مخالفات ابن تيمية لعقيدة المسلمين 2
ومن مخالفات ابن تيمية التي شذ بها عن عقيدة الإسلام:
المقالة السابعة: قوله بفناء النار وانتهاء عذاب الكفار فيها
ادعى ابن تيمية أن النار تفنى، وأنه لا بد أن يأتي على أهل النار يوم يخرجون فيه من النار. وقد ذكرَ في كتابه منهاج السنة النبوية أن المسلمين اتفقوا على بقاء الجنةِ والنارِ وأن جَهمَ بن صفوانَ خالفَ في ذلك فقال بفنائهِما فكفَّرهُ المسلمونَ وذكر نحوه في الفتاوى؛ فحكمُه حكُم جهمٍ فكلاهُما كافرٌ. ونقل هذه المقالة عنه تلميذه ابن القيم في كتاب حادي الأرواح وغيره. وهذا تكذيب صريح لآيات القرآن كآية: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ وكقول الله تعالى في سورتي النساء والتوبة ﴿خالدين فيها أبدا﴾ ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الموت يذبح في الآخرة ثم ينادي مناد: «يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت». وللتقي السبكي رسالة الاعتبار ببقاء الجنة والنار في الردّ عليه.
المقالة الثامنة: قوله بنفي التأويل عن السلف
زعم ابن تيمية أن السلف ما كانوا يؤولون النصوص المتشابهة وأنهم كانوا يحملونها على ظواهرها. ذكر ذلك في مجموع الفتاوى وغيره. وعدم التأويل هو قول المشبهة في زمن السلف كالكرامية، وأما علماء السلف فكانوا يؤولون المتشابهات فكل نص، ءاية أو حديث، ظاهره يوهم إثبات الحد لله، والتنقل من جهة إلى جهة، والنزول والصعود بالحركة والسكون، ونحو ذلك من معاني الأجسام فلا يُحمَل على الظاهر، بل يوفّقُ بينه وبين الآيات المحكمة، كقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾، فهي أصرح آية في القرءان في تنزيه الله تعالى التنزيهَ الكليَّ وتفسيرها أن الله لا يشبهه شيء بأي وجه من الوجوه، فالآيات المتشابهات ترد إلى المحكمات بالتأويل الإِجمالي أو التأويل التفصيلي، لأن النصوص يستحيل أن يكون بينها تناقض، وحمل تلك النصوص على الظاهر يوجبُ تناقضًا وذلك باطل بلا خلاف، فما أدى إلى الباطل باطل.
والتأوِيْل الإجْماليّ هو بالإيمانِ بها واعتِقَادِ أنها لا تقتضي صفاتِ الجسمِ بل أنَّ لَها مَعْنًى يَليقُ بجَلالِ الله وعظَمَتِه بلا تعْيِينٍ، وهو مسلك أكثر السلف. ومثاله قولُ الإمامِ الشَّافعيِّ رضيَ الله عنه: "ءامنْتُ بما جَاءَ عن الله على مُرادِ الله وبما جَاءَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على مُرادِ رَسُولِ الله" يعني رضي الله عنه لا علَى ما قد تذهَبُ إليه الأوْهَامُ والظُّنُونُ من الـمَعاني الحِسّيَّةِ الجِسْمِيَّةِ التي لا تَجُوزُ في حَقّ الله تعالى.
وأما التأويل التفصيلي فبتَعْيِينِ مَعَانٍ لَهَا مِمّا يناسب سياق الآيات وتَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ وَلا يَحْمِلُونَها علَى ظَوَاهِرِها، وهو مسلك أكثر الخلف، وقد ثبت بعض السلف سلوكه على قلة كقول الإمام أحمد في آية: ﴿وجاء ربك﴾ إنما جاءت قدرته، وقول البخاري في آية: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ إلا ملكه.
