلّفين بهذه المهمة سرًّا أو علانية، وألّا يُبخل بأي نفقة لإنقاذ من يقبض عليه المسلمون منهم.
  10. نشر الربا بكل أنواعه؛ فالربا لا يخرّب الاقتصاد الوطني فحسب، بل يعوّد المسلمين على مخالفة أحكام القرآن، ومَن خالف مادة من القانون سهل عليه أن يخالف المواد الأخرى. ويجب أن يقال لهم: «الربا حرام إذا كان أضعافًا مضاعفة، لأن القرآن يقول: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾ [سورة آل عمران: 130]، فليس كل ربا حرامًا». [لا يجوز أن يُحدَّد أجل لوفاء القرض مسبقًا، وكل زيادة يُتفق عليها (عند الإقراض) ربا، وهذا النوع من الربا من الكبائر ولو كانت الزيادة المشروطة درهمًا واحدًا. وإن شُرط أن يُردّ المبلغ نفسه (المقترض) بعد أجل معيّن فهذا ربا في المذهب الحنفي. وفي البيع بالأجل يجب تحديد أجل الوفاء، فإن عجز المدين عن الوفاء في الأجل المحدد فمُدّ الأجل وشُرطت زيادة، سُمّي هذا النوع من الربا «المضاعف»، والآية الكريمة المذكورة تتحدث عن هذا النوع من الربا في التجارة.]
  11. نشر التهم الباطلة بالفظائع على العلماء، وإلصاق التهم القبيحة بهم، لتنفير المسلمين منهم. وسنُلبس بعض جواسيسنا زيّهم، ثم نجعلهم يرتكبون الأفعال القذرة، فيختلطون بالعلماء ويُنظر إلى كل عالم بريبة. ولا بد من دسّ هؤلاء الجواسيس في الأزهر وإسطنبول والنجف وكربلاء. وسنفتح مدارس وكليات لإبعاد المسلمين عن العلماء، نربّي فيها أبناء الروم واليونان والأرمن ونجعلهم أعداء للمسلمين. أما أبناء المسلمين فسنغرس فيهم الاعتقاد بأن أجدادهم كانوا جهلة، ولكي نجعلهم معادين للخلفاء والعلماء ورجال الدولة سنحدّثهم عن أخطائهم، ونقنعهم بأنهم كانوا مشغولين بملذاتهم، وأن الخلفاء كانوا يقضون أوقاتهم في اللهو مع الجواري، وأنهم أساؤوا استعمال أموال الناس، وأنهم لم يطيعوا النبي في شيء مما فعلوه.
  12. ولنشر الفرية القائلة إن الإسلام يحتقر المرأة سنستشهد بالآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [سورة النساء: 34]، وبالقول: «المرأة شرٌّ كلّها».
  13. القذارة نتيجة قلة الماء، فيجب أن نعرقل زيادة موارد المياه بحيل مختلفة.

وأوصى الكتاب بالخطوات التالية لهدم حصون المسلمين:

  1. إثارة العصبيات الجاهلية كالعنصرية والقومية بين المسلمين، لصرف أنظارهم إلى أمجادهم التي قبل الإسلام، وإحياء العهد الفرعوني في مصر، والعهد المجوسي في إيران، والعهد البابلي في العراق، وعهد أتيلا وجنكيز [الطغاة] عند العثمانيين. [وكانت لديهم قائمة طويلة في هذا الشأن.]
  2. يجب نشر الرذائل التالية سرًّا أو علانية: الخمر، والقمار، والزنى، ولحم الخنزير، [والعراك بين الأندية الرياضية]. ويجب في ذلك الاستفادة إلى أقصى حدّ من النصارى واليهود والمجوس وسائر غير المسلمين المقيمين في بلاد المسلمين، وأن تُدفع للعاملين في هذا السبيل رواتب عالية من خزينة وزارة الكومنولث.
  3. بث الشك بينهم في الجهاد، وإقناعهم بأن الجهاد كان حكمًا مؤقتًا وقد انتهى زمنه.
  4. إزالة فكرة «نجاسة الكفار» من قلوب الشيعة، والاستشهاد بالآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ [سورة المائدة: 5]، وإخبارهم بأن النبي كانت له زوجة يهودية الأصل اسمها صفية وأخرى نصرانية الأصل اسمها مارية، وأن أزواج النبي لم يكنّ نجسات أبدًا.
  5. غرس الاعتقاد في المسلمين بأن «مراد النبي بالإسلام هو "الدين الكامل"، فيمكن أن يكون هذا الدين يهودية أو نصرانية كما يكون إسلامًا»، وتأييد ذلك بالحجة التالية: إن القرآن يسمّي أتباع كل الأديان «مسلمين»؛ فهو يحكي عن النبي يوسف عليه السلام دعاءه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سورة يوسف: 101]، وعن النبيين إبراهيم وإسماعيل دعاءهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [سورة البقرة: 128]، وعن النبي يعقوب قوله لبنيه: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: 132].
  6. تكرار القول كثيرًا بأن بناء الكنائس ليس حرامًا، وأن النبي وخلفاءه لم يهدموها بل احترموها، وأن القرآن يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [سورة الحج: 40]، وأن الإسلام يحترم المعابد ولا يهدمها ويمنع من يريد هدمها.
  7. تشكيك المسلمين في الحديثين: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب» و«لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، والقول: «لو صحّ هذان الحديثان لما تزوج النبي يهودية ونصرانية، ولما عقد معاهدة مع نصارى نجران».
  8. محاولة عرقلة المسلمين عن عباداتهم وتشكيكهم في نفع العبادات بالقول إن «الله غنيّ عن عبادة الناس»، ومنعهم من الحج ومن كل عبادة تجمعهم، وكذلك محاولة عرقلة بناء المساجد والأضرحة والمدارس وترميم الكعبة.
  9. تشكيك الشيعة في الحكم القاضي بإعطاء العلماء خُمس الغنيمة المأخوذة من العدو في القتال، وبيان أن هذا الخُمس إنما هو في الغنائم المأخوذة من دار الحرب ولا شأن له بالمكاسب التجارية، ثم القول: «إن الخُمس يُعطى للنبي أو للخليفة لا للعلماء، فالعلماء تُعطى لهم البيوت والقصور والدواب والبساتين، فلا يجوز أن يُعطوا الخمس».
  10. إدخال البدع في عقائد المسلمين ثم انتقاد الإسلام بأنه دين إرهاب، والزعم بأن بلاد المسلمين متخلفة وأنها تعرضت لنكبات، لإضعاف تمسكهم بالإسلام. [والحق أن المسلمين أقاموا أعظم إمبراطورية في العالم وأكثرها حضارة، وإنما تراجعوا حين ضعف تمسكهم بالإسلام.]
  11. مهم جدًّا! إبعاد الأبناء عن آبائهم، وحرمانهم بذلك من تربية الكبار، ونتولى نحن تربيتهم؛ فما إن ينفصل الأبناء عن تربية آبائهم حتى لا يبقى لهم سبيل إلى الصلة بعقيدتهم وإيمانهم وعلمائهم.
