في ذكر الصلاة على أشرف الخلائق الإنساني سيدنا محمد المصطفى العدناني صلى الله عليه وسلم وعلى ءاله وأصحابه النجباء البررة الكرام
ـ اختصره المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري الأشعري الشافعي القادري الرفاعي غفر الله له ولوالديه ءامين
ـ اختصر فيه كتاب الشيخ الواثق بالله الصمد أبي عبد الله هاشم بن عبد العزيز المحمدي الشافعي الأشعري القادري الهرري تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوح جنته ءامين
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد وءاله وصحبه الطيبين.
قال مختصِرُه العلامة الفقيه المحدث اللغوي الشيخ عبد الله الهرري الأشعري الشافعي الرفاعي القادري حفظه الله:
اعلم رحمك الله أنه مع عظم فضل الصلاة على النبي فالاشتغال بعلم الدين أفضل، والدليل على ذلك قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (يا أبا ذر لأن تغدو فتتعلم ءايةً من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتتعلم باباً من العلم خير لك من أن تصلي ألف ركعة) أي من النفل، وهو حديث ثابت حسن رواه ابن ماجه وغيره.
فهذا الحديث يدل على أن غدو الشخص أي ذهابه إلى عالم فيتعلم باباً من العلم أفضل من ركعات التراويح والوتر في رمضان كله، لأن عددها في ثلاثين ليلة ستمائة وتسعين، فيكون معنى الحديث أن الذي يغدو إلى عالم فيتعلم باب الاستنجاء أو باب التيمم أو باب غسل الجنابة أو باب الوضوء أو غير ذلك أفضل من هذه الركعات الستمائة والتسعين ركعة التي هي ركعات التراويح مع الوتر، وفضل الاشتغال بالعلم درجة عالية.
ثم إن كل الأعمال لا تقبل إلا أن توافق الشرع، وموافقة الشرع وعدم موافقته لا يُعرف إلا بالعلم، فلأجل هذا ينبغي صرف أكثر الوقت في العلم. والعلم لا يؤخذ إلا من أفواه العلماء، ولا تكفي مطالعة الكتب بغير تلقٍ من أفواه العلماء، بل كثير من الناس الذين يضلون سببه أنهم لا يتلقون علم الدين من أفواه العلماء بل يعتمدون على المطالعة في مؤلفات العلماء، قال الإمام الحافظ الفقيه الشافعي الخطيب البغدادي: "من أخذ الحديث من الكتب لا يسمى محدثاً بل يسمى صحفياً، ومن أخذ القرءان من المصحف يسمى مصحفياً لا يسمى قارئاً"، وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه:
"أفضل العلم العلم بالله ورسوله وأمورِ دينه" اهـ. وأهم العلوم علم العقيدة فقد قال العلماء: يجب على طريق فرض الكفاية أن يكون في المسلمين من يقوم ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة بدلائلها العقلية والنقلية لدفع تشكيكات المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ويجعلون الله جسماً يسكن ويتحرك وينزل ويطلع، وإنه متحيز في جهة فوق، وإبطال عقيدة المعتزلة الذين يقولون العبد هو يخلق أفعاله الاختيارية ليس الله يخلقها.
واليوم توجد من المشبهة الوهابية الذين يقولون إن الله جسم قاعد على العرش ينزل بذاته كل ليلة إلى السماء الدنيا ويمكث في السماء الدنيا ثلث الليل الأخير ثم يرجع إلى السماء بعد طلوع الفجر، ويكفّرون من يتوسل بالرسول أو الأولياء، ويكفرون من يقول: يا محمد أو يا عبد القادر فيعتبرونه كافراً حلال الدم، لذلك يقتلون الناس في الجزائر لغير سبب شرعي وفي الشيشان وفي اليمن وفي مصر، فإذا لم يوجد من يقدر دفع شُبَه هؤلاء المشبهة والذين يقولون بقول المعتزلة بالدليل النقلي والدليل العقلي، يؤثر هؤلاء على من لا يعرف الدليل فيخرجونهم من عقيدة الإيمان إلى عقيدة الكفر من حيث لا يشعرون.
