وقوله رحمه الله (والـتعمق والـنظر فـى ذلك ذريعة الـخذلان وسلم الـحرمان ودرجة الطغـيان) أى أن الـخوض فـى القدر للوصول إلـى معرفة سره يؤدى إلـى الـخذلان ويوصل إلـى الـحرمان والطغـيان. والـخذلان هو الـحرمان من الـهداية وأما الطغيان فهو مـجاوزة الـحد. ثـم زاد المؤلف رحـمه اللـه فـى الـتحذير فقال (فالـحذر كل الـحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة) لأن اللـه تعالـى لـم يـجعل للخلق سبيلا إلـى معرفة حقيقة القدر أى الـتقدير كما روى الطبـرانـى عن سيدنـا علـى رضى اللـه عنه أنه سئل عن القدر فقال سر اللـه فلا تتكلف فلما ألـح السائل قال أما إذ أبيت فإنه أمر بيـن أمرين لا جبـر ولا تفويض أى لـيس العبد مـجبـرا على أفعاله بلا اختيار منه وليس الأمر مفوضا إليه بـحيث تـخرج مشيئته عن مشيئة اللـه وإنـما العبد مـختار تـحت مشيئة اللـه قال تعالـى ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء اللـه رب العالميـن﴾ (فإن اللـه تعالـى طوى علم القدر عن أنامه ونـهاهم عن مرامه) أى نـهاهم عن طـلبه لأنه أمر لا سبيل إلـى معرفته (كما قال تعالـى فـى كتابه ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ فمن سأل لـم فعل فقد رد حكم الكـتاب ومن رد حكم الكـتاب كان من الكافرين) أى أن من قال لـم فعل اللـه كذا اعـتـراضا على اللـه فقد رد قول اللـه تعالـى ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾.

(فهذه جـملة ما يـحتاج إلـيه من هو منور قلبه من أولـياء اللـه تعالـى) وفـى هذا إشارة إلـى جـميع ما تقدم مـما يـجب اعتقاده والعمل به فمن وفقه اللـه لذلك فقد نور اللـه قلبه وانتظم فـى سلك الأولـياء (وهى درجة الراسخيـن فـى العلم) أى درجة المتمكنيـن فـى العلم وهم الذين ثبتوا فيه وتـمكـنوا (لأن العلم علمان علم فـى الـخلق موجود) وهو ما جعل اللـه للعباد سبيلا إلـيه كعلم العقائد والأحكام وعلم ما ينتفع به فـى المعيشة (وعلم فـى الـخلق مفقود) وهو ما اختص اللـه به ولـم يـجعل للخلق سبيلا إلـيه فدعواه كفر كالذى يدعى علم وجبة القيامة أى وقت وقوعها على الـتحديد.

(فإنكار العلم الموجود كفر) كإنـكار السوفسطائية وجود الأشياء وإنـكار أحـمد بن تـيمية الفيلسوف الضال المجسم حدوث العالـم (وادعاء العلم المفقود كفر) كادعاء العلم بالغـيب والعلم بـحقيقة القدر وقـيام الساعة (ولا يثبت الإيـمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود).

وقوله رحمه الله (ونؤمن باللوح والقلم) أى يـجب على المكلفيـن الإيـمان باللوح والقلم. واللوح خلق بعد الماء والعرش والقلم وهو تـحت العرش وقيل فوقهطوله ما بـيـن السماء والأرض وعرضه ما بيـن المشرق والمغرب ومساحته مسيـرة خـمسمائة عام. أما القلم فهو القلم الأعلى خلق بعد الماء والعرش ثـم أمر بالكتابة على اللوح فجرى بقدرة اللـه تعالـى من غير أن يـمسكه أحد فكتب ما كان وما يكون إلـى يوم القـيامة. وقوله (وبـجميع ما فيه قد رقم) أى نؤمن بـجميع ما كتب فيه فالـكتب السماويـة مكتوبة فـى اللوح المحفوظ وكذا ما يكون إلـى يوم القيامة.

