حكم القدرية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" رواه مسلم. فبيّن نبينا صلى الله عليه وسلم أن أصول الإيمان هي هذه الأمور الستة، فمَن أنكر أيًّا منها فقد كفر، فالإيمان بالقدر وأن الله خالق لأفعال العباد من أصول عقائد أهل السنة والجماعة.

قال العلامة الهرري:"القدر هو تدبير الأشياء على وجه مطابق لعلم الله الأزلي ومشيئته الأزلية فيوجدها في الوقت الذي علم أنها تكون فيه، أي إيجاد الله الأشياء على حسب ما سبق في علمه الأزلي وإبرازها في الوجود على حسب مشيئته الأزلية يسمى قَدَرًا، ويقال بعبارة أخرى : القَدَر هو جعل كل شيء على ما هو عليه. وليعلم أن القدر يطلق ويراد به صفة الله أي التدبير ويُطلق ويراد به المقدور أي المخلوق، وهذا هو المقصود بحديث جبريل "وبالقدر خيره وشره" لأن المقدور هو الذي يوصف بالخير والشر".

فمذهب أهل الحق أن أعمال العبد كلها مخلوقة لله تعالى، فيجب الاعتقاد بأن العبد لا يخلق شيئًا من أعماله أي لا يحدثها من العدم بل يكسبها، فأفعاله مخلوقة لله بمشيئته وعلمه وتقديره، فلا يجري في ملك الله تعالى طرفة عين ولا فلتة خاطر ولا لفته ناظر إلا بقضاء الله وقدره وقدرته ومشيئته، لا فرق بين ما كان خيرًا أو شرًا، نفعًا أو ضرًا، حياة أو موتًا، غنى أو فقرًا، حلوًا أو مرًا، سرًا أو جهرًا، نصحًا أو مكرًا، إيمانًا أو كفرًا، فوزًا أو خسرانًا، غواية أو رشدًا، حركة أو سكونًا، قيامًا أو قعودًا، لأن الممكنات العقلية بما فيها من الأجسام والأعمال لا توجد إلا بفعل الصانع الحكيم، ولا يصح عقلاً أن يكون وجود قسم منها بفعل الله ووجود قسم آخر بفعل غيره، هذا مذهب أهل الحق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة مع إجماع الأمة.

وخالفت القدرية وهم فرق فمنهم مَن يقول: العبد خالق لجميع فعله الاختياري، ومنهم من يقول هو خالق الشر دون الخير، وكلا الفريقين كفار، يعتقدون أنّ الله أعطى العبد قدرةً فالعبدُ يخلق بهذه القدرة التي أعطاه الله وليس لله تصَرُّف في ذلك بعد أن أعطاه القدرة. وكلامهم هذا مخالف للقرءان الكريم والحديث الشريف وإجماع الأمة وأقوال الأئمة وصريح العقل.

مخالفة القدرية للقرءان:

لقد ردت القدرية النصوص القرءانية الصريحة ومن ذلك:

1- قال الله تعالى : ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ [فاطر / ٣]، أي لا خالق إلا الله.

2- قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام / ١٦٢] ذكر الله في هذه الآية الصلاة والنسك، وهما من الأفعال الاختيارية، وذكر المحيا والممات، وهما ليسا من الأفعال الاختيارية، فجعل كلًّا خلقًا له لا شريك له في ذلك، ومعنى الآية: قل يا محمد إن صلاتي ونسكي (ما يذبح تقربًا إلى الله) ومحياي ومماتي مخلوق لله لا شريك له في ذلك. فخالفت القدرية، فقالوا: إن العبد يخلق كل الأفعال الاختيارية.

3- قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ ﴾ [الأنعام / ۱۱۰] هذه الآية دلت على أن الله هو الخالق لأعمال القلوب وتقلب الأبصار.

4- قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال/ ۱۷] فنفى الله تعالى الرمي عن الرسول ﷺ وأثبته من جهتين، نفاه من جهة الخلق عنه، أي ما أنت خلقت ذلك الرمي يا محمد، وأثبته له من جهة الاكتساب، فقد اجتمع النفي والإثبات في الآية، لكن من جهتين وهذا مذهب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومن كان قبلهم من أهل السنة، أن العباد لا يخلقون أعمالهم، أي ليسوا مُبْرِزينَ لها من العدم إلى الوجود، وإنما الله هو الذي يُبرِزُها من العدم إلى الوجود، والعباد يكتسبونها فقط، أي يوجّهون إرادتهم إليها.

5- قال الله تعالى: ﴿قلْ أعوذُ بربِّ الفلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ [الفلق / 1 - ٢].

6- قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات / ٩٦].

7- قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تقْدِيرًا ﴾[الفرقان/ ٢].

والشيء هنا شامل لكل ما يدخل في الوجود من أجسام وحركات العباد وسكونهم، ما كان منها اختياريًا وما كان منها اضطراريًا، والأفعال الاختيارية أكثر بكثير من غير الاختيارية. فلو كان كل فعل اختياري من العباد بخلق العبد لكان ما يخلقه العبد من أعماله أكثر مما يخلقه الله من أعمال العباد، والشيء معناه في اللغة الموجود، وهذه الأعمال أعمال الإنسان الاختيارية موجودة.

إلى سائر ما ورد في كتاب الله عز وجل.

مخالفة القدرية للحديث الشريف:

لقد ردت القدرية النصوص الحديثية الصريحة، ومن ذلك:

1- قال النبي ﷺ:"أن تُؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره"، وهي أركان الإيمان الستة التي يعتقدها كل مسلم مؤمن.

2- قال النبي ﷺ:"كُلُّ شيءٍ بقدر حتى العَجْزُ والكَيْس". أي أن كل ما يحصل في هذا العالم يحصل بقدر الله، حتى العجز الذي هو هنا البلادة، والكيس الذي هو بمعنى الذكاء.

3- قال النبي ﷺ:"إنَّ الله صانع كل صانع وصنعتِهِ" أي عمله.

4- قال النبي ﷺ:"صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية". هذا الحديث النبوي الشريف الصحيح صريح في تكفير أهل القدر القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أعماله بإرادته وتقديره من دون الله، فهم بهذه المقالة جردوا أنفسهم من الإسلام وانسلخوا منه كما تنسلخ الحية من جلدها. ويؤخذ من هذا الحديث أن هذه العقيدة عقيدة كفر.

مخالفة القدرية لأئمة الإسلام:

هناك من لا يُحصى من الأئمة العلماء الذين صرحوا أن الله خالق كل شيء، مع التحذير من كلام القدرية وتكفيرهم في ذلك، ومنهم:

1- الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: "إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين، وأعمال الناس خلق من الله فعل للعباد، وإن القدر خيره وشره من الله عز وجل".

2- وقال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره".

3- وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي السلفي في رسالته المشهورة بالعقيدة الطحاوية : "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئتُه تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، ولا غالب لأمره، ءامنا بذلك كله وأيقنا أنّ كلاً من عنده".

مخالفة القدرية للعقل السليم:

لقد أهمل القدرية قيمة استدلال العقل السليم، إذ يلزم من قولهم أن يكون الله مغلوبًا مقهورًا، لأنه يكون العبد على ذلك خالقًا لهذه المعاصي على رغم إرادة الله، والله لا يكون إلا غالبًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف/ ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿فَعّالَ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج / ١٦] لا يمنع أحد نفاذ مشيئة الله سبحانه.

ولو كان العبد خالقا لفعله لكان شريكا لله في الخلق، وهو محال، فإن المسلمين بأجمعهم يقولون: لا خالق إلا الله، كما يقولون: لا إله إلا الله.

فالقدرية مشركون لأنهم أشركوا العبد مع الله وقد كفرهم الصحابة فنقل تكفير القدرية عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهم. والتابعون من بعدهم على هذا فنقل تكفير القدرية عن عمر بن عبد العزيز ونافع مولى ابن عمر والحسن بن محمد بن الحنفية ومحمد بن سيرين والحسن البصري وآخرين. وأتباع التابعين كذلك فنقل تكفير القدرية عن محمد الباقر وأبي حنيفة وأبي يوسف ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم.

ونقل شيخا الشافعية الرافعي في "الشرح الكبير" والنووي في "الروضة" تكفير الحنفية عمومًا لمن قال:"أنا أفعل بغير تقدير الله". وقال الإمام المقدم في معرفة المذهب الأشعري أبو منصور البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق":"من زعم أن العباد خالقون لأكسابهم فهو قدري مشرك بربه لدعواه أن العباد يخلقون مثل خلق الله من الأعراض التي هي الحركات والسكون والعلوم والإرادات والأقوال والأصوات".

جملة من القدرية:

1- المعتزلة

2- تقي الدين النبهاني (زعيم حزب التحرير)

3- أمين شيخو

4- عبد الهادي الباني

5- محمد راتب النابلسي