الرد على محمد راتب النابلسي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

وبعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان» رواه أحمد. وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه: «ليس الحق يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق». وإذا كان التحذير ممن يغش الناس في طعامهم واجبا، فالتحذير ممن يغش الناس في دينهم ويجهد في نشر عقائد الضلال أولى وأحرى.

وإن ممن يجب الحذر منه ومن تصانيفه وتسجيلاته رجلا دمشقيا يعرف بمحمد راتب النابلسي، تتلمذ على يد عبد الهادي الباني تلميذ أمين شيخو المعتزليين، فتشرب منهم بدع الاعتزال، وراح يدعو إليها ببطر، ويستهزئ بعقيدة أهل السنة، ولم يكتف بذلك بل زاد على ضلالات المعتزلة ضلالات الوهابية، فخذل حتى جمع من المذاهب أرداها ومن الآراء أوهاها، والله حسيبه يوم الدين.

ولد محمد راتب النابلسي سنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف (1939 ر) وحصل على شهادة الماجستير في الآداب من جامعة ليون في فرنسا والدكتوراه في علم التربية من جامعة دبلن في إيرالندا. فهو لم يتلق علوم الدين من شيخ ثقة عدل سليم العقيدة والمنهج.

ومن ضلالاته إنكاره القدر بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل كقوله للطالب إذا لم ينجح: «الذي حصل منك ليس قضاء وقدرا كما تتوهم، بل هذا جزاء التقصير». فكذب بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لما عد أصول الإيمان: «وتؤمن بالقدر خيره وشره» رواه مسلم.

ووافق النابلسي المعتزلة في قولهم: إن الضمير في قول الله: {يضل الله من يشاء} راجع إلى العبد لا إلى الله وأن من شاء الضلالة يضله الله تبعا لشيخه الباني. وهذا يرده قول الله تعالى: {من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}.

وزعم النابلسي تبعا للمعتزلة أن الخير مراد لله وأما الشر فليس مرادا له. فخالف بذلك قول الله تعالى: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة}.

قال الإمام الباقلاني: «مسألة: ويجب أن يعلم أن الحوادث كلَّها تقع مرادة لله تعالى، وأنه لا يتصور أن يوجد في الدنيا والآخرة شيء لم يرده تعالى، من نفع وضر ورزق وأجل وطاعة ومعصية، إلى غير ذلك من سائر الموجودات».

ومن عجائبه أنه قال في قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون} في تسجيل مصور له: «وقد لا ينتبه بعضهم إلى أن الصالحين هنا لا تعني صلاحا دينيا إطلاقا، بل صلاح لإدارتها».

والتفسير الصحيح للآية ما ذكره الإمام المفسر ابن جرير الطبري حيث قال: «يعني بذلك: أن أرض الجنة يرثها عبادي العاملون بطاعته، المنتهون إلى أمره ونهيه من عباده» ونقله عن ابن عباس وغيره من أئمة السلف.

قال الشيخ عبد الله الغماري رحمه الله: «ومن بدع التفاسير أن بعض مؤيدي الاستعمار من المعاصرين حمَلَ {الأرض} على الدنيا وفسر الآية على معنى: أن الأرض أي الدنيا يرثها العباد الصالحون لعمارتها، وهم المستعمرون، وهذا إلحاد في القرءان وكذب على الله وخروج عن دينه» ثم قال: «ونحن نبرأ إلى الله من هذا التفسير ومن صاحبه».

وأما اتباعه لعقائد الوهابية المشبهة فإنه وافقهم في نسبة الجهة إلى الله، وقال: «إن الله عال على العرش بذاته»، وقال: «والعرش أعلى المخلوقات، والله جل جلاله فوق ذلك». وهو بهذا مخالف للقرآن والسنة والإجماع، بل ولعقيدة الشيخ عبد الغني النابلسي الذي يدعي الدكتور النابلسي أنه من ذريته، فالشيخ عبد الغني يقول:

معرفة الله عليك تفترض

وليس يحويه مكان لا ولا *** بأنه لا جوهر ولا عرض

تدركه العقول جل وعلا

ومما لحق النابلسي الوهابية به إنكاره للبدعة الحسنة، ودعواه أن المسلمين الذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين للتبرك مشركون!! فكفر بذلك عموم المسلمين وأئمتهم، فهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: «إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرا - فإذا عَرَضَت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى» كما رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.

ولم نستوف بما ذكرنا كل ضلالات هذا الرجل، وإنما اقتصرنا على بعضها ليعرف شذوذه عن عقيدة أهل الحق، وقد وضح الحق لذي عينين، وليس بعد الحق إلا الضلال، والآخرة أمام الجميع، وبالله العصمة والتوفيق.