فهل يعتقد ذو فهم في الشافعي أنه لا يُكَفِّرُ من نفى صفة من تلك الصفات الثلاث عشرة التي يدلّ العقل عليها وقد كَفَّرَ حفصًا الفرد لأنه لا يثبت لله الكلام الذاتي الذي هو أحد معنيي القرءان ويُطلقُ القول بمخـلوقية القرءان مع ذلك، فقد قال الشافعي رضي الله عنه لحفص بعدما ناظره: "لقد كفرت بالله الـعظيم" كـما سبق، فكـيف ينسب للشافـعي بعد هذا أنه لا يكفِّر مَن نفى قدرة الله أو علمه أو سمعه للمسموعات أو بصره للمُبْصَرات أو صفة الوحدانية أو صفة القِدَم أو نحو ذلك، وأنه يقول إن كان جاهلاً يعذر على وجه الإطلاق.
وقد ردّ ابن الجوزي قول ابن قتيبة (31): "قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفّرون بذلك"، فقال: "جحده صفة القدرة كـفر اتّفاقًا" اهـ، يعني ـ ابن قتيبة ـ بذلك قصة الرجل الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: "كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذّبني عذابًا ما عذّبَه أحدًا" (32)، حيث ظن ابن قتيبة أن هذا الرجل شك في قدرة الله عليه، قال ابن الجوزي: "جحده صفة القدرة كفر اتّفاقًا"، وانما معنى قوله: "لئن قدر الله عليّ" أي ضيَّق، فهي كقوله تعالى: {ومَن قُدِرَ عليهِ رِزقُهُ} (سورة الطلاق/7) أي ضيَّق، وأمَّا قوله: "لعلي أضلّ الله" كما في رواية لهذا الحديث فمعناه لعلي أفوته؛ ولعلّ هذا الرجل قال ذلك من شدّة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وانا ربّك، أو يكون قوله: "لئن قدّر عليّ" بتشديد الدال، أي قدّر عليَّ أن يعذبني ليعذبني.