(فلو اجتمع الـخلق كلهم على شىء كـتبه اللـه فيه أنه كائن لـيجعلوه غـيـر كائن لـم يقدروا عليه ولو اجتمعوا كلهم على شىء لـم يكـتبه اللـه تعالـى فيه لـيجعلوه كائنا لـم يقدروا علـيهجف القلم بـما هو كائن إلـى يوم القيامة) أى فرغ القلم من كتابة ذلك. وهذه الألفاظ التـى ذكرها المؤلف وردت فـى حديث رسول اللـهﷺ بالمعنـىكحديث الـبيهقى فـى شعب الإيـمان قد جف القلم بـما هو كائن فلو اجتمع الـخلق على أن ينفعوك بشىء لـم يكـتبه اللـه فـى أم الـكتاب لـم يستطيعوا ولو

اجتمع الـخلق على أن يضروك بشىء لـم يكتبه اللـه فـى أم الكتاب لـم يستطيعوا (وما أخطأ العبد لـم يكن لـيصيبه) أى إن لـم يصبه فقد أراد اللـه أن لا يصيبه (وما أصابه لـم يكن لـيخطئه)أى ما قدر اللـه أن يصيبه من رزق أو مصيبة أو غـيـر ذلك لا بد أن يصيبه لأن علم اللـه سبق بذلك (وعلى العبد أن يعلم أن اللـه) تعالـى (قد سبق علمه فـى كل كائن من خلقه) أى يـجب على العبد أن يعلم أن ما سبق فـى علم اللـه أنه يكون فلا بد أن يكون (فقدر ذلك تقديرا مـحكما مبـرما) أى قدره

تقديرا نافذا لا يتغيــر (ليس فيه نـاقض ولا معقب) أى ليس له مفسد يفسده ولا من يؤخره عن وقته (ولا مزيل ولا مغـيـر ولا مـحول ولا ناقص ولا زائد من خلقه فـى سـماواته وأرضه) أى إن كان ذلك فـى العالـم العلوى أو السفلـى فلا بد أن يـجرى على حسب ما سبق فـى علم اللـه الأزلـى (وذلك من عقد الإيـمان وأصول المعرفة والاعتـراف بتوحيد اللـه تعالـى وربوبيته) أى أن فـى هذا الاعتقاد إثبات الوحدانية والربوبية للـه عز وجل ونفى الـتدبيـر الشامل عما سوى اللـه ولا يتم الـتوحيد والاعتـراف بالربوبية إلا بالاعتـراف بصفات اللـه عز وجل (كما قال تعالـى فـى كـتابه ﴿وخلق كل شىء فقدره تقديرا﴾ وقال تعالـى ﴿وكان أمر اللـه قدرا مقدورا﴾) أى أن الـحادث شىء مقدر وجد بتقدير اللـه الأزلـى (فويل لمن صار للـه تعالـى فـى القدر خصيما) أى أن من أنـكر تقدير اللـه لأعمال العباد صار خصيما للـه واستحق الويل وهو العذاب الشديد وسـمى خصيما للـه لأنه يدعى مشاركة اللـه فـى الـتقدير (وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما لقد التمس بوهـمه فـى فحص الغـيب سرا كتيما وعاد بـما قال فيه أفاكا أثيما) أى نظر فـى أمر القدر بقلب سقيم مرتـاب أو مكذب بـما ثبت بالأدلة القاطعة طالـبا للوقوف على سر القدر المكـتوم الذى لا يدركه علمه غـيـر مسلم للـه فصار بـهذا أفاكا أثيما والأفاك كثيـر الكذب والأثيم الفاجر كثيـر الإثـم.