  12. تحريض النساء على نزع حجابهن، واختلاق أباطيل مثل: «الحجاب ليس أمرًا إسلاميًّا أصيلًا، بل هو عادة نشأت في زمن العباسيين، وكان الناس من قبلُ يرون أزواج النبي، وكانت النساء يشاركن في كل الأنشطة الاجتماعية». فإذا نُزع عن المرأة حجابها أُغري الشباب بها وأُوقعت الفواحش بينهم! وهذه طريقة فعّالة جدًّا لهدم الإسلام. وتُستعمل في البداية نساء غير مسلمات لهذا الغرض، ومع الوقت تنحرف المرأة المسلمة من تلقاء نفسها وتبدأ في تقليدهن.
  13. اغتنام كل فرصة لإنهاء صلاة الجماعة، بإلصاق التهم بأئمة المساجد، وكشف أخطائهم، وبث الشقاق والعداوة بينهم وبين جماعات المسلمين الذين يصلّون خلفهم.
  14. القول بوجوب هدم كل الأضرحة وتسويتها بالأرض، وأنها لم تكن في زمن النبي، وصرف المسلمين عن زيارة قبور الأنبياء والخلفاء والصالحين بإثارة الشكوك حول زيارة القبور، كأن يقال: «النبي دُفن عند أمه، وأبو بكر وعمر دُفنا في المقبرة المسمّاة البقيع، وقبر عثمان مجهول، ورأس الحسين دُفن في (موضع يُسمّى) الحنّانة ولا يُعرف أين دُفن جسده، والقبران في الكاظمية لخليفتين لا للكاظم والجواد من ذرية النبي، والقبر الذي في طوس لهارون لا للرضا من أهل البيت، والقبور في سامراء للعباسيين لا للهادي والعسكري والمهدي من أهل البيت. وكما أن هدم كل الأضرحة والقباب في بلاد المسلمين فرض، فكذلك يجب تسوية المقبرة المسمّاة البقيع بالأرض».
  15. تشكيك الناس في كون السادة من ذرية النبي، وخلط السادة بغيرهم بإلباس غير السادة العمائم السوداء والخضراء، فيلتبس الأمر على الناس ويبدؤون في الارتياب في السادة. ونزع العمائم عن رجال الدين والسادة لكي يضيع النسب النبوي ولا يبقى لرجال الدين احترام.
  16. القول بوجوب هدم الأماكن التي يقيم فيها الشيعة مآتمهم، وأن هذه الممارسة بدعة وضلال، ومنع الناس من زيارة تلك الأماكن، وتقليل عدد الخطباء، وفرض الضرائب على الخطباء وأصحاب أماكن المآتم.
  17. إقناع المسلمين جميعًا، بحجة حب الحرية، بأن «كل إنسان حرّ يفعل ما يشاء، وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تعليم مبادئ الإسلام فرضًا». [بل الحق أن تعلّم الإسلام وتعليمه فرض، وهو أول واجبات المسلم.] وغرس هذا الاعتقاد فيهم: «النصارى يبقون على دينهم (النصرانية)، واليهود يبقون على دينهم (اليهودية)، ولا أحد يدخل قلب أحد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الخليفة».
  18. لمنع المسلمين من التكاثر يجب تحديد النسل ومنع تعدد الزوجات، ووضع القيود على الزواج، كأن يقال مثلًا: لا يتزوج العربي إيرانية، ولا الإيراني عربية، ولا التركي عربية.
  19. الحرص على وقف الدعوة إلى الإسلام والدخول فيه، ونشر الفكرة القائلة إن الإسلام دين خاص بالعرب وحدهم، والاستدلال على ذلك بالآية: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [سورة الزخرف: 44].
  20. تقييد المؤسسات الخيرية وحصرها في احتكار الدولة، بحيث لا يستطيع الأفراد إنشاء المدارس ونحوها من المؤسسات الخيرية.
  21. إثارة الشكوك في أذهان المسلمين حول صحة القرآن، ونشر ترجمات للقرآن فيها حذف وزيادة وتحريف، ثم القول: «لقد حُرّف القرآن، ونسخه متناقضة، وفي بعضها آية لا توجد في غيرها». وحذف الآيات التي تذمّ اليهود والنصارى وسائر غير المسلمين، والآيات التي تأمر بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وترجمة القرآن إلى لغات أخرى كالتركية والفارسية والهندية، لمنع تعلّم العربية وقراءتها خارج البلاد العربية، ومنع الأذان والصلاة والدعاء بالعربية خارج البلاد العربية.

وكذلك يُجعل المسلمون يشكّون في الأحاديث، وتُطبّق على الأحاديث الترجماتُ والانتقادات والتحريفات المخطط لها للقرآن.

ولما قرأت الكتاب، وكان عنوانه «كيف نهدم الإسلام»، وجدته ممتازًا حقًّا، دليلًا لا نظير له للأعمال التي سأقوم بها. فلما أعدت الكتاب إلى السكرتير وأخبرته بأن قراءته أمتعتني كثيرًا، قال: «اطمئن إلى أنك لست وحدك في هذا الميدان، فعندنا رجال كثيرون يقومون بالعمل نفسه الذي تقوم به. وقد كلّفت وزارتنا بهذه المهمة أكثر من خمسة آلاف رجل، وهي تفكر في زيادة هذا العدد إلى مئة ألف، فإذا بلغنا هذا العدد أخضعنا المسلمين جميعًا وملكنا بلاد المسلمين كلها».

وبعد مدة قال السكرتير: «أبشر! إن وزارتنا تحتاج إلى قرن على الأكثر لتحقيق هذا البرنامج. قد لا نعيش حتى نرى تلك الأيام السعيدة، لكن أبناءنا سيرونها. وما أجمل هذا القول: "أكلتُ مما زرعه غيري، فأنا أزرع لغيري". وحين ينجح البريطانيون في هذا يكونون قد أرضوا العالم النصراني كله، وأنقذوه من بلاء دام اثني عشر قرنًا».

وتابع السكرتير قائلًا: «إن الحملات الصليبية التي دامت قرونًا لم تُجدِ نفعًا، ولا يمكن القول إن المغول [جيوش جنكيز] فعلوا شيئًا لاستئصال الإسلام؛ فقد كان عملهم مفاجئًا غير منظم ولا مؤسس، قاموا بحملات عسكرية أظهروا بها عداوتهم، فتعبوا في وقت قصير. أما الآن فإن رؤساءنا القيّمين يحاولون هدم الإسلام بخطة دقيقة جدًّا وصبر طويل الأمد. ولا بد لنا من استعمال القوة العسكرية أيضًا، لكن ينبغي أن يكون ذلك في المرحلة الأخيرة، أي بعد أن نكون قد أنهكنا الإسلام تمامًا، وطرقناه من كل الجهات، وأوصلناه إلى حال بائسة لا يقوم منها أبدًا ليحاربنا». وكانت آخر كلمات السكرتير: «لا بد أن رؤساءنا في إسطنبول كانوا حكماء أذكياء جدًّا، فقد نفّذوا خطتنا بدقة. ماذا فعلوا؟ خالطوا المحمّديين وفتحوا المدارس لأبنائهم، وبنوا الكنائس، ونجحوا نجاحًا تامًّا في نشر الخمر والقمار والفواحش، وفي تفريقهم شيعًا بالتحريض [وأندية كرة القدم]، وأثاروا الشكوك في أذهان شباب المسلمين، وأدخلوا الخلافات والمعارضات في حكوماتهم، ونشروا الفتن في كل مكان، وأفسدوا الإداريين والمديرين ورجال الدولة بملء بيوتهم بالنساء النصرانيات. وبأعمال كهذه كسروا قواهم، وزعزعوا تمسكهم بدينهم، وأفسدوا أخلاقهم، ومزّقوا وحدتهم وصلاتهم. وقد حان الآن وقت شنّ حرب مفاجئة لاستئصال الإسلام».

القسم السابع

بعد أن استمتعت بالسرّ الأول كنت أتطلع إلى معرفة السرّ الثاني، حتى شرح لي السكرتير يومًا السرّ الثاني الذي وعدني به. كان السرّ الثاني خطة من خمسين صفحة أُعدّت لكبار المسؤولين العاملين في الوزارة للقضاء على الإسلام نهائيًّا في غضون قرن، وكانت مؤلفة من أربع عشرة مادة، وكانت محفوظة بعناية خشية أن تقع في أيدي المسلمين. وهذه موادّ الخطة:

  1. علينا أن نقيم حلفًا متينًا واتفاقية تعاون مع قيصر روسيا لغزو بخارى وطاجيكستان وأرمينيا وخراسان وما جاورها، وأن نعقد اتفاقًا متينًا مع الروس لغزو جارتهم تركيا.
  2. علينا أن نتعاون مع فرنسا في هدم العالم الإسلامي من الداخل والخارج.
  3. علينا أن نزرع نزاعات وخلافات حادّة جدًّا بين الحكومتين التركية والإيرانية، وأن نؤجج المشاعر القومية والعنصرية عند الطرفين، وأن نوقع بين كل القبائل والأمم والبلاد الإسلامية المتجاورة، وأن نُحيي كل الفرق الدينية، حتى البائدة منها، ونوقع بينها.
  4. يجب تسليم أجزاء من بلاد المسلمين إلى جماعات غير مسلمة؛ فمثلًا تُعطى المدينة لليهود، والإسكندرية للنصارى، والعمارة للصابئة، وكرمانشاه للنصيرية الذين ألّهوا عليًّا، والموصل لليزيدية، والخليج الإيراني للهندوس، وطرابلس للدروز، وقارص للعلويين، ومسقط للخوارج. والخطوة التالية تسليح هذه الجماعات ليكون كل منها شوكة في جسد الإسلام، وتوسيع مناطقها حتى ينهار الإسلام ويفنى.
  5. يجب وضع برنامج لتقسيم الدول الإسلامية والعثمانية إلى دويلات محلية صغيرة قدر الإمكان، متنازعة دائمًا فيما بينها، ومثال ذلك هند اليوم. فالنظرية الشائعة: «فرّق تَسُدْ» و«فرّق تُدمّر».
  6. يجب إفساد جوهر الإسلام بإدخال أديان وفرق مختلقة فيه، ويجب أن ندبّر ذلك بدقة بحيث تكون الأديان التي نخترعها ملائمة لأهواء الشعوب التي سننشرها بينها وتطلعاتها. وسنخترع في البلاد الشيعية أربعة أديان مختلفة:
    1. دينًا يؤلّه حضرة الحسين؛
    2. ودينًا يؤلّه جعفرًا الصادق؛
    3. ودينًا يؤلّه المهدي؛
    4. ودينًا يؤلّه علي الرضا.
    الأول يناسب كربلاء، والثاني أصفهان، والثالث سامراء، والرابع خراسان. وفي الوقت نفسه يجب أن نحوّل المذاهب السنية الأربعة القائمة إلى أربعة أديان مستقلة. وبعد ذلك سنؤسس في نجد فرقة إسلامية جديدة كليًّا، ثم نثير نزاعات دامية بين كل هذه الجماعات، ونُتلف كتب المذاهب الأربعة، بحيث تعدّ كل جماعة نفسها الجماعة المسلمة الوحيدة، وترى الجماعات الأخرى زنادقة يجب قتلهم.
  7. تُنشر بين المسلمين بذور الفساد والشر، كالزنى واللواط والخمر والقمار، ويُستعان لذلك بغير المسلمين المقيمين في البلاد المعنية، وهناك جيش هائل من هؤلاء رهن الإشارة لتحقيق هذا الهدف.
  8. يجب ألّا ندّخر جهدًا في تدريب قادة فاسدين وحكّام ظالمين في البلاد الإسلامية وتربيتهم، وإيصالهم إلى الحكم، ليسنّوا قوانين تمنع طاعة الشريعة. ونستخدمهم إلى حدّ أن يكونوا خاضعين بما يكفي ليفعلوا كل ما تطلبه منهم الوزارة (وزارة الكومنولث)، والعكس بالعكس، ونفرض بواسطتهم إرادتنا على المسلمين وبلادهم بقوة القانون. ونوجد نمط حياة اجتماعي وجوًّا تُعدّ فيه طاعة الشريعة جريمة والعبادة تخلّفًا. ونخدع المسلمين ليختاروا قادتهم من غير المسلمين، ولهذا نُلبس بعض عملائنا لباس رجال الدين الإسلامي ونرفعهم إلى المناصب العليا لينفّذوا ما نريد.
  9. ابذل غاية جهدك لمنع تعلّم العربية، وانشر اللغات غير العربية كالفارسية والكردية والبشتو، وأحيِ اللغات الأجنبية في البلاد العربية، وانشر اللهجات المحلية لكي تُقضى على العربية الفصحى البليغة، لغة القرآن والسنة.
  10. بأن نضع رجالنا حول رجال الدولة نجعلهم شيئًا فشيئًا كتّابًا لهؤلاء، وننفذ عن طريقهم رغبات الوزارة. وأسهل طريق لذلك تجارة الرقيق: فأولًا ندرّب تدريبًا كافيًا الجواسيس الذين سنرسلهم في صورة عبيد وجوارٍ، ثم نبيعهم لأقارب رجال الدولة المسلمين، كأبنائهم أو زوجاتهم، أو لأناس آخرين يحبونهم أو يحترمونهم. وهؤلاء الرقيق، بعد بيعهم، يقتربون شيئًا فشيئًا من رجال الدولة، فيصيرون أمهات ومربّيات لهم، ويحيطون برجال الدولة المسلمين إحاطة السوار بالمعصم.
  11. يجب توسيع مجالات التبشير حتى تنفذ إلى كل الطبقات والمهن الاجتماعية، ولا سيما مهن الطب والهندسة والمحاسبة. ويجب أن نفتح في البلاد الإسلامية مراكز دعاية ونشر بأسماء الكنائس والمدارس والمستشفيات والمكتبات والجمعيات الخيرية، وننشرها في كل مكان، ونوزّع ملايين الكتب النصرانية مجانًا، وننشر التاريخ النصراني والقانون الدولي إلى جانب التاريخ الإسلامي. ويجب أن نُلبس جواسيسنا لباس الرهبان والراهبات ونضعهم في الكنائس والأديرة، ونستعملهم قادة للحركات النصرانية، وهم في الوقت نفسه يرصدون كل الحركات والاتجاهات في العالم الإسلامي ويبلغوننا بها فورًا. ويجب أن نُنشئ جيشًا من النصارى، بأسماء «أستاذ» و«عالم» و«باحث»، يشوّهون التاريخ الإسلامي ويحرّفونه، ويعرفون كل شيء عن طرق المسلمين وسلوكهم ومبادئهم الدينية، ثم يُتلفون كل كتبهم ويستأصلون التعاليم الإسلامية.
  12. يجب أن نبلبل عقول الشباب المسلم، ذكورًا وإناثًا، ونثير في أذهانهم الشكوك والتردد في الإسلام، وننزع عنهم قيمهم الأخلاقية تمامًا بواسطة المدارس والكتب والمجلات [والأندية الرياضية والمطبوعات والأفلام والتلفزيون] وعملائنا المدرّبين لهذا العمل. ومن الضروري فتح جمعيات سرية لتعليم الشباب اليهود والنصارى وغيرهم من غير المسلمين وتدريبهم، واستعمالهم طُعمًا لاصطياد شباب المسلمين.
  13. يجب إثارة الحروب الأهلية والتمردات، بحيث يبقى المسلمون دائمًا في صراع فيما بينهم ومع غير المسلمين، فتضيع طاقاتهم ويستحيل عليهم التقدم والوحدة. ويجب القضاء على حيويتهم الفكرية ومواردهم المالية، والتخلص من الشباب النشيطين منهم، وتحويل نظامهم إلى إرهاب وفوضى.
  14. يجب تدمير اقتصادهم في كل المجالات، وإفساد مصادر دخلهم ومناطقهم الزراعية، وتخريب قنوات الري وخطوطها، وتجفيف الأنهار، وتنفير الناس من الصلاة والعمل، ونشر الكسل على أوسع نطاق، وفتح الملاهي للكسالى، وتعميم المخدرات والخمور.

[وقد شُرحت المواد المذكورة شرحًا واضحًا جدًّا بوسائل مثل الخرائط والصور والجداول.] فشكرت السكرتير على إعطائي نسخة من هذه الوثيقة الرائعة.

وبعد شهر من الإقامة في لندن وصلتني رسالة من الوزارة تأمرني بالذهاب إلى العراق لألقى محمدًا النجدي مرة أخرى. وحين كنت أغادر لمهمتي قال لي السكرتير: «لا تتهاون أبدًا في أمر محمد النجدي! فكما يُفهم من تقارير جواسيسنا حتى الآن، محمد النجدي أحمق نموذجي ملائم جدًّا لتحقيق أغراضنا.

«تكلّم مع محمد النجدي بصراحة. لقد تكلّم معه عملاؤنا بصراحة في أصفهان، فقبل مطالبنا بشروط، وهي: أن يُزوَّد بما يكفي من المال والسلاح ليحمي نفسه من الدول والعلماء الذين سيهاجمونه حتمًا حين يعلن أفكاره وآراءه، وأن تُقام له إمارة في بلاده ولو صغيرة. وقد قبلت الوزارة هذه الشروط».

فكدت أطير من الفرح حين سمعت هذا الخبر، وسألت السكرتير عمّا يجب أن أفعل، فأجاب: «لقد دبّرت الوزارة لمحمد النجدي خطة دقيقة ينفذها، وهي:

  1. «أن يكفّر المسلمين جميعًا، ويعلن أن قتلهم وأخذ أموالهم وهتك أعراضهم واسترقاق رجالهم وسبي نسائهم وبيعهم في أسواق الرقيق حلال.
  2. «أن يقول إن الكعبة صنم فيجب هدمها، وأن يحرّض القبائل، للقضاء على عبادة الحج، على غزو قوافل الحجاج ونهب أمتعتهم وقتلهم.
  3. «أن يسعى لصرف المسلمين عن طاعة الخليفة، ويحرّضهم على الثورة عليه، ويعدّ الجيوش لذلك، وأن يغتنم كل فرصة لنشر الاعتقاد بوجوب محاربة أشراف الحجاز وإذلالهم.
  4. «أن يزعم أن الأضرحة والقباب والأماكن المقدسة في بلاد المسلمين أصنام ومواضع شرك فيجب هدمها، وأن يبذل جهده في اختلاق المناسبات لإهانة النبي محمد وخلفائه وكل كبار علماء المذاهب.
  5. «أن يبذل غاية جهده في تشجيع التمردات والمظالم والفوضى في بلاد المسلمين.
  6. «أن يحاول نشر نسخة من القرآن محرّفة بالزيادة والحذف، كما هو الحال في الأحاديث».

وبعد أن شرح السكرتير هذه الخطة ذات المواد الست أضاف: «لا يَهُلْك هذا البرنامج الضخم، فواجبنا أن نزرع بذور القضاء على الإسلام، وستأتي أجيال تكمل هذا العمل. لقد تعوّدت الحكومة البريطانية الصبر والتقدم خطوة خطوة. أليس النبي محمد، صاحب الثورة الإسلامية العظيمة المذهلة، بشرًا في النهاية؟ ومحمد النجدي هذا الذي عندنا قد وعد أن يُنجز ثورتنا هذه كما فعل نبيّه».

وبعد يومين أخذت الإذن من الوزير والسكرتير، وودّعت أهلي وأصدقائي، وانطلقت إلى البصرة. وحين خرجت من البيت قال ابني الصغير: «عُد سريعًا يا أبي!» فدمعت عيناي، ولم أستطع أن أخفي حزني عن زوجتي. وبعد رحلة متعبة وصلت إلى البصرة ليلًا، فذهبت إلى بيت عبد الرضا، وكان نائمًا، ففرح كثيرًا حين استيقظ ورآني، وأكرم ضيافتي، فبتّ عنده. وفي الصباح قال لي: «جاءني محمد النجدي وترك لك هذه الرسالة ثم سافر». ففتحت الرسالة، فإذا هو يكتب أنه مسافر إلى بلده نجد، ويذكر عنوانه هناك. فانطلقت إلى هناك فورًا، وبعد رحلة شاقة جدًّا وصلت فوجدت محمدًا النجدي في بيته، وقد نحل كثيرًا، فلم أقل له شيئًا في ذلك. ثم عرفت بعد ذلك أنه قد تزوج.

واتفقنا بيننا على أن يقول للناس إنني عبده، عاد من مكان أرسله إليه، فقدّمني إليهم على هذه الصفة.

وبقيت مع محمد النجدي سنتين، ووضعنا برنامجًا لإعلان دعوته. وأخيرًا حملته على إعلان دعوته سنة 1143 للهجرة [1730 للميلاد]. فبدأ يجمع الأنصار حوله، ويدسّ دعوته بأقوال مبطّنة لمن هم قريبون منه جدًّا، ثم أخذ يوسّع دعوته يومًا بعد يوم. ووضعت حوله حرّاسًا ليحموه من أعدائه، وأعطيتهم ما أرادوا من مال وعطاء. وكلما أراد أعداء محمد النجدي أن يهاجموه شجّعت أنصاره وقوّيت عزائمهم. وكلما اتسعت دعوته كثر خصومه. وكان أحيانًا يحاول أن يتخلى عن دعوته، ولا سيما حين تغلبه كثرة الهجمات عليه، لكنني لم أتركه وحده قط، وكنت أشجعه دائمًا وأقول له: «يا محمد، لقد لقي النبي من الأذى أكثر مما لقيت حتى الآن، وأنت تعلم أن هذا طريق الشرف، وكأي ثائر مجدّد لا بد أن تتحمل بعض المشقة!»

وكان هجوم الأعداء متوقعًا في أي لحظة، فاستأجرت جواسيس على خصومه، فكلما أراد أعداؤه به سوءًا أخبرني الجواسيس فأبطلت كيدهم. وأُخبرت مرة أن الأعداء يريدون قتله، فاتخذت فورًا الاحتياطات لإحباط تدابيرهم. فلما سمع الناس (من حول محمد النجدي) بمكيدة أعدائهم هذه ازدادوا لهم بغضًا، فوقعوا في الفخ الذي نصبوه.

ووعدني محمد النجدي أن ينفذ مواد الخطة الست كلها، وأضاف: «أما الآن فلا أستطيع أن أنفذ منها إلا بعضها». وكان محقًّا في قوله هذا، فلم يكن يستطيع في ذلك الوقت أن ينفذها كلها.

فقد وجد هدم الكعبة مستحيلًا، فترك فكرة إعلان أنها صنم، ورفض كذلك نشر نسخة محرّفة من القرآن. وكان أكثر خوفه في هذا الشأن من أشراف مكة ومن حكومة إسطنبول، وقال لي: «لو أعلنّا هذين الأمرين لهاجمنا جيش قوي». فقبلت عذره، لأنه كان محقًّا، فالظروف لم تكن مواتية أبدًا.

وبعد بضع سنين نجحت وزارة الكومنولث في استمالة محمد بن سعود، أمير الدرعية، إلى صفّنا، فأرسلوا إليّ رسولًا يخبرني بذلك، ولإقامة المودة والتعاون بين المحمّدين. ولكسب قلوب المسلمين وثقتهم استخدمنا محمدَنا النجدي دينيًّا، ومحمد بن سعود سياسيًّا، فمن الحقائق التاريخية أن الدول القائمة على الدين أطول عمرًا وأقوى وأشد هيبة.

وهكذا كنا نزداد قوة باستمرار، واتخذنا مدينة الدرعية عاصمة لنا، وسمّينا ديننا الجديد الدين الوهابي. وكانت الوزارة تدعم الحكومة الوهابية وتقوّيها من وراء ستار. واشترت الحكومة الجديدة أحد عشر ضابطًا بريطانيًّا، يجيدون العربية وحرب الصحراء، باسم عبيد، فكنا نعدّ خططنا بالتعاون مع هؤلاء الضباط. وسار المحمّدان كلاهما في الطريق الذي رسمناه لهما، وإذا لم تصلنا أوامر من الوزارة اتخذنا قراراتنا بأنفسنا.

وتزوجنا جميعًا فتيات من القبائل، وتمتعنا بإخلاص الزوجة المسلمة لزوجها، فصارت صلاتنا بالقبائل أقوى. وكل شيء يسير الآن على ما يرام، وسلطتنا المركزية تزداد قوة كل يوم. وما لم تقع كارثة غير متوقعة فسنجني الثمار التي أعددناها، فقد فعلنا كل ما يلزم وزرعنا البذور.

→ العودة إلى الجزء الأول