بسم الله الرحمن الرحيم

الله خالق الأسباب والمسبَّبات

قال أهل السنة والجماعة، لا تلازُمَ عقليَّ بين الأسباب ومسبَّباتها من حيث الذات، إنّما هي أسباب يخلق الله تعالى عندها المسبّبات، فيخلق عزّ وجلّ الشبع عند الأكل، والرِّيَّ عند الشُّرب، وقد لا يخلق ذلك عند وجود السبَّب.

ومعجزة سيّدنا إبراهيم تدلّ على ذلك، إذ لـمّا أراد قومُه أن ينتقموا منه عندما كسّر أصنامهم وحطّمها وأهانها وكان قد غلبهم بالحجة القويّة والبرهان الساطع أرادوا مع ملِكِهم أن ينتقموا منه فيحرقوه في نار عظيمة، قال الله تعالى مخبرًا عن قولهم: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ في الجحِيم) [الصافات: 97]، فشَرَعُوا يجمعون الحطب، بل قيل إنّ المرأة منهم كانت إذا مَرِضَت لئن عوفيت لتحمِلَنَّ حطبًا لحريق إبراهيم!، فعمدوا إلى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا النار فيها فتأجّجَتْ والتهبَتْ وعلا لها شررٌ عظيم لم يُرَ مثلُه، وكانوا لا يستطيعون لقوّة لهَبِها أن يتقدّموا منها، ولذا صنعوا المنجنيق ليرموه من مكان بعيد، فقيّدوه عليه السّلام وألقَوْه منه إلى وسط النار، فقال: "حسبُنا الله ونعم الوكيل" رواه البخاري عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.

فلمّا ألقي إبراهيم في تلك النار لم تُحرِقْه ولم تصبه بأذًى ولا ثيابَهُ، لأنّ النار لا تحرق بذاتها وطبعها وإنما الله يخلق الإحراق فيها، قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء: 69]، فلم تحرقه، وِثاقه الذي وثقوا وربطوا به إبراهيم عليه السلام.

ولـمّا خبا سعيرُ هذه النار العظيمة وانقشع دخانُها وجدوا سيدنا إبراهيم سليمًا معافًى لم يصبه أيُّ أذى فتعجّبوا لأمر نجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزة الباهرة ظلُّوا على كفرهم وعنادهم ولم يؤمنوا به عليه السلام. لقد أرادوا أن ينتصروا لكفرهم فخذلهم الله، يقول الله تبارك وتعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِين) [الأنبياء: 70]، فهذا الترابط بين الأسباب والمسبَّبات أمرٌ أجرى الله به العادة، أي أن يخلق الله المسبَّبَ عند وجود السّبَب، وإلا فإنّه يتخلّفُ وجود المسبَّب عند وجود سبَبِهِ كما حصل في قصة معجزة سيدنا إبراهيم عليه السلام، فقد خَلَقَ الله السّبب وهو النار ولم يخلق فيها المسبَّبَ وهو الإحراق. فكلاهما، أي السبب والمسبَّبُ يستند في وجوده وحصوله ووقوعه إلى إيجاد الله له، ولو كانت الأسباب تخلق المسبَّبات لوجب حصول المسبَّب عند كلّ سبب، والواقع خلاف ذلك.

وكذلك لـمّا هاجر سيّدنا إبراهيم من بلاد قومه إلى حيث يتمكّن من عبادة الله عزّ وجلّ سأل ربَّه أن يهبه ولدًا صالحًا فبشّره الله بغلام مبارك هو إسماعيل عليه السلام فوُلِدَ له على رأس ست وثمانين سنة (رب هب لي من الصالحين 100 فبشرناه بغلام حليم) [الصافات: 101]، ومعنى (فلما بلغ معه السعي) [الصافات: 102]، أنّه شَبَّ وصار يسعى في مصالحه الدنيويّة والأخرويّة كأبيه إبراهيم عليهما الصّلاة والسّلام.

ثم رأى إبراهيم في منامه رؤيا، أنّ الله تعالى يأمره بذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فسارع لتنفيذ أمر الله تعالى دون تردّد فقال لولده: انطلِقْ فنقرّب قربانًا إلى الله عزّ وجلّ، فأخذ سكينًا وحَبْلًا وانطلق مع ولده إسماعيل حتى إذا ذهبا بين الجبال قال له إسماعيل: يا أبت أين قربانك؟ فأخبره سيدنا إبراهيم بأمر الله له (إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) [الصافات: 102]، فبادر إسماعيل أباه (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [الصافات:

102]، وأراد إسماعيل أن يخفّف عن أبيه فطلب منه أن يجعل له وثاقًا وأن يُحكِمَ رباطه كي لا يضطرب، وقال: اكفف عني ثيابي حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرِعْ مَرَّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ، فإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السّلام منّي، فأقبل عليه إبراهيم برأفةٍ وحنان الآباء يقبّله ويبكي ويقول له: نعم العون أنت لي يا بنيَّ على أمر الله، قال تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين) [الصافات: 103]، أي فلما استسلما لأمر الله وألقاه على وجهه إرادة ذبحه، أمَرَّ إبراهيمُ السّكين على رقبة إسماعيل فلم تَحْكِ شيئًا ولم تقطع لأنّ الله تعالى لم يشأ لها أن تقطع، لأنّ السّكين لا يقطع بطبعه وبذاته، وإنما خالق القطع هو الله تعالى وحدَهُ،

والسّكين سبب للقطع، فالله خالقٌ للسبب والـمُسبَّب فالأسباب لا تخلق شيئًا، ونُودِيَ سيّدُنا إبراهيمُ (ونَادينَاهُ أن يا إبراهِيمُ 104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيَا إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الـمُحسنينَ 105 إنَّ هذا لَـهُوَ البَلاء المبين 106 وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات: 107]، فأرسل الله لإبراهيم فداءً لإسماعيل وهو كبش أبيض عظيم أقرَنُ، فذبحه إبراهيم بمنى فداءَ ابنِهِ إسماعيل عليه السلام، ولـمّا أراد إبراهيمُ ذَبْحَ إسماعيل تنفيذًا لأمر الله ظهر له إبليس ثلاث مرات عند موضع الجمرات الثلاث ليثنيه عن طاعة الله، فرماه سيدنا إبراهيم عند هذه المواضع بالحصى إهانةً له، فأمّة محمد صلى الله عليه وسلم أمِرُوا بهذا الرمي إحياءً لسنة نبيّ الله إبراهيم، وليس معنى الرجم أنّ الشيطان يسكن هناك. وفي ذلك رَمْز لمخالفة الشيطان وإهانته وعدم اتباعِهِ. فهذه الحادثة تدلّ أيضًا على أنّ الله خالق الأسباب ومسبّباتها.

يقول الشاعر يعقوب بن صابر الـمَنْجَنيقيّ (الخفيف): (ت626هـ

1 – أيها الـمُدَّعِي الفَخارَ دعِ الفَخا *** رَ لذي الكبرياءِ والجَبَروتِ

يقول: أيها المفتخر بنفسه اترك الفخار أي الفضل والكبرياء لله عزّ وجلّ، فالله هو الذي يفضّل بعض خلقه على بعضٍ، ويجعل في بعض خلقه فضائل ليست في بعضها الآخر.

2 – نَسْجُ داودَ لم يُفِدْ ليلة الغا *** رِ وكان الفَخارُ للعنكبوتِ

أي ليلة كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار حماهما الله بنَسْجِ العنكبوت لا بنسج داود، فكان الفضل لنسج العنكبوت. ونسج داود دروع الحديد التي كان يصنعها، فقد ألان الله له الحديد فكان يصنع دروع الحديد بيديه.

3 – وبقاء السَّمَنْدِ في لهب النّا *** رِ مُزيلٌ فضيلة الياقوتِ

أي عدم احتراق السمند في لَهب النار يدلّ على أنّ له ميزةً ليست للياقوت لأنه من لحم ودم والياقوتُ من حجر. والسمند يقال له أيضًا السّمندل حيوان نادر الوجود، كان يوجد منه في بلاد الهند والصين. فِراؤُه والمناديل المتّخذة من جلده إذا اتّسخَتْ تطرح في النار فتأكل وسخَهُ الذي عليها ولا تحترق المناديل. ونقل ابن خلِّكان عن بعض مشايخه أنه قُدِّمَ للملك الظاهر بن الملك الناصر صلاح الدين صاحب حلب قطعة سمندل فصاروا يغمسونها في الزيت ويوقدونها حتى يفنى الزيت. فالنار لا تخلق الإحراق ولا تؤثر بطبعها في الإحراق بدون مشيئة الله، وهذا يدل على أنّ الأسباب لا تخلق مسبَّباتها.

وروى الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أنّ سيدنا خالد بن الوليد ضَرَبَ عسكرُهُ في أرضٍ قرب الحِيرة، فتحصَّنَ منه أهل الحِيرة في القصر الأبيض وقصر ابن بُقَيْلَةَ فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى نفدَتْ، ثم رمَوْه بالخزف من آنيتهم، فقال ضرار بن الأزور لخالد بن الوليد: ما لهم مكيدة أعظمُ ممّا ترى، فبعَثَ إليهم خالد: ابعثوا إليَّ رجلًا من عقلائكم أسائله ويخبرني عنكم، فبعثوا إليه رجلًا اسمه عبد المسيح بن عمرو، فسأله خالد: ما بال هذه الحصون؟ فقال: بنيناها لنحبس السفيه حتى ينهاه الحليم، وكان معه سُمُّ ساعة يقلّبه في يده، فقال خالد:

ما هذا معك؟ قال: سُمّ، قال: وما تصنع به؟ قال: أتيتُك، فإن رأيتُ عندك ما يسرّني وأهلَ بلدي حمدتُ الله، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم بلاءً فآكله وأستريح، فقال خالد: هاته، فوضعه في يد خالد، فقال خالد: بسم الله وبالله ربّ الأرض وربّ السّماء الذي لا يضرُّ مع اسمه داءٌ، ثم أكله فتَجَلّتْهُ عَشْيَةٌ(1) فضرب بذقنه على صدره ثم عرق وأفاق.... فلم يَضُرُّه وهابوه وانقادوا له فالسّمّ لا يؤثر بطبعه الموت لمتناولِهِ، بل الله هو الذي يخلق المسبَّب والسَّبَبَ.

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكلّ داءٍ دواءٌ، فإذا أصاب دواءٌ داءً" وفي رواية "فإذا أصيبَ دواءٌ الداءِ بَرَأ بإذن الله" فقوله صلى الله عليه وسلم "بَرَأ بإذن الله" معناه بمشيئتِهِ وتيسيرِهِ، وإنّما قُيدَ الشفاءُ بذلك لئلا يُتوَهَّمَ أنّ الدواء مستقلٌّ في الشفاء. فهذا الحديث دليل على أنّ الأسباب من أدويةٍ وغيرها لا توجبُ في طبعها بذاتها حصول المسبَّب أي الشفاء، وشاهد الواقع يشهد بذلك، فكثير من الناس يتداوَوْن بدواء واحد وأمراضهم متعدّدة فيتعافى في بعضٌ دون بعضٍ، فالأدوية وجودُها وتأثيرها بتقدير الله عزّ وجلّ، فالله خَلَقَ أسبابًا ومسبَّباتٍ، وجَعَلَ الأسبابَ يترتَّبُ عليها مسبَّباتُها على حسب مشيئته عزّ وجلّ.

وروى الحاكم في تاريخ نيسابور قصّة امرأة اسمها رحمة بنت إبراهيم، كانت في مدينة هزارَسْبَ إحدى مدائن خوارزم، وكان لها زوج نجّار فقير يأتيه رزقه يومًا فيومًا، وقد ولدَتْ له عدّةُ أولاد، وكان ملِك كافرٌ يقال له الأقطع كان كافرًا عاتِيًا شديد العداوةِ للمسلمين فأكثر على أهل خوارزم بالسّبي والقتل والغارات، وكان وُلاة خرسان يتألّفونه ليحفظوا دماء المسلمين فيبعثون إليه وإلى أمثاله بالأموال والثياب، ولعلّه استقَلَّ ما أُرسِلَ إليه فأقبَلَ في جنوده وعاث وأفسَدَ وقتل ومَثَّلَ بالمسلمين وعجزت عنه خيول خوارزم.

ففي ناحية خوارزم نهر جَيْحُون وكان إذا اشتد البرد في الشتاء جَمَد فينطبق ولا يُوصَل منه إلى شيء حتى يُحفَرَ فيه كما تُحفَرُ الآبار في الصّخور، ويصل كثَفُ الجَمَدِ إلى عشرة أشبار، فيصير الجَمَدُ جسرًا لأهل البلد تسير عليه العساكر والعَجَلُ والقوافل فينظُم ما بين الشاطئين، وربما دام الجمد مائة وعشرين يومًا. فعَبَر الكافر بجيشه الواديَ عند جموده في زُهاءِ ثلاثة آلاف فارس حتى وصل إلى باب الحِصْن وقد تحصَّن المسلمون داخله، فصَبَّحُوا المسلمين وأضرُّوا بهم فحُصِرَ بسبب ذلك أهل الناحية وأرادوا الخروج فمنعهم الحاكم دون أن تتوافى عساكر السلطان وتتلاحق المتطوّعة، لكن تحمَّسَتْ طائفة من الشبّان وتقاربوا من السُّورِ نحو العدوّ لقتاله،

فحَمَلُوا على الكفرة فتظاهر الكفرة بالخوف واستَجَرُّوهم إلى خارج الأبنية والحيطان فلمّا صاروا في البريّة كَرَّ عليهم الكفار فاتّخذ هؤلاء الشّبان دارةً يحاربون من ورائها وانقطع ما بينهم وبين الحِصْن وبَعُدَت المعونة عنهم فحاربوا أشدَّ حربٍ، وثبتوا حتى تقطّعت الأوتار والقِسِيّ، وأدركهم التعب ومسّهم الجوع والعطش وقُتِلَ معظمهم وأصيب الباقون بالجراحات، ولـمّا دَخَل عليهم الليل تحاجز الفريقان. وكانت قد رُفِعَت النار على الأماكن المرتفعة ساعة عبور الكافر الوادي، فوصل الخبر إلى الجُرجانية وهي مدينة عظيمة في أطراف خوارزم، وكان فيها القائد ميكالُ مولى طاهرٍ فأسرع بعسكرٍ نحوَ هزارَسْبَ في يوم وليلةٍ، وكان قد غدا جيشُ الكفار للفراغ من أمر أولئك الشّبان حتى ظهرت لهم الأعلام السُّور وسمعوا أصوات الطبول فتولَّوا هاربين مُفرحين عن القوم، فحضر ميكالُ موضع المعركة ووارى القتلى وحمل الجرحى، وأدخِلَ إلى الحصن عشيّة ذلك اليوم زُهاء أربعمائة جنازة، فلم تبق دار إلى حُمِلَ إليها قتيل أو جريح، وعمّت المصيبة وارتَجَّت الناحية بالبكاء.

قالت رحمة: ووُضِعَ زوجي بين يديّ قتيلًا فأدركني من الجزع والهَلَع عليه ما يُدرِك المرأة الشابة على زوجها أبي الأولاد، وكانت لنا عيال، فاجتمع النساء من قرابتي والجيرانُ يُسعِدْنني على البكاء، وجاء الصّبيان وهم أطفال لا يعقلون من الأمر شيئًا، يطلبون الخبز وليس عندي ما أعطيهم فضِقْتُ صدرًا بأمري، ثم إنّي سمعت أذان المغرب ففزعتُ إلى الصلاة فصلّيتُ ما قضى لي ربّي ثم سجدتُ أدعوا وأتضرّع إلى الله تعالى وأسله الصّبر وأن يجبُرَ يُتْمَ صِبياني، فذهب بي النوم وأنا في سجودي، فرأيتُ في منامي كأنّي في أرضٍ خشناء ذات حجارة وأنا أطلب زوجي، فناداني رجل:

إلى أين أيتها الحرّة؟ قلتُ: أطلب زوجي، فقال: خذي ذات اليمين، فأخذتُ ذات اليمين فرُفِعَ لي(2) أرض سهلة طيّبة الرّي ظاهرة العشب. وإذا قصور وأبنية لا أحفَظُ أن أصِفَها ولم أر مِثْلَها، وإذا أنهار تجري على وجه الأرض بغير أخاديد(3). فانتهيتُ إلى قوم جلوسٍ حَلَقًا حَلَقًا، عليهم ثياب خُضْر قد علاهم النّور، فإذا هم الذين قُتِلوا في المعركة يأكلون على موائد بين أيديهم، فجعلتُ أتخلَّلُهم وأتصفّحُ وجوهَهم أبغي زوجي لكي يَنظُرني، فناداني: يا رحمةُ يا رحمةُ فيمّمتُ الصّوت فإذا به في مِثل حال من رأيتُ من الشهداء، وجهُه مثلُ القمر ليلة البدر وهو يأكل مع رُفقةٍ له قُتِلُوا يومئذٍ معه، فقال لأصحابه:

إنّ هذه البائسة جائعة منذُ اليوم أفتأذنون لي أن أناوِلَها شيئًا تأكلُه؟ فأذِنُوا له، فناولني كِسْرَة خُبزٍ. قالت: وأنا أعلم حينئذٍ أنّه خبز ولكن لا أدري كيف يُخبز، هو أشدّ بياضًا من الثلج واللبن، وأحلى من العسل والسُّكر، وأليَنُ من الزُّبْد والسَّمْن، فأكلتُه فلمّا استقرّ في جوفي قال: اذهبي كفاكِ الله مَؤُونةَ الطعام والشّراب ما حَييتِ في الدّنيا، فانبتهتُ من نومي شَبْعَى رَيَّا لا أحتاج إلى طعام ولا شراب وما ذقتُهما منذ ذلك اليوم إلى يومي هذا، ولا شيئًا يأكله الناس.

فكانت لا تتغذّى بشيء ولا تشرب شيئًا، ولا يخرج منها أذًى منذ ذلك الزمان، وانقطع حيضها فانقطاع الطعام، وكانت تنام أطيبَ ذِكْرٍ حضَرَها شخص ينتسب للطريقة القادرية وآخر للطريقة التيجانية وكان فارغَ العِلم، يتبجّح بطريقته وفي دعواه ما يخالف الشريعة، فاغتاظ القادريّ فقال: يا جماعة امتحنوننا، ومن المعروف في تلك النواحي أنّ الامتحان يكون بإيقاد نار عظيمة ثم يدخل الممتحَنُ تلك النار، فأوقدوها فدخل القادري وأخذ ينادي التيجانيَّ ليدخلها فلم يجرؤ وخرج من القرية.


(1) ظهرت عليه.

(2) أي رأيت.

(3) ليست فيها وهاد عميقة.