(والعرش والكرسى حق) أى يـجب الإيـمان بوجودهـما لأن اللـه تعالـى نص عليهما فـى القرءان أما العرش فهو سرير له أربع قوائمأعده اللـه ليطوف به الملائكة كما يطوف المؤمنون فـى الأرض بالكعبة وهوأعظم الأجسام حجما وأوسعها مساحة. وأما الكرسى فهوجرم أى جسم عظيم خلقه اللـه تـحت العرش أكـبـر منالسمــٰـواتالسبع لكنه أصغر من العرش بكثيـر.السمــٰـواتالسبع بالنسبة إلـى الكرسى كحلقة ملقاة فـى صحراء واسعةوالكرسى بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة فـى صحراءواسعة(وهو مستغن عن العرش وما دونه) لقوله تعالـى ﴿إن اللـه لغنـى عن العالميـن﴾ وفـى ذلك رد على المجسمة الوهابية حيث وصفوه بالـجسم والـجلوس على العرش أما قوله تعالـى﴿الرحـمـٰن على العرش استوى﴾ فقدفسره بعض العلماء بالقهر لكن لا يقطع بأن مراد اللـه بالاستواء على العرش القهر إنـما يظن ظـنا راجحا وهذا مـما يليق باللـه لأنه وصف نفسه بأنه قهار فلا يـجوز أن يتـرك ما هو لائق باللـه إلـى ما هو غـيـر لائق به وهو الاستقرار والـجلوس والمحاذاة أى كـون الشىء فـى مقابل شىء.

ومعنـى قهر اللـه للعرش الذى هو أكـبـر المخلوقات حجما أن العرش تـحت تصرف اللـه هو أوجده وحفظه وأبقاه. وهو تبارك وتعالـى (مـحيط بكل شىء) بالعلم والقهر والسلطان وليس كإحاطة الـحقة بـما فيها من الأشياء الثمينة (و)كما أنه متصف بأنه مـحيط بالعالـم كذلك هو متصف بأنه (فوقه) وفوقـيته هى فوقـية القدرة والقهر لا فوقـية المكان والـجهة قال اللـه تعالـى﴿وهو القاهر فوق عباده﴾(وقد أعجز عن الإحاطة خلقه) أى لا يـحيط أحد من الـخلق علما بكل شىء فإذا كان الملائكة لا يـحصيهم عددا إلا اللـه لقوله تعالـى﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾فكيف بـجميع الـخلق.

(ونقول إن اللـه اتـخذ إبراهيم خليلا) والـخليل هو الذى بلغ مقام الـخلة وهى الغاية فـى الانقطاع إلـى عبادة اللـه فإذا قيل إبراهيم خليل اللـه معناه له منزلة خاصة عند اللـه. ولـيست الـخلة كالولادة لأن الولادة توجب البعضية والـجزئية أما اتـخاذ الـخليل فلا يوجب شيئا من ذلك بل يوجب الكرامة والقرب أى القرب المعـنوى. وقوله رحمه الله (وكلم اللـه موسى تكليما إيـمانا وتصديقا وتسليما) إثبات لما جاء فـى القرءان وهو قوله تعالـى﴿وكلم اللـه موسى تكليما﴾أى أسـمعه كلامه الأزلـى الأبدى الذى ليس حرفا ولا صوتـا ولا لغة. وبـما أن الكلام صفة للـه حقيقة أكد اللـه الفعل بالمصدر وهو دليل على نفى المجاز فالمجاز لا يؤكد بالمصدر كقولـهم قال بيده إذا أشار بـها.

(ونؤمن بالملائكة) أى يـجب الإيـمان بوجودهم وهم أجسام لطيفة لا تـجس بالـيد خلقهم اللـه من نور لـهم أرواح وعقول وإرادة. ليسوا ذكورا ولا إناثا لا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولا يتغـوطون ولا ينامون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يتوالدون وهم مسلمون مكلفون بالإيـمان وعباد للـه طائعون لا يعصون اللـه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

