مجامع النصارى
يعرفها النصارى بأنها: هيئات شورية في الكنيسة تبحث في الأمور المتعلقة بالديانة النصرانية وأحوال الكنائس. والمجامع النصرانية نوعان:
_مجامع محلية: وهي التي تبحث في الشؤون المحلية للكنائس التي تنعقد فيها.
_ومجامع عالمية : تبحث في العقيدة النصرانية ومواجهة بعض الأقوال التي يرى غرابتها ومخالفتها للديانة.
وأول المجامع على ما يذكر سِفر أعمال الرسل كان مجمع أورشليم الذي عقد أيام الحواريين.
أهم المجامع العالمية لديهم:
1-مجمع نيقية كان سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين ميلادية، وكان هذا المجمع أول المجامع العالمية وأخطرها أيضاً. سبب انعقاده:
سبب انعقاد هذا المجمع هو التعارض والاختلاف العقدي الموجود في الكنيسة في تلك الأزمان، وذلك أنه ما إن قُرِّر إعطاء النصارى الحرية من قبل الرومان بمرسوم ميلان(1)، حتى ظهر علنًا ذلك الخلاف العقائدي الكبير بين طوائف النصارى وكانوا يخفونه.
وكان أبرز وجوه الاختلاف: ذلك الخلاف والتعارض بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي كانت تنادى بألوهية المسيح على مذهب بولس، وبين دعوة الأسقف الليبي "آريوس" الذي أخذ ينادي بأن الله إله واحد غير مولود أزلي، أما الابن فهو ليس أزليا وغير مولود من الأب وأن هذا الابن خرج من العدم مثل كل الخلائق حسب مشيئة الله وكان في الإسكندرية أيضًا، وناصَرَهُ على ذلك العديد من الأساقفة.
وكان الإمبراطور "قسطنطين" في ذلك الوقت قد أبدى تعاطفًا تجاه النصارى والتفت إلى النظر في شؤونهم، فهالَه ما رأى من انقسام النصارى، وأدرك خطورة تلك الانقسامات على دولته، وكان بين أسقف كنيسة الإسكندرية وآريوس وأتباعه أشد الخلاف.
وكان الخلاف قد تطور بينهما، فهذا ما جعل الإمبراطور "قسطنطين" يدعو إلى مجمع عام في نيقية سنة ٣٢٥م لبحث هذه القضية.
واختلف كلام النصارى في ذكر عدد المجتمعين، فالبعض يرى أن عدد المجتمعين كان ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا فقط، ويذكر مارى سليمان في كتاب "المجدل" وكذلك ابن البطريق أن عددهم كان ألفين وثمان وأربعين أسقفًا.
أما مذاهب الحاضرين فكانت متباينة تباينًا شديدًا، فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله وهم البربرانية، ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها وهي مقالة سابليوس، ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب، ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن الابن من مريم، ويرون أن الله جوهر قديم واحد وأقنوم واحد ولا يؤمنون بالكلمة ولا بالروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية، ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما. وهي مقالة مرقيون وأصحابه، ومنهم من كان يقول: بألوهية المسيح، وهي مقالة بولس ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا.
وبعد أن تداول المجتمعون الآراء في ذلك المجمع، خرجوا بتقرير ألوهية المسيح عليه السلام وأنه ابن الله في زعمهم، أي من ذات الله وأنه مساوٍ لله جل وعلا، وأنه مولود منه غير مخلوق تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وكذلك قرروا أن هذا الإله تجسد بصورة البشر لخلاص الناس، ثم ارتفع إلى السماء بعد قيامته من الموت، ولعنوا "آريوس" وأنصاره وأحرقوا كتبه.
وهكذا اعتُمد في أول الأمر القائلون بألوهية المسيح بمساندة وتأييد الإمبراطور، حيث ينص بعض المؤرخين على ترأسه لذلك المجمع، ومما يدل على أن المجتمعين في نيقية لم يقبلوا ذلك القول بألوهية المسيح ولم يكن عند القائلين به حجة مقنعة أنهم كما يذكر القِسّ "حنا الخضري" بعد ذكر الغَلَبة التي حققها مناصرو مقولة بولس قال: "ولكن للأسف الشديد كانت الحقيقة الواقعة تختلف الاختلاف كله عن القرارات السنودسية والمجمعية، فقد رجع الأساقفة بعد مجمع نيقية إلى أبرشياتهم والقسوس إلى كنائسهم وبدأ كل منهم يعلم ما كان يعلِّم به قبلا"اهـ.
ولما كان قرار نيقية بألوهية المسيح فرض بقوة السلطان، فإن السلطان وهو الإمبراطور رجع فيما بعد عنه وأمر بعقد مجمع سنة ٣٣٤م وقرر فيه إعادة "آريوس" إلى الكنيسة، وخلع "أثنا سيوس" أسقف الإسكندرية أحد أكبر المدافعين عن عقيدة ألوهية المسيح، كما أن الإمبراطور نفسه قد عُمِّد وهو على فراش الموت على مذهب "آريوس" حيث عمده الأسقف "أوسابيوس النيقوميدي" أكبر أنصار آريوس.
وبهذا يتبين أن هذا المجمع الذي يعد من أخطر المجامع كان ألعوبة بيد الإمبراطور، كما أن المجتمعين لم يكونوا يعتمدون على نصوص متفق عليها مقبولة لدى الجميع وإلا لَتَمَّ الإذعان لمدلولها، وإنما كانوا يعتمدون على تصوراتهم أو تصورات أمثالهم من الناس فلهذا وقع الإعراض عنها بعد عودتهم إلى كنائسهم.
2_مجمع القسطنطينية:
دعا الإمبراطور "ثيودسيوس" سنة ٣٨١م إلى عقد مجمع القسطنطينية لمواجهة دعوات كانت منتشرة بين الكنائس، منها دعوة "مقدونيوس" الذي كان أسقفًا للقسطنطينية وقد نادى بأن الروح القدس مخلوق وليس إلهًا، ومنها دعوة "صابيليوس" الذي كان ينكر وجود ثلاثة أقانيم، ومنها دعوة "أبوليناريوس" الذي كان أسقفًا على اللاذقية والشام وقد أنكر وجود نفس بشرية في المسيح.
فحضر ذلك المجمع مائة وخمسون أسقفا، قرروا فيه ألوهية روح القدس ولعن وطرد من خالف ذلك فاكتمل بذلك ثالوث النصارى، كما هو ظاهر فإن هذا المجمع عقد بدعوة من الإمبراطور "ثيودسيوس" الذي كان قد سن القوانين والتشريعات الموافقة لقول القائلين بألوهية المسيح والمثلثين من النصارى.
3_مجمع أفسس:
انعقد هذا المجمع سنة ٤٣١م لمواجهة قول " نسطور" أسقف القسطنطينية الذي قيل عنه إنه كان يقول: بأن المسيح له طبيعتان إلهية وإنسانية بشرية، وأن مريم والدة الإنسان وليست والدة الإله، فعقد المجمع في أفسس سنة ٤٣١م بحضور مائة وستين أسقفًا وقرروا فيه أن المسيح إله وإنسان ذو طبيعية واحدة وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم، وحكم على "نسطور" بالطرد من الكنيسة.
وبعد مجمع أفسس عُقدت مجامع عديدة كلها تبحث في طبيعة المسيح عليه السلام، منها:
4_مجمع خلقيدونيه:
في هذا المجمع عادوا للبحث في طبيعة المسيح وقرر المجتمعون: أن المسيح له طبيعتان إلهية وبشرية بلا اختلاط ولا تحول ولا انقسام ولا انفصال، وكان المناصرون لهذا القول هم الأساقفة الغربيون الذين لعنوا وطردوا من لا يقول بهذا القول، ولم توافقهم الكنائس الشرقية على هذا وقد أصروا على قرارهم السابق في مجمع "أفسس" بأن المسيح له طبيعة واحدة إلهية وبشرية، وهذا من أهم الفوارق بين الكاثوليك القائلين بالطبيعتين، والأقباط والأرمن والسريان القائلين بالطبيعة الواحدة.
5_المجمع الخامس:
انعقد سنة ٧٥٤م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الخامس، وذلك للنظر في موضوع الصور والتماثيل وما يقدم لها من التقديس والعبادة، وخرج بقرار يلعن به كل من يصور المسيح أو أمه أو آباء الكنيسة باعتبار أنها وثنية، ثم أمر الإمبراطور أن يمحى ويدمر كل ما في الكنائس من صور وتماثيل، كما حمل على الرهبان فأغلق الأديرة وصادر أموالها، وأرغم الرهبان على أن يتزوجوا الراهبات.
6_المجمع السادس:
وبعد وفاة الإمبراطور قسطنطين الخامس سنة ٧٧٥م تولى على الإمبراطورية زوجته إيريني التي كانت تؤيد الصور والتماثيل، فدعت إلى مجمع عام سنة ٧٨٧م في نيقية فحضره ٣٥٠ أسقفًا، خرجوا بقرار وجوب تعليق الصور والتماثيل للمسيح وأمه وقديسيهم وكذلك الملائكة، ويعمل لهم السجود، ويستشفع بهم إلى الله في الحاجات، ولعن المجمع كل من لا يكرم تلك الصور والتماثيل، واستمر النصارى على هذا إلى أن جاء البروتستانت فحملوا على الصور والتماثيل وحرموها وانشقوا بذلك عن بقية النصارى من الكاثوليك والأرثوذكس.
7_المجمع السابع سنة ٨٦٩ م:
وكان سبب انعقاده الخلاف بين كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما في الروح القدس، هل انبثق من الأب فقط وهو زعم كنيسة القسطنطينية أم من الأب والابن معًا كما هو زعم كنيسة روما؟ وقد قرر في هذا المجمع قول كنيسة روما بأن المسيح انبثق من الأب والابن معًا.
8_المجمع الثامن:
ولم يوافق على ذلك بطريرك القسطنطينية ومن كان معه، بل أصروا على قولهم وعقدوا لذلك مجمعًا سنة ٨٧٩م قرروا فيه أن الروح القدس انبثق من الأب وحده، فانقسمت بسببه الكنيسة إلى قسمين:
١) الكنيسة الغريبة ويتزعمها البابا في روما وهم الكاثوليك.
٢) الكنيسة الشرقية ويتزعمها بطريرك القسطنطينية وهم الأرثوذكس.
9_المجمع التاسع سنة ١٢١٥م:
وقد تقرر فيه أن العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم المسيح، وأن الكنيسة البابوية الكاثوليكية تملك حق الغفران وتمنحه لمن تشاء.
10 _مجمع روما عام ١٧٦٩م:
تقرر فيه عصمه البابا في روما.
فيتلخص مما مضى:
أن النصارى لا يملكون أدلة صحيحة صريحة في أكثر دعاويهم، لهذا اختلفوا تلك الاختلافات الجسيمة التي تمس جميع نواحي العقيدة لديهم، وأن ما يستند إليه النصارى لا يعدو أن يكون فهمًا خاصًّا يسعى أصحابه لتثبيته عن طريق تلك المجامع، ولا يخلو الأمر من الأهواء والأغراض الخاصة من حب الرئاسة والسيطرة، وأن المجامع لم تكن يومًا من الأيام هيئات شورية يتباحث القساوسة فيها الآراء ويتوصلون فيها إلى الحق بأدلته، بل كانت في الأغلب تعقد لترويج رأي أو تصور عن طريق تلك المجامع وبقوة السلطان أو قوة الكنيسة.
وزد على ذلك أن تلك المجامع كانت أداة بيد الأباطرة الرومان، يسخرونها لرغباتهم في التوسع والسيطرة أو تحقيق أغراض سياسية، وأن تلك المجامع كانت من أعظم أسباب الفرقة في العالم النصراني، بحيث إنهم لم يخرجوا في واحد منها متفقين، بل كلما اجتمعوا في مجمع من تلك المجامع يزداد اختلافهم وانقسامهم، وأن المجامع صاغت العقيدة وقررتها بعد خلاف طويل وهذا يدل على أن العقيدة النصرانية في الإله وفي المسيح وفي نقاط عديدة ليس لأدلتها ما يجعلها مسلَّمات وقطعية الدلالة.
وهنا يأتي السؤال ماذا كان يفعل عيسى بزعم النصارى؟ فإنه إذا لم يكن أوضح تلك القضايا وأبان عنها البيان الكامل الذي لا يفتح مجالًا للاختلاف فيها وخاصة أنها من أصول الديانة وأهم العقائد، فما هي مهمته إذا على زعمكم؟ هل جاء ليلقي كلامًا مبهمًا لا يعرف معناه يحار الناس فيه قرونًا؟ أم أنه تكلم بكلام واضح وجلي إلا أنَّ الناس حرَّفوا كلامه بعد ذلك وحملوه على غير مَحامِلِه ونسبوا إليه ما لم يقل؟.
ثم إن المجامع قررت قرارات ولعنت وحرمت من لم يقل بها، وقررت أن سبيل النجاة هو اعتقاد تلك الأقوال، وهنا سؤال: ما هو على زعم النصارى حال حواريّ المسيح وأوائل النصارى الذين لم يكونوا يعتقدون تلك العقيدة ولم يتكلموا فيها بكلمة، كالتثليث، وطبيعة المسيح وانبثاق الروح القدس من الأب أو الأب والابن معًا إلى غير ذلك؟
فتبين بهذا أن المجامع النصرانية هي المصدر الحقيقي للديانة النصرانية المحرفة، لأن تلك الفهوم التي كانت تقرر وتصدر وفقها القرارات لم تكن تعتمد على نصوص قطعية واضحة، وأحيانًا كانت لا تعتمد على أي نصوص موجودة لديهم وهو الأكثر، بل يكون تركيبًا ذهنيًا وهميًّا، أو تصورًا خاطئًا بني على تصور خاطئ، كما في قراراتهم المتعلقة بألوهية روح القدس، وطبيعة المسيح، وتقديس الصور والتماثيل، وعصمة البابا ونحو ذلك.
ويصدق عليهم فيما يدعونه من عقيدة ويشرعونه للناس أنهم جعلوا أنفسهم أربابًا من دون الله يحلون ويحرمون فينطبق عليهم قول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}.
(1) مرسوم ميلان أصدره الأمبراطور قسطنطين والأمبراطور ليسينيوس سنة ٣١٣م ويقضي بإعطاء النصارى الحرية في الديانة وإرجاع أملاكهم المغتصبة وإقرار حرية الأديان عموماً. انظر نص المرسوم في كتاب (تاريخ أوروبا للعصور الوسطى) ص ٥٠، تأليف د. الباز العريني.