وقد قالت الوهابية منذ سنتين تقريباً بالمدينة المنورة قال شيخهم المدرس: ثلاثة أرباع المسلمين كفار لأنهم يقولون: يا محمد، يا عبد القادر، وقالت الوهابية في هرر جماعة إبراهيم حسن: هرر وما فيها مشرك، فالذين يشتغلون بقراءة القرءان وكثرة الصلاة على النبي وكثرة الصلاة والتهجد لا يستطيعون رد هؤلاء إنما يستطيع من أتقن عقيدة أهل السنة في تنزيه الله تعالى عن مشابهة شيء من خلقه وعقيدة أنه لا خالق إلا الله بالقرءان والحديث ودلائل العقل.
وها أنا أوكد عليكم نصيحتي بالاشتغال بالعلم وصرف أكثر أوقاتكم له بدل أن تصرفوا أكثر أوقاتكم في قراءة كتاب الفتح الرحماني وكتاب تنبيه الأنام وكتاب المولد، فإن ذكر الله أفضله لا إله إلا الله ويمكن الشخص أن يكثر منه وهو سائر في الطرق، وهو مضطجع على جنبه للنوم إلى أن يُغفي، وكذلك الصلاة على النبي يكثر أحدكم وهو ماشي في الطرق وهو مضطجع على جنبه للنوم.
فصل في بيان مخارج حروف الصلاة على النبي
ثم إنه يشترط في حصول ثواب الصلاة على النبي تصحيح حرف الصاد مميزة عن السين، فمن لا يميز بينهما في النطق فلا ينال ثواب الصلاة على النبي، كذلك يشترط عدم زيادة الياء في كلمة (صلِّ) كما يزيد بعض الناس، قال العالم الفقيه طه عمر بن طه عمر الحضرمي الشافعي الذي كان من أهل القرن الحادي عشر في كتاب المجموع لمهمات المسائل من الفروع (ص/97) ما نصه: "وقال عبد الله بن عمر: من قال في تشهده اللهم صلي بالياء لم يُجزِه ولو جاهلاً أو ناسياً بل العامد العالم بالعربية يكفر به لأنه خطاب مؤنث" اهـ.
وهذا كثير في الحبشة يقولون (اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله) يزيدون ياء في (صل) بعد اللام فإن المعنى يتغير بزيادة الياء يكون تأنيثاً لله تعالى وهذا كفر.
والعناية بحفظ مخارج الحروف أمر مهم، فقد رأى سيدنا عمر رضي الله عنه رجلين يرميان الهدف فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر فقال الذي أخطأ للذي أصاب: (أسبت) بالسين، فقال سيدنا عمر: (خطؤك في كلامك أشد من خطئك في الرماية)، لأن الرجل قال أسبت بالسين بدل أن يقول أصبت بالصاد، فإذا كان سيدنا عمر استقبح هذا الغلط في أمر الرماية بين اثنين فكيف الغلط في ذكر الله؟!
فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
وقد ورد في فضل الصلاة على النبي أحاديث قوية الإسناد وأحاديث ضعيفة وأحاديث لا أصل له، ومن الصحيح منها حديث: "من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً، ومن صلى علي عشراً صلى الله عليه بها مائة".
وحديث: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" رواه البخاري وغيره، وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على ءال إبراهيم إنك حميد مجيد ".
وروى الحافظ السخاوي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى علي عصرَ يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين عاماً".
تنبيه: وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهنّ ويتغنين ويقلن:
نحن جوارٍ من بني النجارِ *** يا حبذا محمدٌ من جارِ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله يعلم إني لأحبكن". قال الحافظ البوصيري: "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".
وهذا فيه دلالة على مشروعية مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والضرب بالدف.
قاعدة:
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في كتابه [أدب المريد]: "إذا علم المريد الخطأ على الشيخ فلينبهه، فإن رجع عن خطئه فذاك الأمر، وإلا ترك قوله واتبع الشرع"، وقال الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه: "سلّم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع، فإن خالفوا الشرع فاتركهم واتبع الشرع". وهذا موافق للحديث الصحيح الذي رواه الطبراني في الأوسط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله"، وفي رواية: "إلا النبي"، حسنه الحافظ العراقي.