المقالة التاسعة: قوله بالجلوس في حق الله تعالى
صرح ابن تيمية بأن الله تعالى فوق العرش بذاته، ونسب الجلوس لله تعالى، ولفظة الجلوس لم يرد إطلاقها على الله لا في القرءان ولا الحديث إنما هي من بدع المشبهة الكفرية ولحقهم عليها ابن تيمية، وقد ذكر هذه المقالة في كتابه مجموع الفتاوى وعبارته فيه: "فقد حدّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقربون أن محمدًا رسول الله يجلسه ربه على العرش معه "اهـ، وكذا ذكرها في بيان تلبيس الجهمية. وذكر المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي في كتابه النهر الماد أنه قرأ في كتاب لابن تيمية بخطه سماه كتاب العرش:
إن الله يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكانا يقعد معه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلينظر العقلاء إلى تخبُّط ابن تيمية حيث يقول مرة إنه جالس على العرش مع أنه ثبت عنه أنه قال: إن الله يملأ العرش لا يفضل منه شيء، ومرة إنه جالس على الكرسي، وقد ثبت في الحديث أن الكرسي بالنسبة للعرش كحَلْقة في أرض فلاة فكيف ساغ ذلك في عقله. وقد جاء في القرءان التنزيهُ الكلي عن مشابهة العالم ومماثلته بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فإن الله نزّه فيها نفسه عن مشابهة غيره.
المقالة العاشرة: قوله بتحريم التوسل بالأنبياء والصالحين والتبرك بهم وبآثارهم
ادعى ابن تيمية أن التوسل بالأنبياء والصالحين شرك وتضييع للتوحيد إن كانَ في حال غيابِ المتوسَّل به أو بعد وفاتِهِ، فعندهُ لا يجوزُ التّوسلُ إلا بالحيّ الحاضِرِ. ذكر ذلك في كتابه المسمى التوسل والوسيلة. ودعواه باطلة فإن الشرك عبادة غير الله، والعبادة غاية التذلل، وليس في التوسل بالصالحين معنى العبادة. وقد صح حديث الأعمى الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التوسل به عليه الصلاة والسلام في غيبته، وقد فهم الصحابة من ذلك الإذن بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فقد أخرج الطَّبرانيُّ في مُعْجَمَيهِ الكَبِيرِ والصَّغيرِ عَن عُثمانَ بنِ حُنَيفٍ أنَّ رَجُلًا كانَ يَخْتلِفُ – أي يتَردَّدُ – إلى عثمانَ بنِ عَفّانَ،
فكَانَ عُثْمانُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ولا يَنْظُرُ في حَاجَتِه – أي لكثرة انشغاله – فَلقِي عُثْمانَ بنَ حُنَيْفٍ فشَكَا إلَيْهِ ذلكَ، فقَالَ: ائتِ المِيْضأَةَ فَتَوضَّأ ثُمّ صَلّ رَكْعتينِ ثمَّ قُلْ: اللّهُمَّ إنّي أسْألُكَ وأتَوَجَّهُ إلَيكَ بنَبِيّنا محمّدٍ نَبيّ الرَّحْمةِ، يَا مُحَمَّدُ إنِي أتَوجَّهُ بكَ إلى رَبي في حَاجَتِي لتُقْضَى لي، ثمَّ رُحْ حتَّى أرُوْحَ مَعَكَ. فانْطلَق الرجلُ ففَعلَ ما قَالَ، ثُمّ أتَى بَابَ عُثْمانَ فَجاءَ البَوَّابُ فأخَذَ بِيَدِه فأَدْخلَهُ على عُثْمانَ بنِ عَفّانَ فأجْلس علَى طِنْفِسَتِه – أي سَجّادته – فَقالَ:
مَا حَاجَتُكَ؟ فذَكَرَ لَهُ حَاجَتَهُ، فقَضى لَهُ حاجَتَهُ وقَالَ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حتّى كانَت هذِه السَّاعَةُ، ثُمّ خَرجَ مِنْ عِنْده فلَقِيَ عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ فَقالَ: جَزاكَ الله خَيْرًا، مَا كانَ يَنْظُر في حَاجَتي ولا يَلْتَفِتُ إلَيَّ حَتَّى كلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقالَ عُثْمانُ بنُ حُنَيفٍ: والله ما كَلّمْتُهُ ولكِنْ شَهِدْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقَدْ أتاهُ ضَرِيرٌ فشَكَا إلَيهِ ذَهَابَ بَصَرِه، فَقالَ: إن شِئْتَ صَبَرْتَ وإنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لكَ، قالَ:
يَا رَسُولَ الله إنّه شَقَّ عَليَّ ذَهابُ بَصَري وإنَّهُ لَيْسَ لي قَائِدٌ فقال له: ائتِ المِيْضَأةَ فتَوضَّأ وصَلّ ركعتينِ ثمّ قلْ هؤلاءِ الكَلماتِ، ففَعلَ الرجُلُ ما قَال، فوَالله مَا تَفَرَّقْنا ولا طالَ بِنا المجْلِسُ حَتّى دخَلَ علَيْنا الرّجُلُ وقَد أبْصَرَ كأنَّهُ لَم يكنْ بهِ ضُرٌّ قَطُّ قالَ الطَّبرَانِيُّ: "والحَدِيْثُ صَحِيْحٌ"، والطَّبرَانيُّ مِنْ عَادَتِهِ أنَّهُ لا يُصَحّحُ حَديثًا، معَ اتّسَاع كِتابِه المعجَمِ الكَبيرِ ما قالَ عن حدِيثٍ أوْردَهُ في المعجم الكبير ولا الصغير ولو كَانَ صَحِيحًا:
الحَدِيثُ صَحِيحٌ، إلا عن هَذَا الحَدِيْثِ. فما أبعد ابنَ تيمية وأتباعه عن الحَقّ حيثُ إنهم وَضَعوا شروطًا لصِحَّةِ الاستغاثَةِ والاستعانة بغيرِ الله ليست في كتابِ الله ولا في سنّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكلُّ شرطٍ ليسَ في كتابِ الله فهو باطِلٌ وإن كانَ مائَة شرطٍ.
هذا والعجبُ من ابن تيمية ثَبَتَ عنه أمرانِ متناقضانِ وهو أن القولَ المشهورَ عنه المذكور في أكثرِ كتبِهِ تحريم الاستغاثَةِ بغيرِ الحيّ الحاضِرِ وهو أمرٌ انفرد به ابن تيمية من بين المسلمين لم يسبقه أحدٌ إليه، وصرَّحَ في كتابِهِ الكلم الطَّيب باستحسانِ أن يقولَ من أصابَهُ خَدَرٌ في رجلِهِ "يا محمدُ"، وكتابُهُ هذا الكلم الطيب ثابِتٌ أنه من تأليفِهِ فما أثبَتَهُ في هذا الكتابِ هو موافِقٌ لِعَمَلِ المسلمينَ السلفِ والخلفِ. فنقول لأتباع ابن تيمية، أيّ قوليه ستتبعون؟ أتتبعون قوله بالمنع من التوسل وأنه شرك المشهور عنه، أم تتبعونه فيما ذكره في الكلم الطيب. إن اتبعتموه في الأول تكونون بذلك قد اعتبرتموه داعيا إلى الشرك في كتابه الكلم الطيب مستحسنا له، وإن ابتعتموه في الثاني أبطلتم مذهبكم الفاسد. فيا فضيحتكم.
المقالة الحادية عشرة: قوله إن إنشاء السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم معصية لا تقصر فيها الصلاة.
تُسنّ زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإجماع أي إجماع أئمة الاجتهاد الأربعة وغيرهم للمقيم بالمدينة ولأهل الآفاق القاصِدين بسفرهم زيارة قبره الشريف. وهي من القُرَبِ العظيمة. وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال «لَيَهْبِطَنَّ عيسى ابنُ مريمَ حَكَمًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حاجًّا أو مُعْتَمِرًا وَلَيَأتِيَنَّ قبري حتى يسلِّمَ عليَّ ولأَرُدَّنَّ عليه» صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي ورواه أبو داود الطَّيالسي بلفظ «وَلَيَسْلُكَنَّ فَجَّ الرَّوْحاء».
