أما بعدُ: فقد رَوَيْنا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ومُعاذِ بنِ جبلٍ وأبي الدرداءِ وابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ وأنسِ بنِ مالكٍ وأبي هُريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي اللهُ عنهُم من طُرُقٍ كثيراتٍ برواياتٍ متنوّعات، أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: "من حفِظَ على أمتي أربعينَ حديثًا (معنى الحِفظ هنا: أن ينقلَها إلى المسلمينَ وإنْ لم يحفظْها ولم يعرف معناها. هذا حقيقةُ معناه، وبهِ يحصلُ انتفاعُ المسلمين لا بحِفظ ما لم ينقلْه إليهم) من أمرِ دينِها بعثَهُ اللهُ يومَ القيامةِ في زُمرةِ الفُقَهاءِ والعُلماء"، وفي روايةٍ "بعثه اللهُ فقيهًا عالمًا"، وفي روايةِ أبي الدرداءِ "وكنتُ لهُ يومَ القيامةِ شَافعًا وشهيدًا" وفي روايةِ ابنِ مسعودٍ "قيل له: ادخلْ من أيّ أبوابِ الجنةِ شئتَ" وفي روايةِ ابنِ عمرَ "كُتبَ في زُمرةِ العُلماءِ وحُشِرَ في زُمرةِ الشهداء"؛ واتفقَ الحفاظُ على أنهُ حديثٌ ضعيفٌ وإن كثُرت طُرُقُه.

وقد صنَّفَ العلماءُ رضي اللهُ عنهم في هذا البابِ ما لا يُحصى منَ المصنَّفاتِ، فأولُ من علمتُهُ صنفَ فيه عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، ثم محمدُ بنُ أسْلَم الطُوسيُّ العالمُ الربانيُّ (نسبة إلى الرب زيد فيه الألف والنون على غير قياس كما تقول العرب لِحيانيٌّ لمن لحيته طويلة، ومعناه العالم العامل المعلم)، ثم الحسنُ بنُ سفيانَ النّسَويُّ، وأبو بكرٍ الآجُرّيُّ، وأبو بكرٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ الأصفهانيُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكِمُ، وأبو نُعيم، وأبو عبدِ الرحمنِ السُّلَميُّ، وأبو سعدٍ المَالينيُّ وأبو عثمانَ الصابونيُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ، وأبو بكرٍ البيهقيُّ، وخلائقُ لا يُحْصَونَ من المتقدمينَ والمتأخرينَ.