قال الحافظ ابن حجر (33): "واظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله". وتتمة الحديث المذكور: "فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له". والحديث اخرجه البخاري وغيره، واخرجه ابن حبان (34) بلفظ: "توفي رجل كان نباشاً فقال لولده: احرقني".اهـ.
وقال النووي(35): "اختلف العلماء فـي تأويل هذا الحديث فقالت طائفة: لا يصحّ حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله، فإنّ الشاكّ في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في ءاخر الحديث إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يُغفر له، قال هؤلاء: فيكون له تأويلان أحـدهما: أنّ معناه لئن قدر عليّ العذاب أي قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدّر بالتشديد بمعنى واحد، والثاني: ان قدر هنا بمعنى ضيق عليَّ قال الله تعالى: {فَقَدَرَ عليهِ رِزقَهُ} (سورة الفجر/16). وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: {فظنَّ أن لَّن نقدِرَ عليهِ} (سورة الأنبياء/87). وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقّظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والنَّاسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلتَه: أنت عبدي وأنا ربّك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو"اهـ. كلام النووي.