ومعنى الحديث أن الصحابة ومن بعدهم من الأمة، كلُ فردٍ لا بد أن يكون بعض كلامه في أمور الدين خطأ إلا النبي فإنه لا يجوز على النبي الخطأ في أمور الدين، فإذا عُرِف هذا فلا يجوز أن يقال إنه لا يجوز في كلام ولي خطأ، فهذا سيدنا عمر رضي الله عنه الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه محدَّثٌ اعترف على نفسه بالخطأ في مسئلة وهي أنه قال ذات يوم: "لا تغالوا في مهور النساء فإن بلغني أن أحداً زاد في مهر امرأة على أربعمائة درهم أخذته ووضعته في بيت المال"، فقالت امرأة: "ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: (وءاتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً)، فصعد سيدنا عمر على المنبر فقال: "أيها الناس أنتم وشأنكم في مهور نسائكم، أصابت امرأة وأخطأ عمر".
وعلى هذا جرت عادة الفقهاء، إذا علم أحدهم الخطأ في كلام أحدهم قال: وقول فلان غلط، حتى إن إمام الحرمين يقول في بعض كتبه: "قال والدي كذا وهو خطأ" ، ووالده يقال له أبو محمد الجويني واسمه عبد الله بن يوسف، وكان إماماً جليلاً مبجلاً عظيم القدر، قال فيه بعض الناس: "لو كان بعد رسول الله نبي لكان أبا محمد"، وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه [لطائف المنن والأخلاق]: "قال الإمام العلامة عمر بن محمد الإشبيلي الأشعري رضي الله عنه في كتابه المسمى بلحن العوام: "وليحذر من العمل بمواضع في كتاب الإحياء للغزالي، ومن كتاب النفخ والتسوية له وغير ذلك من كتب الفقه فإنها إما مدسوسة عليه أو وضعها أوائل أمره ثم رجع عنها كما ذكره في كتابه المنقذ من الضلال" اهـ.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي في [طبقات الشافعية]: "إن في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ثلاثمائة حديث لا أصل لها"، فإذا عرف هذا فلا يلتفت إلى قول بعض الناس إذا بين لهم إن في كتاب الشيخ فلان كذا وكذا من الخطأ يعاند ويقول: كيف يوجد خطأ في كتاب الشيخ فلان، وهذا جهل قبيح، قائله مخالف لحديث رسول الله المذكور ءانفاً، فلأجل هذا حذفنا أشياء من كتاب (الفتح الرحماني) ومن كتاب (الصلوات الكبير) ومن كتاب (المولد) المشهور في بلادنا، والدليل المنجي من هذا الجهل تحصيل العلم علم العقيدة وعلم الأحكام، ومن قصّر في تعلم علم الدين لا بد أن يقع في مهالك، فمن كان مقصراً في علم الدين واشتغل بالأذكار والأوراد لا يسلم من المهالك، فقد وقفت على كلمة كفرية في كتاب ألفه رجل يقال له الشيخ نبراس وهي "اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وزير الله الأعظم" وهذا الرجل كنت أسمع من بعض من يعرفه تعظيماً وتبجيلاً له، حتى إنه قال لي عن الشيخ نبراس: إن رسول الله لا يحتجب عنه طرفة عين.
ومن هنا نسب بعض الناس إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه كلاماً باطلاً لا يليق بالشيخ عبد القادر، من ذلك ما في كتاب (الفيوضات الربانية) الذي ألفه رجل من أهل بغداد يذكر فيه أن الشيخ عبد القادر قال قصيدتين ويذكر في إحداهما هذا البيت:
ولو أنني ألقيت سري على لظى *** لأطفئت النيران من عظم برهاني
وهذا لا يمكن أن يقوله الشيخ عبد القادر الجيلاني لأن الأولياء متأدبون مع الله، يحفظون ألسنتهم وجوارحهم عما يخالف الشرع ويعارضه. الله تبارك وتعالى خلق نار جهنم للدوام والبقاء لا تفنى لحظة إلى أبد الآباد، وفي القصيدة الأخرى هذا البيت:
كل قطب يطوف بالبيت سبعاً *** وأنا البيت طائف بخيامي
وهذا الكلام باطل لا يقوله الشيخ عبد القادر، وفيه أيضاً كلام مكذوب عليه من جملة ما فيه من الباطل: إن الله تعالى خاطبه يا غوث الأعظم أكل الفقراء أكلي وشربهم شربي، جعله هذا المفتري الكذاب كأنه كليم الله كما أن موسى كليم الله، وكثير من المدعين محبة الرسول عليه السلام يكذبون عليه كما كذب هذا الشيخ نبراس.
وقد أخبرني عالم من علماء قبيلة عيسى أن شيخاً في ناحية أوغادين مشهور يقال له الشيخ عبدالله قطب جماعته يقولون هذا الكلام ويرددونه:
إن لشيخي تسعة وتسعين اسماً *** كسُمى ذي الجلال في استجاب الدعاء
وهؤلاء شبهوا الشيخ عبد القادر بالله تعالى وهذا ضلال مبين.
وقد كذب على الشيخ عبد القادر فيما قبل هذا الوقت بنحو سبعمائة سنة رجل يقال له علي الشطنوفي عمل كتاباً سماه (بهجة الأسرار) كذب فيه على الشيخ عبد القادر ونسب إليه كلاماً مفترى، وهو الذي أشاع هذه الجملة: "قدمي هذه على رقبة كل ولي لله" ، فحذارِ حذارِ من هؤلاء الذين يشتغلون بالأوراد والأذكار قبل أن يتعلموا علم العقيدة والأحكام.
فائدة:
بسم الله الرحمن الرحيم
يبدأ المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات قبل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي هذه:
اللهم إني نويت بصلاتي على النبي صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمرك وتصديقاً لنبيك صلى الله عليه وسلم، ومحبةً فيه وشوقاً إليه، وتعظيماً لقدره، وكونِه أهلاً لذلك فتقبلها مني بفضلك وإحسانك، وأزل حجاب الغفلة عن قلبي واجعلني من عبادك الصالحين. اللهم زده شرفاً على شرفه الذي أوليتـَه وعزاً على عزه الذي أعطيتـَه، ونوراً على نوره، وأعلِ مقامَه في مقامات المرسلين، ودرجتـَه في درجات النبيين، وأسألك رضاك ورضاه يا رب العالمين مع العافية الدائمة والموتِ على الكتاب والسنة والجماعة وكلمةِ الشهادة على حقيقتها من غير تبديل ولا تغيير، واغفر لي ما ارتكبتـُه بفضلك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
تم الدعاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أسبغ علينا بنعمه الظاهرة والباطنة، ونسأله الشكرَ على نعمائه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العطايا الغامرة، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولهُ صاحبُ المعجزات الباهرة، صلى الله عليه وسلم وعلى ءاله وأصحابه أولي الوجوه الناضرة صلاةً وسلاماً دائمَين إلى يوم الجمع بالساهرة، وبعد:
فإنه لما كان التعلقُ بالواسطة متقدماً على التعلق بالمتوسَطِ إليه، بادرتُ إلى ذلك وجمعتُ الكيفية الواردة في الأخبار والآثار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجعلته وسيلة ليوم سؤالي وعرضي على الله تعالى، فإنه هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى، والدالُّ لنا عليه وأعظمُ الشفعاء لديه. والصلاةُ عليه من أنفع الأعمال وسميته بكتاب:
[الفتح الرحماني
في ذكر الصلاة على أشرف الخلائق الإنساني سيدنا محمد المصطفى العدناني]
فأسأل الله تعالى أن يجعل جمعي له خالصاً لوجهه الكريم، ومحبة في نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا من خيار المصلين والمسَلّمين عليه، فإنه على ذلك قدير، لا إله غيرُه وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه.
فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
فقد قال في حقه من جمعَ بين خَلقِهِ وخـُلـُقِه: (وكان بالمؤمنين رحيماً) [الأحزاب 43] وبشّر من صلى عليه من أمته بالفضل في جنته بالإكرام فقال الله تعالى: (تحيتهم يومَ يَلقـَوْنـَهُ سلامٌ وأعدَّ لهم أجراً كريماً) [الأحزاب 44]
فيا معشرَ العصاة ما أغفلَكم عن الصلاة عليه فإنها تكفِّرُ ذنباً عظيماً وتورث عزاً وتكريماً، فأكثروا من الصلاة عليه وافعلوا ما ندَبَكم مولاكم إليه تلقـَون جنةً ونعيماً، وتُجَنـَّبون عذاباً وجحيماً، وقد أمر الله بالصلاة عليه تنبيهاً لنا وتفهيماً وتذكيراً لنا وتعليماً (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب 56]، وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلوا عليّ فإن صلاتكم عليّ زكاةٌ لكم واسألوا الله تعالى ليَ الوسيلة) قالوا:
يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: (أعلى درجةٍ في الجنة لا ينالها إلا رجلٌ واحدٌ وأنا أرجو أن أكون ذلك الرجل)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن صلى عليّ صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرَ مرات، ومن صلى عليّ عشرَ مرات صلى الله عليه بها مائة مرة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليّ صلاةً من تِلقاءِ نفسِه صلى الله عليه بها عشرَ صلوات وكتب له بها عشر حسنات وحطّ عنه بها عشرَ خطايات ورُفِعَ بها عشرَ درجات)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا عليّ من الصلاة في يوم الجمعة فإن صلاة أمتي تُعرَض عليّ في يوم الجمعة، فمن كان أكثرَهم عليّ صلاةً كان أقربَهم مني منزلةً).
قال سفيان الثوري رضي الله عنه: رأيتُ رجلاً في البادية لا يرفعُ قدماً ولا يضع أخرى إلا وهو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا هذا قد تركتَ التسبيحَ والتهليل وأقبلت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهل عندك من هذا شيء؟ قال: من أنت؟ قلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا أنت غريب في أهل زمانك ما كشفتُ عن حالي ولا أطلعتك على سري، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجّين إلى بيت الله الحرام حتى كنا في بعض المنازل مرِض والدي فقمتُ لإعالجه فبينما أنا عند رأسه مات واسودّ وجهه، فجرّيتُ الإزارَ على وجهه فغلبتني عيناي فنمت فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه وجهاً ولا أنظف منه ثوباً ولا أطيب منه ريحاً يرفع قدماً ويضع قدماً أخرى،
حتى دنا من والدي فكشف الثوب عن وجهه وأمرّ بيده على وجهه فعاد وجهُه أبيض ثم ولّى راجعاً، فتعلقتُ بثوبه فقلت له: من أنت يرحمك الله لقد منّ الله بك على والدي في دار الغربة؟ فقال: أوَ ما تعرفني؟ أنا محمد بن عبد الله أنا صاحب القرءان، أما إن والدك كان مسرفاً على نفسه ولكن كان يكثر الصلاة عليّ، فلما نزل به ما نزل استغاث بي فأنا غياث من أكثر الصلاة عليّ. فانتبهتُ فإذا وجهه أبيض.
يا من يجيب دعا المضطر في الظُلَمِ = يا كاشفَ الضر والبلوى معَ السَقَمِ
شفّعْ نبيَك في ذلي ومسكنتي = واستر فإنك ذو فضلٍ وذو كرمِ
واغفر ذنوبي وسامحني بها كرماً = تفضلاً منك يا ذا الفضل والنِعَمِ
وقد وعدتَ بأن ندعو وتجيب لنا = وقد دعَونا فجُد بالعفو والكرمِ
إخواني: أكثروا من الصلاة على هذا النبي الكريم فإن الصلاة عليه تكفّرُ الذنبَ العظيم، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتقي قائلها من العذاب الأليم، وتحظي في الجنة بالنعيم المقيم.
وقد قيل في بعض الروايات أن للمصلين على سيد المرسلين عشر كرامات:
إحداهن: صلاةُ الملك الغفار
الثانية : شفاعة النبي المختار
الثالثة: الاقتداء بالملائكة الأبرار
الرابعة: مخالفة المنافقين والكفار
الخامسة: محو الخطايا والأوزار
السادسة: قضاء الحوائج والأوطار
السابعة: تنوير الظواهر والأسرار
الثامنة: النجاة من النار
التاسعة: دخول دار القرار
العاشرة: سلام العزيز الجبار
هذا النبي محمدٌ خيرُ الورى ونبيُهم وبه تشرّف ءادمُ
هو في المدينة ثاوياً بضريحه حقاً ويسمعُ مَن عليه يسلّمُ
وإذا توسل مستضامٌ باسمه زال الذي من أجله يَتوهّمُ
صلى عليه اللهُ جل جلاله ما راحَ حادٍ باسمه يترنمُ
وأنشد أبو سعدٍ محمد بن الهيثم محمد السلمي:
أما الصلاةُ عليه فسيرةٌ مَرْضيةٌ تُمحى بها الآثامُ
وبها ينال المرءُ عزَ شفاعةٍ يَثنى بها الإعزازُ والإكرامُ
كن للصلاة على النبي ملازماً فصلاته لك تحيةٌ وسلامُ
الجنة ونعيمها وحورها وقصورها جزاءٌ لمن يصلي ويسلم عليه صلى الله عليه وسلم.
