بسم الله الرحمن الرحيم



الحمد لله الواحد الأحد، المنزه عن الجسم والحد، والزمان والمكان سبحانه لا يُمسُّ ولا يحس ولا يُجسُّ، ‏ولا يقاس صفات ذاته بالناس، ولا شريك له في الملك ولا نظير، ولا مشير له في الحكم ولا وزير، مهما ‏تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك.

ونشهد أن محمداً عبده المجتبى ورسوله المرتضى بعثه الله بالنور الساطع ‏والضياء اللامع فبلَّغ عن الله عز وجل الرسالة، وأوضح فيما دعا إليه الدلالة فكان في اتّباع سنته لزوم ‏الهدى، وفى قبول ما أتى به وجود السنا فصلى الله عليه وعلى ءاله وصحبه النجباء.‏

أما بعد، فإن الله اختار محمداً صلى الله عليه وسلم من عباده فبعثه إلى خلقه بالحق بشيراً ومن النار لمن زاغ عن ‏سبيله نذيراً، ليدعو الخلق من عباده إلى عبادته، قال الله تعالى في كتابه المبين: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا ‏لِيَعْبُدُونِ{56} ) سورة الذاريات

 ، أي خلقهم ليأمرهم بعبادته، وكان أول مـا دعاهم إليه رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم هو عبادة الله تعالى وتوحيده وأن لا يشرك به شىء، فلذلك كان علم التوحيد أجلّ العلوم ‏وأولاها تحصيلاً، وكان اهتمام علماء السلف والخلف- أي الذين جاؤوا بعد السلف- بهذا العلم كبيراً.، وكلا ‏الفريقين من السلف والخلف كانت بحوزتهم الأدلة العقلية للرد عنى المبتدعة المخالفين لأهل الحق، واشتهر عن ‏الخلف إبراز الدلائل النيرة والحجج الباهرة لإثبات وجوده تعالى وحدوث كل ما سواه والذب عن السنة ‏بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجوهر والأعراض وأحكامها، وسبب ذلك انتشار المبتدعة ‏المنتسبين إلى الإسلام والفلاسفة والملاحدة من غير المسلمين،

 فنشر هؤلاء المخالفون ءاراءهم‎ ‎الفاسدة التي لم ‏تكن موجودة في عهد الصحابة ومن جاء بعدهم بزمان وألقوها على مسامع المسلمين، فقام أهل الحق الذين ‏عُرفوا باسم علماء الكلام في رد تلك الشبه باستحداث اصطلاحات وطرق جديدة لمقارعة المخالفين إما لكون ‏المخالفين لا يأخذون بالقرءان كالفلاسفة والملاحدة، وإما لكونهم من أهل الأهواء الذين اعتنقوا البدعة ‏وصاروا ينافحون عنها بما زعموه أدلة عقلية، واستمر أهل الحق في نصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن ‏تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة حتى ظهر في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ‏رجل زعم أنه على مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه مع مخالفته له في الأصول والفروع، وقد تمكن هذا الرجل ‏وهو ابن تيمية من اجتلاب ثقة بعض شيوخ العلم إلى نفسه وثنائهم عليه، وكان طلق اللسان، فإذا هو يجري ‏على خطة مدبرة في إحلال المذهب الحشوي تحت ستار مذهب السلف محل مذهب أهل السنة،

 ولم يعلم أن ‏مذهب أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية بلغ من التمحيص العلمي على تعاقب القرون بأيدي نوابغ أهل ‏النظر والفقه في الدين ممن لا يعد هذا الحشوي- أي ابن تيميه- من صغار تلامذتهم إلى مستوى من قوة الحجج ‏بحيث إذا حاول مثله أن يصطدم بها لا يقع إلا على أم رأسه، وكان له أتباع ينعقون ولا يعون، وخلفهم أتباع ‏وهكذا إلى أن وصل النعيق إلى رجل اسمه محمد بن عبد الوهاب النجدي إمام الوهابية. الذي كان ابتداء ظهور ‏أمره في الشرق سنة 1143هـ،

 واشتهر أمره بعد 1170 هـ بنجد وقراها، وقد ظهر بدعوة ممزوجة بأفكار ‏منه زعم أنها من الكتاب والسنة ، وأخذ ببعض بدع ابن تيمية فأحياها وابتدع من عند نفسه بدعا أخرى، ‏وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما شاهدوا أفعاله وسمعوا من أقواله التي ‏خالف في الشرع، حتى قال فيه ابن عابدين الحنفي في ردّ المحتار ما نصّه (1): "مطلب في أتباع ابن عبد ‏الوهاب الخوارج في زماننا: قوله: "ويكفرون أصحاب نبينا (صلّى الله عليه وسلّم)" علمت أن هذا غير شرط ‏في مسمى الخوارج،

 بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا علي رضي الله تعالى عنه، والا فيكفي فيهم اعتقادهم ‏كفر من خرجوا عليه، كما وقع في زماننا في أتباع محمد بن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلّبوا على ‏الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم ‏مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنّة قتل علمائهم حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم ‏عساكرالمسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف". ا.هـ.،

 وقال الشيخ أحمد الصاوي المالكي ما نصه (1): ‏‏"وقيل هذه الآية- يعني قوله تعالى ( إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ{6} ) سورة فاطر- نزلت ‏في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم كما هو مشاهد الآن ‏في نظائرهم وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم الوهابية يحسبون أنهم على شئ ألا- إنهم هم الكاذبون استحوذ ‏عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، نسأل الله ‏الكريم أن يقطع دابرهم" انتهى كلام الصاوي.‏

ومن شؤم الطائفة الوهابية أنها تذم علم الكلام الممدوح وأهله، وما ذاك إلا لأن الحجج العقلية ‏والبراهين القطعية تهدم على الوهابية عقيدتهم التي هي عقيدة التشبيه والتجسيم كقولهم في حق الله- بالجهة ‏والجلوس والحركة والكيفية وغير ذلك من انحرافهم، وتمسكوا بشبه لا تنهض
دليلاً لما ذهبوا إليه كقولهم إن الصحابة لم يشتغلوا به وإن بعض العلماء ذم المشتغلين بهذا العلم وما ‏إلى ذلك من الشبه التي سيُجاب عنها في هذا الكتاب إن شاء الله.‏

‏ ولما كثر الخوض في هذا الموضوع والتبس الأمر على بعض الناس، ولما كان الكلام منه ممدوح ومنه ‏مذموم أردنا تبيان الحق وجلاء الأمر ليكون المؤمن على بينه من أمره.‏

‏(1) (أنظر كتابه" رد المحتار على الدر المختار"(4/262) كتاب البغاة )‏