وقوله رحمه الله (والـنبييـن) أى يـجب الإيـمان بالأنبياء وأن اللـه تعالـى أرسلهم للدعوة إلـى دين الإسلام أولـهم ءادم عليه السلام وءاخرهموأجملهم وأحسنهم وأعلمهم وأشجعهم مـحمد ﷺ. جـملهم اللـه بصفات حـميدة وأخلاق حسنة ونزههم عن الصفات الذميمة فهم جـميعا أهل الصدق والأمانة والعفة والفطانة والشجاعة والفصاحة حفظهم اللـه من الكفر والكبائر والصغائر التـى فيها خسة ودناءة قبل الـنبوة وبعدها فلا يكذبون ولا يغشون ولا يـخونون ولا يأكلون أموال الـناس بالـباطل وليس فيهم من هو رذيل يـختلس الـنظر إلـى الـنساء الأجنبيات بشهوة وليس فيهم من هو سفيه يتصرف بـخلاف الـحكمة أو يقول ألفاظا شنيعة تستقبحها الـنفس كمن يشتم يـمينا وشـمالا وليس فـى الأنبياء من هو جبان ضعيف القلب أو ضعيف الفهم عصمهم اللـه من سبق اللسان فـى أمور الدين وغـيـرها فلا يتكلمون بكلام لا يريدون قوله. ولا يـجوز فـى حقهم الـجنون والـخرف وتـأثيـر السحر فـى عقولـهم وتصرفاتـهم ولا تصيبهم الأمراض المنفرة كالـجرب والـبـرص والـجذام وخروج الدود من الـجسم ولا تـحصل فـى أبدانـهم ولا فـى أفواههم ولا فـى ثيابـهم الروائح الكريهة.

(و)أما (الكتب المنزلة على المرسليـن) كالقرءان والـتوراة الأصلية والإنـجيل الأصلـى والزبور فيجب الإيـمان بـها أى بأنـها من عند اللـه ليست من تأليف بشر ولا من تصنيف ملك وهى مائة وأربعة فقد روى ابن حبان فـى صحيحه من حديث أبـى ذر أنه قال قلت يا رسول اللـه كم كتابا أنزل اللـه قال مائة كتاب وأربعة كتب أنزل على شيث خـمسون صحيفة وأنزل على أخنوخ (أى إدريس) ثلاثون صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل الـتوراة عشر صحائف وأنزل الـتوراة والإنـجيل والزبور والقرءان.

وقوله رحمه الله (ونشهد أنـهم) أى الأنبياء (كانوا على الـحق المبيـن) معناه نعلم ونعتقد فـى قلوبنا ونعـتـرف بألسنتنا أن الأنبياء كانوا على الـحق المبيـن أى الواضح الذى لا مريـة فيه ولا شك.

(ونسمى أهل قـبلتنا مسلميـن مؤمنيـن ما داموا بـما جاء به الـنبـى ﷺ معـتـرفيـن)ولو ارتكبوا الذنوب طالما لـم يصلوا إلـى حد الكفر ولا نقول كما يقول الـخوارج من ارتكب معصية ولو صغيـرة فهو كافر ولا نقول كما تقول المعتزلة من ارتكب كبيـرة ليس بـمسلم ولا كافر. وقولهرحمه اللهما داموا بـما جاء به الـنبـى ﷺ معـتـرفيـن(وله بكل ما قاله وأخبـر مصدقيـن غـيـر منـكرين) أوضح به ما قبله لـيعلم أن مـجرد الـتوجه إلـىقـبلتنا لا يدل على حقيقة الإيـمان بالـنبـى ﷺ أى لا يكون الإنسان مؤمنا ولا مسلما ما لـم يكن فـى قلبه مصدقا بالـنبـى ﷺ ومقرا بـما جاء به لأن كثيـرا من الـناس يتوجهون إلـى قـبلتنا ولـيسوا منا ولا على ديننا كالذين يدعون أن اللـه تعالـى أرسل جبـريل إلـى علـى رضى اللـه عنه لكن جبريل غلط ونزل بالوحى على مـحمد فهؤلاء وإن صلوا إلـى القبلة لـيسوا بـمؤمنيـن.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين