عقيدة النصارى

قالت النصارى: عيسى ابن الله لأنهم يعتقدون أنه لا أب له من البشر؛ لأن الله أرسل إلى مريم الملك جبريل عليه السلام فكان الحمل به عليه السلام، ثم إنها وضعته بعد ذلك في بيت لحم في فلسطين، وزعم صاحب إنجيل متى أن أمه ذهبت به من فلسطين إلى مصر خوفًا من هيرودس حاكم اليهودية، الذي عزم على قتل جميع الأطفال الذين ولدوا في ذلك العام؛ لأن منجمين مجوس أخبروه بولادة ملك اليهود.

وزعموا أنه بعد بلوغ المسيح عليه السلام الثلاثين من عمره ابتدأ دعوته بعد أن اعتمد من يحيى عليه السلام، فكان يعظ الناس في أماكن تجمعهم، وإذا رأى مرضى يشفيهم بِإِذْنِ اللهِ، ويتجول في سائر المدن اليهودية، وظهرت على يديه آيات كثيرة مثل تكثير الطعام، وشفاء المرضى، والمشي على الماء وغير ذلك، وفي هذه الفترة المبكرة من دعوته التحق به من يزعم النصارى أنهم حواريو المسيح، وتابعوه في رحلاته، ثم أرسل تلاميذه اثنين اثنين إلى القرى للدعوة، وشعر رؤساء اليهود بالخطر الذي سيحيق بهم من دعوة المسيح عليه السلام، ولذا فقد اتفقت كلمتهم على القضاء عليه.

وقالت النصارى: فلما كان في اليوم الأول من أيام عيد الفصح علم اليهود بمكانه في بيت المقدس، وذلك بوشاية من أحد أتباعه، وهو يهوذا الإسخريوطي، فجاءوا وألقوا القبض عليه، ففرَّ تلاميذه وتركوه، فأخذه اليهود إلى رئيس كهنتهم، وواجهوه بما يتهمونه به، إلا أنهم رأوا أن الشهود لا تتفق كلمتهم فيما شهدوا به عليه، وأخيراً سأله رئيس الكهنة وقال له: أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال عيسى: أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب السماء، فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه، وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود، قد سمعتم التجاديف، ما رأيكم؟ فحكم الجميع عليه أنه مستوجب للموت.

ثم حملوه إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي :Pontius Pilatus الذي قرره بما كان متهمًا به، وهو أنه ملك اليهود وهي التهمة التي أوعز اليهود إلى الوالي الروماني أن المسيح يدَّعيها لنفسه، إلا أن المسيح لم يجبه بشيء، فرأى بيلاطس أنه لا يستحق الموت، وهو الجزاء الذي كان يطالب اليهود بإيقاعه به، إلا أن بيلاطس بعد ذلك نزولًا عند رغبة اليهود حكم عليه بالموت على الصليب.

فقالوا: حمل يوم الجمعة صباحًا إلى موضع الصلب، حيث علِّق على الصليب في زعمهم في الساعة الثالثة صباحًا، وبقي على الصليب إلى الساعة التاسعة عصرًا، حيث مات بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني"، ثم أُنزِل عن الصليب وأدخل قبرًا بقي فيه تلك الليلة ونهار السبت وليلة الأحد، فلما جاءوا صباح الاثنين وجدوا القبر خاليًا، وقيل لهم: إنه قام من قبره، ثم إنه ظهر لتلاميذه بعد ذلك، وبيَّن لهم أنه حيٌّ وبقى معهم حسب كلام صاحب أعمال الرسل "أربعين يومًا" ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه.

وكانت مدة دعوة المسيح حسب الأناجيل الثلاثة الأولى لا تزيد عن سنة واحدة، إذ لم يذكروا خلال دعوة المسيح إلا عيدًا واحدًا، أما إنجيل يوحنا فذكر ثلاثة أعياد لليهود، لهذا يرى كثير من النصارى أن مدة دعوته كانت ثلاث سنوات، وكان أتباعه خلال هذه المدة والذين خَلَّفهم بعده ينحصرون في الاثني عشر حواريًّا، ومع الآخرين يبلغ مجموعهم مائة وعشرين فقط.

أما محور دعوة المسيح عليه السلام حسب الأناجيل فهو الدعوة إلى التوبة والإنابة إلى الله والتبشير بالملكوت القريب، وكان يضرب لهم الأمثال في ذلك، ولا يختلف في هذا عن الأنبياء من بني إسرائيل الذين سبقوه وجاءوا بعد موسى عليه السلام، إلا أنه زاد في النهي عن الفواحش والفساد بتأكيد تحريم الوسائل إليها، فمن ذلك قوله في إنجيل متى (٥/ ٢٧): (قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزن، وأما أنا فأقول لكم: إن من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه). وفي (٥/ ٣٣): (سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تحنث بل أوف للرب أقسامك وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة، بل ليكن كلامكم نعم نعم، لا لا)، ولكنهم زادوا وحرفوا، وادّعوا له الربوبية والعياذ بالله تعالى.

أما التشريع فلم يذكر عنه منه شىء سوى ما يتعلق بالحضّ على عدم الطلاق وعدم زواج المطلقة، يقول متى عنه في (٥/ ٣١): (وقيل: من طلَّق امرأته فليعطها كتاب طلاق، وأما أنا فأقول لكم: إن من طلَّق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني)، وفي إنجيل لوقا (١٦/ ١٨) يقول: (كل من يطلِّق امرأته ويتزوَّج بأخرى يزني، وكل من يتزوَّج بمطلقة من رجل يزني) والعياذ بالله تعالى.

تلاميذ المسيح عليه السلام بعد رفعه:

المصادر التاريخية لهذه الفترة بعد رفع المسيح عليه السلام نادرة جدًّا وقليلة، فلا يوجد بين يدي النصارى سوى سفر (أعمال الرسل) الذي ورد فيه جانب من أعمال حواريي المسيح وتلاميذه، ثم خُصص بقية الكتاب للحديث عن بولس، ويضاف إلى هذا السفر بعض الجمل الواردة في الرسائل الملحقة بالعهد الجديد التي تتحدث عن شيء من تاريخ تلاميذ المسيح، هذا كل ما لدى النصارى من كتب عن هذه الفترة.

ثم إن تلاميذ المسيح فيما يذكر النصارى بعد رفعه قاموا بالدعوة في جميع مدن اليهودية، وحسب سفر (أعمال الرسل) فقد أظهروا آيات وعجائب كثيرة قاموا بها، وخاصة شفاء المرضى، وبناءً على تلك الآيات أقبل الناس على سماع كلامهم والاستجابة لهم، إلا أن هذا لم يمنع كهنة اليهود ورؤساءهم من أن يتوعدوا التلاميذ ويهددوهم؛ ليتوقفوا عن الدعوة، إلا أن ذلك التهديد لم يوقف حماس التلاميذ ونشاطهم في الدعوة، وتتركز دعوة التلاميذ وتعاليمهم على وجوب التوبة، والإيمان بالمسيح عيسى عليه السلام، وهي الدعوة التي كان المسيح عليه السلام يدعو إليها كما سبق بيانه، ولم يكن في دعوتهم القول بألوهية المسيح ولا ببنوته لله، بل أعلن (بطرس) كبيرهم فيما يذكر النصارى أمام اليهود في أول خطبة له عامة: (إن يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضًا تعلمون).

بعد هذا ازداد حنق اليهود على التلاميذ، فقبضوا على أحدهم- ويسمَّى إستفانوس- ورجموه بالحجارة حتى قتلوه، وقتلوا بعده آخر يسمَّى يعقوب أخو يوحنا، ثم اضطهدوا بقية الأتباع، حتى تشتت كثير منهم في سائر أنحاء اليهودية والسامرة، وكان التلاميذ إلى ذلك الوقت مقتصرين في دعوتهم على أبناء جلدتهم من اليهود، إلا أنهم رأوا أن غير اليهود يقبلون أيضًا دعوتهم، وقد انضمَّ إليهم عدد من اليونانيين، فشجَّعهم هذا على تكثيف الدعوة بين الأجانب، فأرسلوا برنابا إلى أنطاكية ليدعو الأجانب، فصدَّق بدعوته أيضًا العديد من الناس، وكان قد انضم إلى التلاميذ بولس (شاؤول اليهودي) فكُلف هو وبرنابا بدعوة الوثنيين، فنجحا في دعوتهما نجاحًا كبيرًا،

وحدث من قبول الوثنيين اليونانيين وغيرهم للديانة النصرانية إشكال خطير، وهو أن بعض دعاتهم صاروا لا يُلزمون من تنصَّر من الوثنيين بالتمسك بتعاليم الشرائع ، وعلى رأس هؤلاء بولس، وأما الدعاة الآخرون فكانوا يرون وجوب العمل بتعاليم الشريعة، ومن ضمنها الختان، فحدث خلاف بينهم، اجتمعوا على إثره في مجمع في بيت المقدس، فقرروا عدم مطالبة الوثنيين بالالتزام بالشريعة، ويكتفى من ذلك بالامتناع عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا هكذا ذكروا، وينتهي بعد هذا خبر التلاميذ، ولا يعلم على التحديد ما حدث منهم ولا ما حدث عليهم، وإنما يمكن تتبع بولس في دعوته، وأنه نشط نشاطًا قويًّا في دعوته، فزار مدنًا عديدة في آسيا، ثم كان خاتمة مطافه في روما، وهذا آخر ما ذكره صاحب سفر الأعمال.

فإن الحديث عن العصور المتقدمة من هذه الفترة يلفه الغموض الشديد، ويكاد يكون الجهل بتلك الفترة جهلًا مطبقًا، وهي فترة من أكثر فترات التاريخ النصراني غموضًا وأشدها صعوبة وخطورة؛ إذ أفرزت هذه الفترة- وخاصة اللاحقة مباشرة لعصر التلاميذ- بروز الأناجيل المحرفة الكثيرة التي ظهرت في وقت متقارب من تلك الفترة، وهي متضاربة تضاربًا شديدًا، كذلك برزت الأقوال المنحرفة الكثيرة عن المسيح وديانته، وهي أيضاً أقوال متضاربة متباينة.

ظهور المذاهب والأقوال المختلفة في المسيح وديانته:

والناظر في تاريخ تلك الفترة يجد أنها أفرزت إفرازات عجيبة جدًّا في الديانة النصرانية، حيث ظهرت المذاهب والأقوال المختلفة والمتباينة في المسيح وديانته، ومن المعلوم أن النصارى في تلك الفترة لم تكن لهم دولة، ولم يقم لهم تجمع بحيث يمكن أن يقال عنهم: إنهم أمة مجتمعة، بل كانوا أول الأمر يعيشون بين اليهود ثم بين الوثنيين، وهذا جعلهم في حالة من البلاء والعذاب شديدة، فحين كانوا بين بني جنسهم اليهود كانوا يضيقون عليهم؛ لأن اليهود اعتبروهم خارجين عن شريعتهم، وفي نفس الوقت يضيق الرومان الوثنيون على الجميع، فكانوا لا يعرفون فرقًا بين اليهودي والنصراني، لهذا فقد كان لثورات اليهود على الرومان أثرًا على النصارى، وبعد القضاء على اليهود، وطرد من بقي منهم خارج فلسطين واجه النصارى الذين كانوا بين الوثنيين تضييقًا شبه متواصل من قبل حكام الرومان الوثنيين استمر قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تولَّى الإمبراطور قسطنطين عرش روما، فأوقف التضييق بمرسوم ميلان سنة (٣١٣).

بدأ النصارى منذ ذلك التاريخ يظهرون، وبدأت ديانتهم تنتشر انتشارًا فعليًّا على حساب الوثنية التي كانت تدين بها كثير من الشعوب في ذلك الوقت، إلا أن النصرانية نفسها في هذه الفترة المتأخرة قد وصلت إلى الوثنيين، وقد أثرت في كثير من دعاتها السنون العجاف المتطاولة التي مرَّت بهم، فانحرفوا عن دين المسيح عليه السلام، وجعلوه ديناً وثنيًّا يقوم على تأليه ثلاثة آلهة في ثلاثة أقانيم يزعمون أنها إله واحد، ويعتمدون في شرح الديانة وتفصيل العقيدة على الفلسفة، وخاصة الأفلاطونية الحديثة والرواقية، وكان من يسمون بالمدافعين عن النصرانية في تلك العهود جلهم قد درس الفلسفة الوثنية، وربما كان تابعًا لها فترة طويلة ثم تحوَّل إلى النصرانية بفلسفته وسابق تصوراته، فهذا كله جعل الوثني لا يجد فرقًا كبيرًا بين ما كان يعتقد وما يدعو إليه النصارى.

وكان لتنصر أباطرة الرومان- وأولهم قسطنطين- أكبر الأثر في انتشار النصرانية في الدولة الرومانية المترامية الأطراف فإن كثيرًا من الناس يكونون على دين ملوكهم-، إلا أن تنصر الأباطرة قد جعل النصارى يواجهون مشكلة كبرى، وهي وصاية الأباطرة على الديانة وتعاليمها، حيث صارت بعد ذلك في يد الأباطرة الرومان الذين يسيِّرون العقائد النصرانية وفق أهوائهم، فيَنصرون من المذاهب ما يتفق مع أهوائهم، فإذا كان هناك أحد يدعو إلى تعاليم لا يميلون إليها فإنهم يطلبون من النصارى عقد مجمع، ويطردون ويلعنون من لا يرغبون.

يؤكد لنا هذا التسلط ويوضحه أن الذي دعا إلى مجمع نيقية سنة (٣٢٥) م هو الإمبراطور قسطنطين، وكان حاضرًا في ذلك المجمع، وقرَّر فيه أُلوهية المسيح، وطرد آريوس وجماعته، ثم صدق بعده بعشر سنوات على قرارات مجمع صور التي فيها إعادة آريوس إلى الكنيسة، وطرد إثناسيوس الذي كان وراء إقرار ألوهية المسيح عليه السلام كما سيق ذكره.

ثم دعا كل من الإمبراطور الغربي قسطنطين الثاني والإمبراطور الشرقي قسطنديوس إلى مجمع في مدينة سارديكا سنة (٣٤٣) م بغرض توحيد النصارى، لكن النصارى لم يتفقوا، وخرجوا أشد اختلافًا وتفرقًا، ثم بعد مقتل الإمبراطور قسطنطين الثاني دعا الإمبراطور قسطنديوس إلى مجمع ميلانو سنة (٣٥٥) م وطلب من الأساقفة إصدار حكم بخلع إثناسيوس، ووقعت الأغلبية على ما أراد، ثم دعا ذلك الإمبراطور أيضًا إلى مجمعين في نفس الوقت مجمع في تركيا ومجمع في إيطاليا سنة (٣٥٩) م وأمر الذين يشرفون على مجمع إيطاليا بإرغام المجتمعين على التوقيع على قرار المجمع الذي يوافق بعض مذهب الآريوسيين الذين يسمون (الأريوسيين المعتدلين)، كما استخدم القوة العسكرية من أجل إرغام المجتمعين في تركيا على التوقيع،

ثم جاء الإمبراطور ثيودوسيوس- وكانت ميوله ضد الآريوسية- فدعا إلى مجمع القسطنطينة سنة (٣٨١) م، وقرر المجمع العودة إلى قانون الإيمان النيقوي، وزادوا عليه: ألوهية الروح القدس، واعتبار الآريوسية ضد القانون الروماني، وهو المذهب الذي عليه الغالبية العظمى من النصارى إلى الآن.