ادعى الألباني في الاستدلال على ما ذهب إليه في المنع من الزيادة على إحدى عشر ركعة في قيام الليل من رمضان أن ‏‏" رسول الله صلى الله عليه و سلم عاش عشرين سنة و هو لا يزيد في رمضان و لا غيره عن إحدى عشر ركعة"(2). ‏

الرد: لم يحلام أحد من السلف و الخلف الزيادة في قيام رمضان على إحدى عشر ركعة، و أول من حرم ذلك هو ‏اللباني فبذلك يكون قد ضلل المسلمين حتى طائفته الوهابية فإنهم يصلون ثلاثًا و عشرين ركعة في الحجاز و الحرمين ‏الشريفين، فأنت يا ألباني شذذت عن الأمة و من شذَّ شذَّ في النار، و يكفي في الرد عليه حديث البخاري (3):" ‏صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما صلى".‏

و نورد هنا ما ذكره شيخنا العلامة المحدث عبد الله‏
‏

الهرري في إيضاح بطلان ما ادعاه الألباني و نص عبارته: " أبعد ناصر الدين الألباني في القول في الدين بغير دليل ‏فحرم قيام رمضان بأكثر من إحدى عشر ركعة و احتجَّ لذلك بقول عائشة:" ما كان يزيد في رمضان و لا في غيره ‏على إحدى عشرة ركعة" رواه البخاري (4)، و ليس فيخ حجة له لأن كلام عائشة هذا محمول على أن ذلك بحسب ‏ما رأته لأنه صح حديث أبي هريرة عن النبي:" لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، و لكن أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو ‏بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك" رواه ابن حبان و ابن المنذر و الحاكم و البيهقي من طريق عراكٍ عن أبي ‏هريرة (5).‏

و مما يرد على الألباني ما شاع و تواتر في عصر السلف أن أهل المدينة كانوا يقومون بستٍّ و ثلاثين و كان أهل مكة ‏يقومون بثلاث و عشرين و كانوا يطوفون بين كل أربع ركعات فأراد أهل المدينة أن يعوِّضوا عن الطواف الذي زاده ‏أهل مكة أربع ركعات و لم يُنكَر عليهم ذلك بتحريم ما فعله الفريقان، و عملهم هذا مستند لما فهمه من الحديث
الصحيح: " صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما صلى" (6).‏

و مما ينقض كلامه ما رواه الخلعيُّ من حديث علي ـن النبي صلى في الليل ست عشرة ركعة قال الحافظ العراقي: ‏إسناده جيد.‏
و يرد عليه أيضًا ما رواه البخاري (7) من حديث عبد الله ابن عمر عن النبي أنه قال:" صلاة الليل مثنى مثنى فإذا ‏خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة " فإن فيه دليلاً صريحًا على جواز قيام رمضان بأقل من إحدى عشرة ركعة و ‏بأكثر منها بلا تحديد و ذلك حجة لما قاله الشافعي:" لا حدَّ لعدد ركعات قيام رمضان و ما كان أطول قيامًا أحبُّ ‏إليَّ" نقل ذلك عنه الحافظ أبو زرعة العراقي في شرح التقريب (8) و نقله غيره عنه. و قد كان اللباني و جماعته ‏أحدثوا بلابل بين المسلمين بنفيهم جواز قيام رمضان إلا بإحدى عشرة ركعة في الشام و غيره.‏

‏

ثم هو افتَاتَ على اهل الحديث فقال في رواية:" إن عمر جمع الناس على قيام رمضان فكانوا يصلون ثلاثًا و عشرين ‏ركعة" (9) قال: إن هذه الرواية ضعيفة و الصحيحة رواية إحدى عشرة، فشذَّ بذلك و خالف قاعدة المحدثين أن ‏التصحيح و التضعيف للحفاظ فقط، و هو يعرف من نفسه أنه ليس بمرتبة الحفظ و لا يقاربها و قد اعترف بذلك في ‏بعض مقالاته، و هذه القاعدة إن لم يكن يعرفها فليعرفها الأن فقد ذكر السيوطي في تدريب الراوي و غيرُه، و قال ‏في ألفيته:‏
و خذه حيث حافظ عليه نص أو من مضنَّف بجمعه يُخص

و شرح هذا البيت كما هو مذكور في شرحه على ألفيته أن الصحيح يعرف بتصحيح حافظ من الحفاظ أو بوجودخ ‏في كتاب التزم مؤلفه الحافظ الاقتصار على الصحيح.‏

و هذه الرواية لم يطعن في صحتها حافظ بل رجَّح الحافظ ابن عبد البر رواية " ثلاث و عشرين " على رواية " إحدى ‏عشرة " بل اعتبرها وهمًا، و ابن عبد البر معدود في الحفاظ، فليس تضعيف الألباني رواية ثلاث و عشرين إلا ‏كناموسة نفخت على جبل لتزيحه.‏

‏

فمن عرف هذه الحقيقة عرف أن مؤلفات الألباني مدخولة لا يجوز الاعتماد عليها فلا عبرة بتأليفه الذي سماه ‏الصحيحة و تأليفه الذي سماه الضعيفة، فليحذر المسلمون، و هذه نصيحة أسديناها للمسلمين فلا يكونوا أسراء ‏التقليد الفاسد.‏

و ليعلم ذلك أيضًا من تبعه من أتباعه ممن كتبوا على بعض المؤلفات و قلدوه تقليدًا أعمى كحمدي السلفي، و قد ‏تتابع على ذلك اقتداء به بعض من ليس من أتباعه فليتقوا الله و ليعملوا بقول أهل الحديث: التصحيح و التضعيف من ‏خصائص الحفاظ، و هذا نشأ من قصورهم عن فهم علم الحديث درايةً كما ينبغي، لأن شرط الصحيح و الحسن ‏السلامة من الشذوذ و العلة، و معرفة ذلك استقلالا لا يقوم به إلا الحافظ لأن مبنى ذلك على تتبع الطرق.‏

تكملة: ما شاع في بعض كتب الشافعية أن التراويح لا تصح إلا ركعتين ركعتين إلى ثلاث و عشرين لا يجوز حمل ‏هذا الكلام على مطلق قيام رمضان لأن اسم صلاة التراويح لم يرد منصوصًا عليه إنما هو عُرفٌ طارىء حتى صارت ‏كلمة التراويح عبارة عن ثلاث و عشرين على هذا الوجه أن تكون ركعتين ركعتين ثم ثلاث ركعات الوتر موصولةً ‏أو مفصولةً، و قصد أولئك أن من ينوي التراويح فلا يجزئه إلا هذه الكيفية، و لا يقصدون أنه لو لم يقصد التراويح ‏بل قصد قيام رمضان لا يصح قيامه إلا بثلاث و عشرين و هذا محمل كلامهم، و أما حقيقة الأمر فهو الرجوع إلى ‏حديث: " صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة " و معناه: أن الأفضل في كيفية صلاة ‏الليل أن تكون ركعتين ركعتين، و ليس المراد حصرَ الجواز في هذه الكيفية، لأنه ثبت في الصحيح أن عائشة قالت في ‏بيان صلاته صلى الله عليه و سلم:" يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن و طولهن ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن ‏حسنهن و طولهن ثم يصلي ثلاثًا " رواه البخاري (10). هذه عظة و عبرة لمن يعتبر، كم من أناس اليوم يصححون و ‏يضعفون و هم بعيدون من استئهال ذلك بُعد الآرض من السماء، لأن مريتة الحفظ بعيدة المنال منهم و هي عند أهل ‏الحديث: أن يستحضر المحدث أغلب المتون و أغلب الرواة في ذهنه من حيث معرفة اساميهم و أحوالهم، فليزنوا بهذا ‏الميزان حتى يعرفوا أنهم بعيدون منه ذلك البعد.‏

و حديث:" صلاة الليل مثنى مثنى " أقوى من حديث عائشة المذكور إسنادًا و شهرة.‏

‏
‏ ‏

و مما يردُّ دعوى و زعم الألباني أن الرسول ما كان يزيد من إحدى عشرة ركعة ما رواه ابن حبان في صحيحه من ‏روايات عن صلاة النبي صلى الله عليه و سلم بالليل فقال: " عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي ‏من الليل تسع ركعات" (11).‏

و روى أيضًا عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة قالت:" كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل ثمان ‏ركعات و يوتر بواحدة ثم يركع ركعتين و هو جالس" (12).‏
و روى أيضًا عن مسروق أنه دخل على عائشة فسألها عن صلاة الرسول صلى الله عليه و سلم بالليل فقالت:" كان ‏يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل، ثم إنه كان صلى إحدى عشرة ركعة ترك ركعتين، ثم قُبِض صلى الله عليه و سلم ‏حين قُبض و هو يصلي من الليل تسع ركعات ءاخر صلاته من الليل و الوتر، ثم ربما جاء إلى فراشي هذا فيأتيه بلال ‏فيؤذنِه بالصلاة" (13).‏

و روى ابن حبان أيضًا عن ابن عباس أنه قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة و رسول الله صلى الله عليه و سلم عندها تلك ‏الليلة فتوضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قام يصلي ركعتين فقمت عن يساره

فأخذني فجعلني عن يمينه فصلى في تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة، ثم نام رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نفخ و ‏كان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج و صلى و لم يتوضأ، قال عمرو: حدثت بهذا بكير ابن الأشج فقال: حدثني ‏كريب بذلك"(14).‏

و روى ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فقام النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل قال: فقمت فتوضأت ثم ‏قمت عن يساره فجرني حتى أقامني عن يمينه، ثم صلى ثلاث عشرة ركعة قيامه فيهن سواء"(15).‏

و روى عن الحسن بن سعد بن هشام أنه سأل عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه و سلم باليل فقالت:" كان ‏رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلى العشاء تجوَّز بركعتين ثم ينام و عند رأسه طَهوره و سواكه فيقوم فيتسوك و ‏يتوضأ و يصلي و يتجوَّز بركعتين، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات يسوي بينهن في القراءة ثم يوتر بالتاسعة، و يصلي ‏ركعتين و هو جالس، فلما أسنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخذه اللحم (16) جعل الثمان ستًا و يوتر ‏بالسابعة و يصلي ركعتين

و هو جالس يقرأ فيهما:{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} [ سورة الكافرون ] و { إِذَا زُلْزِلَتِ (1)} [ سورة الزلزلة ] ‏أبو حرة اسمه واصل بن عبد الرحمن" (17).‏

و معنى:" و يصلي ركعتين و هو جالس " أي ركعتي الفجر و ليستا من قيام الليل لأن الرسول كان يجعل ءاخر ‏صلاته بلليل وترًا فلا يصلي بعد ذلك إلا ركعتي الفجر أي سنة الصبح.‏

و روى مسلم و غيره (18) عن ابن عباس قال:" كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ‏ركعة"، و روى البخاري (19) عن ابن عباس أيضًا قال:" كانت صلاة النبي صلى الله عليه و سلم ثلاث عشرة ‏ركعة- يعني بالليل-".‏
و في هذه الروايات دليل على أن ما رواه البخاري عن عائشة من أنه ما كان يزيد في رمضان و غيره في صلاة الليل ‏على إحدى عشرة ركعة محمول على أنها رأت ذلك

‏(17)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/141).‏
‏(18)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المسافرين: باب صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و دعائه بالليل، و ابن ‏المنذر في الأوسط (5/157)، و ابن خزيمة في صحيحه (2/191).‏
‏(19)- أخرجه البخاري في صحيحه: أبواب تقصير الصلاة: باب كيف كان صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و كم ‏كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل.‏

منه أولاً ثم رأت منه ما يخالف ذلك، و لا يؤخذ من رواية البخاري أنه لم يصل قطّ أكثر من إحدى عشرة ركعة في ‏قيام الليل كما زعم الألباني.‏

فإن قال الألباني هذه الأحاديث التي ذُكر فيها أن الرسول زاد على إحدى عشرة ركعة معارضة لحديث عائشة الذي ‏أخرجه البخاري الذي فيه أن الرسول ما زاد في صلاة الليل في رمضان و لا في غيره على إحدى عشرة ركعة، فما ‏خالفه فهو ضعيف فيكون الرَّاجح و تكون تلك الروايات مرجوحةً لا يحتجُّ بها، قلنا: و التّرجيح لا يصار إليه ما ‏أمكن الجمع بين الروايتين و هنا الجمع ممكن سهل و ذلك بأن يقال إن عائشة لما حدَّثت ذلك الحديث لم يكن لها ‏اطلاع على غير ذلك القدر، لم تشاهد النبي صلى الله عليه و سلم صلَّى أكثر من إحدى عشرة ركعة، و لا يمنع ذلك ‏أن يكون غيرها كابن عباس شاهد منه ما يزيد على ذلك، لأن عائشة ما كانت تراه صلى الله عليه و سلم كل ليلة ‏من بين تسع ليال في بعض الزمن الذي عاشت معه صلى الله عليه و سلم، و الدليل على ذلك أنها روت عنه صلى الله ‏عليه و سلم أنه ءاخر عمره كان يقوم بأقلَّ من ذلك رأته قام بتسع ركعات.‏

و مما يدل على ما ذكرنا ما ذكره الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير و نصه (20):" حديث أم سلمة: كان رسول ‏الله صلى الله عليه و سلم يوتر بثلاث عشرة فلما كبر و ضعف أوتر بسبع، رواه أحمد و الترمذي و النسائي و الحاكم ‏و صححه من طريق عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عنها، قوله لم ينقل زيادة على ثلاث عشرة كأنه أخذه من ‏رواية أبي داود الماضية عن عائشة و لا بأكثر من ثلاث عشرة و فيه نظر، ففي حواشي المنذري: قيل أكثر ما روي في ‏صلاة الليل سبع عشرة و هي عدد ركعات اليوم و الليلة، و روى ابن حبان و ابن المنذر و الحاكم من طريق عراك ‏عن أبي هريرة مرفوعاً:" أوتروا بخمس أو سبع أو بتسع أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك " انتهى.‏
ثم قال (21): " حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في ءاخرهن، رواه مسلم ‏بلفظ:" كان يصلي من الليل ثلاث عشرة يوتر بخمس ركعات لا يجلس و لا يسلم إلا في الأخيرة منهن"، وللبخاري ‏من حديث ابن عباس في صلاته في بيت ميمونة:" ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن" اهـ.‏

و هذا دليل على أن عائشة روت هذا الحديث الذي اعتمد عليه الألباني و فهمه على غير وجهه.‏

و من أكبر ما حصل من الفساد بسبب تحريم الألباني قيام رمضان بأكثر من إحدى عشرة ركعة ما كتبه بعض أتباعه ‏في قيام رمضان و هو قوله:" إن عمر لم يأمر بالقيام بثلاث و عشرين ركعة و إن كان أمر بذلك فهو من الذين ‏يدخلون تحت هذه الآية :{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ (21)} [ سورة الشورى ] ‏فقد جعل هذا الجاهل عمر داخلاً تحت هذه الآية، و هذا غضٌّ كبير و تنقيص عظيم لعمر رضي الله عنه، و هذا ‏الرجل يسمى " نسيب الرفاعي " و سماه أهل حلب " نسيب الأفاعي ".‏

و يكفي في الرد على الألباني ما رواه عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال:" صلاة الليل مثنى مثنى فإذا ‏أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتِر لك ما صليت "(22).‏

و فيخ دليل على أن صلاة الليل ليس لها عدد بركعاتٍ محدودة و هذا أيضًا ناقض لقول الألباني بتحريم ما زاد على ‏إحدى عشرة ركعة أو نقص، فعنده إذا لم يثبت عن رسول الله ‏

إلا هذا فما نقص و ما زاد فهو حرام، فبهذا و نحوه خرج الألباني من الأمة لأنه ضلل الأمة و من ضلل الأمة فليس ‏منهم" ‏
انتهى كلام العلامة الهرري حفظه الله تعالى.‏

نقول: فأنت يا ألباني بتحريمك أكثر من إحدى عشرة ركعة ضللت الأمة و خالفت فرقتك التي تنتسب إليها الو هابية ‏فإنهم يصلون في مكة و المدينة و سائر بلادهم عشرين ركعة و يوترون بثلاث ، كما خالفت علماء الحديث و الفقهاء ‏و العبَّاد في تحريمك زيارة قبور الأنبياء و الأولياء للتبرك، و كل المحدثين المتقدمين و المتأخرين على جواز ذلك يرون ‏ذلك عملاً حسنًا عندما يترجمون المحدثين فكثيرًا ما يذكرون:" و قبره هناك يزار و يتبرك به "و قد يكتبون " و تجاب ‏الدعوة عنده "، فكتب علماه الحديث التي ألفوها في طبقات المحدثين طافحة بذلك، و هذا الإمام الحافظ الكبير الذي ‏قال علماء الحديث فيه إن الذين جاؤوا بعده من المحدثين عيال على كتبه في علم مصطلح الحديث ذكر في كتاب ‏تاريخ بغداد قبر النذور و تبرك الناس به و قضاء حاجاتهم بزيارته، و ذكر أن الإمام الشافعي كان يزور قبر الإمام أبي ‏حنيفة و يدعو عنده فتقضى حاجاته، و ذكر هو و غيره أن قبر معروف الكرخي الذي ببغداد ترياق مجرب أي لقضاء ‏حاجات قاصديه الذين يدعون عنده و قال ذلك أيضًا الإمام الحافظ المجتهد إبراهيم الحربي الذي كان يُشَبَّهُ بالإمام ‏أحمد بن حنبل، و قال أحمد بن حنبل إن التبرك بمس قبر النبي و منبره تقربًا إلى الله جائز، نقل ذلك عنه ابنه عبد الله في ‏كتاب العلل و معرفة الرجال (23). و هذا عمل المسلمين علمائهم و فقهائهم من غير خلاف في استحسان ذلك حتى ‏جاء ابن تيمية الذي توفي في القرن الثامن الهجري فحرَّم ذلك و جعله شركًا فتبعته أنت و طائفتك لكنك أنت ‏انفردت عن طائفتك بإبطال كل قول يخالف قولك و يميل إليه قلبك في المسائل الفقهية في الطهارات و الصلوات و ‏الزكوات و جواز تحلّي النساء بحلي الذهب المحلَّق، و أنت تعلم أن الأئمة المجتهدين من الصحابة و من بعدهم اختلفوا ‏في مسائل الطهارة و الوضوء و الغسل و التيمم و الصلاة و في مسائل النطاح و الطلاق و الجنابات إلى غير ذلك، و ‏قد يكون اختلافهم في بعض المسائل على وجهين و في بعض على ثلاثة أوجه و في بعض يزيد على ذلك إلى نحو سبع ‏أو أكثر فأنت بذلك عملت قاعدة لنفسك و هي قولك:" الحق لا يتعدد " تريد بذلك أن كل من سواك من ‏المجتهدين على باطل.‏
و معنى هذا الكلام أنا الرجل المهتدي و من مشى معي لا

غير، أنا على الحق و من تبعني و من سواي على باطل، فكأنك تقول بهذا أنا المهتدي و من وافق رأيي فقط.‏

فقد وضح الحق لذي عينين أنك شاذ عن جميع المسلمين حتى عن المحدثين الذين تفتخر بالإنتساب إليهم و لست ‏منهم، فإنهم سلفهم و خلفهم من كان قبل إظهار ابن تيمية شذوذه و من بعده من الحفاظ على خلاف ما تعتقده من ‏تكفير المتبركين بزيارة الأنبياء و الأولياء، فأنت كفرتهم إن كنت شاعرًا بذلك و إن كنت غير شاعر، فها أنت يا ‏ألباني قد باينت مباينة بعيدة عن أهل الحديث الذين تدعي أنت أنك منهم و تعتز بهم، و لقد تبيَّن أنك عدوهم و عدو ‏الفقهاء و العبَّاد و الزهاد و الصوفيين المتحققين و بهذا تبين أنك و طائفتك الوهابية شاذون عن السلف و الخلف فلا ‏يجوز تسميتكم سلفية كما سميتم أنفسكم.‏

و قد وصف عبد المنعم مصطفى حليمة الألباني في أثناء ردّه عليه بقوله (24) إنه جهمي جلد و هو موافقه في عقيدة ‏التجسيم لكنه لما انحرف انحرافات لا تقول بها فرقته الذين منهم هذا الرادّ عليه وصفه بأنه جهمي أي يوافق الجهمية في ‏بعض غقائدها.‏

--------------------------------------------------------------------------

‏(1)- انظر كتابه المسمى" قيام رمضان" (ص/22).‏
‏(2)- فتاوى الألباني (ص/315).‏
‏(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر.
‏(4)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.‏
‏(5)- رواه ابن المنذر في الآوسط (5/184)، و البيهقي في السنن الكبرى (3/31-32).‏
‏(6)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر.‏
‏(7)- سبق تخريجه.‏
‏(8)- طرح التثريب في شرح التقريب (3/98).
(9)- سنن البيهقي (2/496).‏
‏(10)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان.
‏(11)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/135).‏
‏(12)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/135).‏
‏(13)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/ 136-137).‏
‏(14)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/138).‏
‏(15)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/138).‏
‏(16)- أخذه اللحم معناه ثَقُلَ عليه لحم بدنه.‏
‏(17)- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (4/141).‏
‏(18)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المسافرين: باب صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و دعائه بالليل، و ابن ‏المنذر في الأوسط (5/157)، و ابن خزيمة في صحيحه (2/191).‏
‏(19)- أخرجه البخاري في صحيحه: أبواب تقصير الصلاة: باب كيف كان صلاة النبي صلى الله عليه و سلم و كم ‏كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل.‏
‏(20)- تلخيص الحبير (2/14-15).‏
‏(21)-تلخيص الحبير (2/15).‏
‏(22)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوتر: باب ما جاء في الوتر.‏
‏(23)- العلل و معرفة الرجال (2/492)‏
‏(24)- انظر كتابه المسمى " الانتصار لأهل التوحيد و الرد على من جادل عن الطواغيت " (ص/14).‏

‏