وافترى ابن تيمية على الدين فزعم أن مَن سافر من بلده إلى المدينة المنورة بقصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد أنشأ سفرا محرما، فلا يجوز له قصر الصلاة في هذا السفر، فخصَّ مشروعيّة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم لغير القاصد بالسَّفر وحرَّم السفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم. ذكر ذلك في مجموع الفتاوى وغيره. واحتج لدعواه هذه بحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا". وليس له في هذا الحديث حجة لأنَّ هذا الحديث مخصوص بالمساجد أي لا مَزيَّة في السفر إلى مسجد للصلاة فيه إلا في السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة، لأن تلك المضاعفة إلى مائة ألفٍ – أي في المسجد الحرام – وإلى ألفٍ – أي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم – وإلى خمسِمائةٍ – أي في المسجد الأقصى حرره الله – خاصةٌ بها،
فمن سافر للصلاة في أحدها حصل على المضاعفة التي لا تحصل في مسجد بلده. فلا مزيّة في السفر إلى مسجدٍ غيرِها كما يؤخذ ذلك من رواية الإِمام أحمد في مسنده من طريق شَهْرِ بن حَوْشَبٍ أنه قال: ذكرتُ عند أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه الصلاةَ في الطُور فقال أبو سعيد إِنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا ينبغي للمَطِيِّ أن تُعْمَلَ إلى مسجد تُبْتَغَى فيه الصلاةُ غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي» فرواية أحمد مفسره له وهي موضحة أن معنى الحديث أنه لا فضيلة زائدة في السفر لأجل الصلاة في مسجد إلا السفر إلى هذه المساجد الثلاثة لأن الصلاة تضاعف فيها، وخيرُ ما يُفسَّرُ به الحديثُ هو الحديثُ قال الحافظ العراقي في ألفيّته
* وخيرُ ما فسَّرتَهُ بالوارِدِ *
المقالة الثانية عشرة: قوله بإلغاء الطلاق المحلوف به مع الحنث وجعله كالحلف بالله في إيجاب الكفارة.
زعم ابن تيمية أن الرجل إذا علق طلاق امرأته على فعل ففعلته فإنه لا يقع الطلاق. وزعم أن طلاق الثلاث بلفظ واحد فعلٌ محرم وأنه لا يقع به إلا طلاق واحد. ذكر ذلك في مجموع الفتاوى. وقوله هذا خلاف ما قاله الإمام أحمد رضي الله عنه، بل هو خلاف الإجماع الذي نقله عدة منهم الحافظ أبو بكر بن المنذر، فلا فرق في الطلاق بين أن يكون مُنَجَّزًا وبين أن يكون معلّقًا على شيء فإذا قال الرجل لزوجته: "أنتِ طالقٌ إنْ دخلْتِ دار فلان" أو "إنْ فعلتِ كذا"، فدخَلَتْ أو فَعَلتْ ذلك الشيء وقع الطلاق، وإن كان قال: "إن دخلتِ دار فلان فأنتِ طالق بالثلاث" فدخلت كان ثلاثًا فتحرم عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. ولا يجوز إلغاء هذا الطلاق.
وابن تيمية هو الذي قال فيه ابن حجر الهيتمي في كتابه الفتاوى الحديثية: "وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلـهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله" اهـ. وقال في حاشية الإيضاح: "ولا يُغتر بإنكار ابن تيمية لسنّ زيارته صلى الله عليه وسلم فإنه عبد أضلَّه الله كما قال العز بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بعجيب فإنه وقع في حق الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا، فنسب إليه العظائم كقوله: إن لله تعالى جهة ويدًا ورجلاً وعينًا – بمعنى العضو والجارحة – وغير ذلك من القبائح الشنيعة". والله تعالى أعلم.