حكم القدرية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره» رواه مسلم. فبين نبينا صلى الله عليه وسلم أن أصول الإيمان هي هذه الأمور الستة. فمن أنكر أيا منها فقد كفر. ويشهد لذلك قول الله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر}، فقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: {ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} ثم قال: «نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القدرية مجوس هذه الأمة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر» رواهما أبو داود وغيره. فيعلم مما سبق أن القدرية هم الذين أنكروا تقدير الله، وأن منكر القدر كافر. ويشهد لهذا المعنى أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية والمرجئة» رواه الترمذي وابن جرير الطبري وصححه. وعلى هذا درج الصحابة فنقل تكفير القدرية عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبى طالب وأبي بن كعب وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت والحسين بن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهم.

والتابعون من بعدهم على هذا فنقل تكفير القدرية عن عمر بن عبد العزيز وأبي سهيل نافع بن مالك عم الإمام مالك ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن بن محمد بن الحنفية ومحمد بن سيرين والحسن البصري وآخرين. وأتباع التابعين كذلك فنقل تكفير القدرية عن محمد الباقر وأبي حنيفة وأبي يوسف ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ومحمد بن الحسن والحارث المحاسبي ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن معين وعبد الله بن المبارك وغيرهم.

وهو أي تكفيرهم قول الإمام أبي الحسن الأشعري ففي مجرد مقالات الأشعري لابن فورك: «واعلم أن إحدى قواعد الأصول في التوحيد عنده – أي عند الأشعري – إثبات جملة الحوادث منتسبة إلى قدرةِ واحدٍ أحدثها من العدم إلى الوجود، وأن خلاف ذلك نوع من الإشراك بالله تعالى اهـ بل هو قول أئمة الأشاعرة كلهم كما نقل أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق إجماعهم عليه، وهو قول أبي منصور الماتريدي أيضا، فإنه قال في كتاب التوحيد له بعد أن قرر مذهبهم: «فهذا لتعلم أن مذهبهم عند التحصيل مذهب الزنادقة». بل قال الحافظ الزبيدي في إتحاف السادة المتقين: تنبيه: ثبت مما تقدم أن الإله هو الذي لا يمانعه شيء، وأن نسبة الأشياء إليه على السوية،

وبهذا يبطل اعتقاد المجوس وكل من أثبت مؤثرًا غير الله إذ دلالة التمانع تجري في الجميع ولذلك لم يتوقف علماء ما وراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان اهـ. ونقل شيخا الشافعية الرافعي في الشرح الكبير والنووي في الروضة تكفير الحنفية عموما لمن قال: «أنا أفعل بغير تقدير الله» وأقراه. وقال الإمام المقدم في معرفة المذهب الأشعري أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق: «من زعم أن العباد خالقون لأكسابهم فهو قدري مشرك بربه لدعواه أن العباد يخلقون مثل خلق الله من الأعراض التي هي الحركات والسكون والعلوم والإرادات والأقوال والأصوات».

وصرح بتكفير المعتزلة أيضا أبو حامد الإسفراييني وأبو إسحق الشيرازي والمتولي فقال في كتابه الغنية: «والمعتزلة أثبتوا الشركاء له حيث أثبتوا الخلق لأنفسهم». وعلى منوالهم جرى القاضي عبد الوهاب البغدادي والقاضي أبو بكر بن الباقلاني والقاضي أبو بكر بن العربي وشيث بن إبراهيم وابن المعلم القرشي وغيرهم.

وهو قول أئمة الصوفية كالجنيد رضى الله عنه، وقال أبو بكر الكلاباذي في التعرف: «قال بعض الكبراء: من لم يؤمن بالقدر فقد كفر». وقال صاحب الجنيد أبو بكر الواسطي: «ادعى فرعون الربوبية على الكشف وادعت المعتزلة على الستر تقول ما شئت فعلت». وروى السيد عز الدين الصياد رضى الله عنه في كتاب الوظائف الأحمدية له عن جده السيد السند الإمام أحمد الرفاعي رضى الله عنه بأن القدرية لا يحل نكاحهم وسماهم مشركين. وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضى الله عنه بعد ذكر عقيدة القدرية: «تبا لهم وهم مجوس هذه الأمة جعلوا لله شركاء ونسبوه إلى العجز وأن يجري في ملكه ما لا يدخل في قدرته وإرادته».

فالعجب مع كل ما تقدم من النقول كيف التبس الأمر على البعض فقالوا: إن المعتزلة لا يكفرون على القول الأصح، وربما قالوا على القول الراجح. وأي رجحان يثبت على خلاف الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين وإمامي الكلام وأئمة المذاهب المجتهدين وأرباب القلوب من صوفية الصدق.

يقول الله تعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}. وبالله العصمة والتوفيق.