بسم الله الرحمن الرحيم
عذاب جهنّم
لقد أعدّ الله سبحانه وتعالى للكافرين ولمن شاء من العصاة المؤمنين جهنّم لتكون لهم عذابًا في الآخرة على ما أجرموا في حياتهم الدنيا، على أن العصاة المؤمنين الذين يدخلونها لا يخلدون فيها. وقد أنذر الله عباده عذاب جهنّم، وأمرهم باتقائها بالابتعاد عن مسبِّبَات دخولها من سيّئ القول والعمل والاعتقاد.
فجهنّم يعاني فيها أهلها من الشقاء والحسرة والعناء، يلفَحُ وجوههم لهيبُها، ويقطّع أمعاءهم ماؤها المغليّ، وعذابُها دائم مقيم، إن أتت على الوجوه نزعت جلدها وأزالت حُسْنها، لا يذوق أهلُها إلا المذلّة والهوان، والخِزْي والندامة.
يقول عزَّ من قائل: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمرًا، حَتَّى إذَا جَاءُوها فُتِحَتْ أَبْوَابُـهَا وَقَالَ لَـهُم خَزَنَتُها أَلَـمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا، قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرين) [الزمر: 71]. يساق الذين كفروا إلى جهنّم زُمرًا أي جماعاتٍ أفواجًا حتى إذا جاءوا جهنّم فتِحتْ أبوابها السبعة بعد أن كانت مغلقة لزيادة حرّها، ونُشِرت صحف الأعمال بعد أن كانت مطويّة، وقال لهم خزنتها توبيخًا وتقريعًا لهم: ألم يأتكم رسُل من أقوامهم ومعهم الحجج الدالّة على صدقهم، يتلون عليكم ما أنزل الله عليهم فيجيبون بلى خاسرين، فيكون قد حقّت أي وجبَتْ كلمة العذاب وهي قوله تعالى: (لأملأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: 13.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سَمِعَ(1) وَجْبةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تَدْرون ما هذا؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجرٌ رُمِيَ به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار، الآن حتى انتهى إلى قعرها" رواه مسلم في صحيحه، ففي هذا الحديث بيان أنّ الله أسمَعَ رسوله صلى الله عليه وسلم ومّن حضر معه من أصحابه وَجْبة أي سقطة حجر في النار، فبيّن لهم النبي مقدار عمق جهنّم وأنه مسيرة سبعين سنةً في النزول.
وقبل أن يدخل الكفار جهنم ليهْوُوا فيها سبعين سنة وهم مُعذَّبُون يَرَوْنَ سيئاتهم مكتوبةً في صحائف أعمالهم فيزدادون كَدَرًا وضيقًا، وأما المسلم العاصي الذي أراد الله أن يعذّبه ببعض ذنوبه فيرى هذه الذنوب التي لم تُغفر له في كتابه، أما التي غُفرت له فلا يراها لأنه محيت عنه، والذي لم يشأ الله أن يعذبه من المسلمين العصاة فهذا لا يرى شيئًا من مساوئه لأنه غُفِر له ذلك.
أما سَعَة جهنّم فلا يعلم مداها إلا الله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُؤتَى بجهنّم يومئذٍ لها سبعون ألف زِمامٍ، مع كلّ زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرّونها" رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود، فيومئذٍ يوم القيامة وقتَ الندامة والحسرة والملامة، يوم يقوم الناس للحساب يؤتى من جهنّم له سبعون ألف زِمام، والزِمام ما يُربط ويُشدُّ به مع كلّ زمام سبعون ألف ملكٍ "يجرونها" يسحبونها ترهيبًا للكفرة، ثم تتوالى بقية أهوال يوم القيامة من نصب الموازين والعبور على الصراط فوق النار...
ولون جهنم أسود، وأهلها سُود الوجوه، سود الأبدان، يحترقون باستمرار حتى يصيروا كالظلام الحالك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُوقِدَ على النّار ألف سنةٍ حتى حمرّتْ، ثم أوقِد عليها ألفَ سنةٍ حتى ابيضّتْ، ثم أُوقِدَ عليها ألف سنةٍ حتى اسودّتْ فهي سوداءُ مظلمة" رواه الترمذي في سننه.
وأمّا شجرة الزَّقوم فقد جعلها الله طعامًا لأهل الجحيم، رائحتها قبيحة ومنظرها قبيح، قال تعالى: (إن شجرة الزقوم 43 طعام الأثيم 44 كالمهل يغلي في البطون 45 كغلي الحميم) [الدخان: 46]. فهي طعام الأثيم، والأثيمُ ذو الإثم، والمراد من إثمُه الكفر بالله عزّ وجلّ. وهذا الطعام يغلي كالـمُهْلِ أي كالزيت المغليّ في بطون الآثمين، يغلي كغَلْي الماء المحموم الذي تناهت شدة حرّه، قال بعض المشركين: محمد يزعم أن النار تنبت فيها الشجر والنارُ تحرق الشجر، فأخبر الله أنها لا تشبه النّخل ولا طَلْعُها كطَلْع النَّخْل، بل هي شجرة تنبت في أصل الجحيم فقال تبارك وتعالى: (إِنَّهَا شَجَرةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحِيم 64 طَلْعُهَا كَأنَّهُ رُؤوس الشَّيَاطِين) [الصافات: 65] وهذا تقبيح لمنظرها!
وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنَّ قَطْرةً من الزَّقُّومِ قُطِرَتْ في دار الدّنيا لأفسدَتْ على أهل الدنيا معايِشَهُم، فكيف بمن يكون طعامه؟!" رواه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح. أي لو أنّ قطرةً من ماء هذه الشجرة التي هي شجرة خبيثة مُرَّة كريهة الطّعم والرائحة، التي يُكرَهُ أهل النار على تناولها، لو أنّ قطرةً منها نزلت في دار الدنيا لأفسدت لمرارتها وعفونتها وحرارتها على أهل الأرض معايشَهُم وجعلتهم في أشد الضّيق والنكد.
ولهم شرابان: يُسقَوْن من غِسْلين وهو صدأ الأجساد وقيحُها، هو ما يسيل من جلود أهل النار من القذر، إذ كلّما نضجت جلودهم تبدّل بجلود غيرها فيها رطوبة فتحترق وقد سال منها شيء كثير من المستقذر فيكون شرابً لأهل جهنّم، ملائكةُ العذاب يَسْقُونهم منه. ويَسقُونهم الماء الحميم تناهى في الغليان، الذي بلغ الغاية في شدّة الحرّ،
وأما طعامهم فمن ضريع، وهي شجرة كثيرة الشوك، ولا يُطعَمُونها من أجل الجوع بل من أجل العذاب قال تعالى: (ليسَ لَـهُم طَعامٌ إِلا مِن ضَريعٍ 6 لا يُسمِنُ ولا يُغْني من جُوع) [الغاشية: 6، 7]، وهذا العذاب إلى أبد الآبدين، فليس لهم أمَدٌ تنتهي إليه حياتُهم، يدوم عذابُها ويلازم أصحابها، وقد وصَفَ الله عذابها بقوله عزّ من قائل: (إن عذابها كان غرامًا) [الفرقان: 65]، فمن يدخُلها من الكافرين لا يموت فيها، بل يبأس ولا ينعَمُ أبدًا. والغرامُ اللازم الذي لا يفارق صاحبه أبدًا.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض مِنْ شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردتُ منك أهونَ من هذا، وأنت في صُلب آدم، أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلاّ أن تشرك بي" رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية عن أنس أيضًا أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك مِلْءُ الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلْتَ ما هو أيسر من ذلك".
والمعنى: لو فُرِضَ الآن أن تملك ما في الأرض من شيء، ومن زائدة للاستغراق أي جميع ما فيها، وطُلِبَ منك أن تفتدي به وتخلّص نفسك من النّار أكنت تفتدي به؟ ومعنى "وأنت في صُلب آدم" يوم أخذ الميثاق على ذرية آدم، ألا يشركوا بالله شيئًا، ومعنى "أردتُ منك" أمرتُك بالتوحيد فلم تفعل، وليس معناه أن الله شاء لهذا العبد الإيمان وأنّ هذا العبد خالف فِعلُه مشيئة الله فلم يؤمن كما تقول القدريّة.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بأنعَمِ أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغُ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدمَ هل رأيت خيرًا قطُّ؟ مَرَّ بك نعيمٌ قطُّ؟ فيقول: لا والله يا ربّ. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغُ صبغةً في الجنة فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤسًا قطّ؟ هل مَرَّ بك شدّةٌ قطُّ؟ فيقول: لا والله يا ربّ ما مَرَّ بي بؤس قطُّ ولا رأي شدّةً قطّ" رواه مسلم في صحيحه.
فقوله صلى الله عليه وسلم "بأنعَمِ أهل الدنيا" يعني أشدَّهم نعيمًا في الدنيا في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، فيُصبغُ في النار صبغةً أي يُغمَسُ فيها غمسة واحدةً، ويُسأل عمّا إذا رأى نعيمًا في دنيا قبلُ، فيجيب: لا والله يا ربّ، يقول لغلبة العذاب عليه حتى يَذْهَلَ عمّا مضى له في الدنيا من النعيم فيقول ذلك. وإلا فالآخرة لا يقع الكذب فيها من أحد فهو ينسى كلّ هذا النعيم الذي مَرَّ به لشدّة ما رآه من العذاب، أو أنّه يعُدُّ جميع ما ذاقه من النعيم في جنب ما أصابه من العذاب كالعدم، فصيَّرَهُ في حكم المعدوم فقال ذلك.
وقوله صلى الله عليه وسلم "بأشدّ الناس بؤسًا" يعني شدّةً، ويُصبغُ في الجنة صبغةُ أي تظهر عليه آثار نعيم الجنة، سُمِّيَ ذلك صبغةً لظهور الأثر عليه كظهور أثر المصبوغ، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهمّ لا عيش إلا عيشُ الآخرة" رواه أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك معناه العيشة الهنيّة الراضية الباقية هي عيش الآخرة. أمّا الدنيا فإنّه مهما طاب عيشها فمآلها للفناء، وإذا لم يصحّبْها عملٌ صالح فإنّها الخسارة.
فالكافر لا يجد يوم القيامة طريقًا للنجاة من العذاب الأليم (قَالَ رَبِّ لم حَشَرتَني أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرا) [طه: 125]، فيكون أعمى عن الاهتداء لطريق النجاة يوم القيامة، (وَقَدْ كُنتُ بَصِيرا) أي كنتُ في الدنيا أعرف وسائل تدبير معيشتي التي فيها ما ينفعني والآن أنا أعمى عن ذلك. وليس معنى الآية أنّه يوم القيامة لا يُبصِرُ بل الكافر الأعمى في الدنيا يوم القيمة يُفتحُ نظره ليكون عذابه كاملًا وإلا فاتته أهوال كثيرة، أليس الكفار يَرَوْن نار جهنم فيرتاعون، قبل أن يدخلوها يرَوْنها وقد جُرَّتْ بسبعين ألف زِمام(2) مع كلِّ زمامٍ سبعون ألف ملك!، فقبل أن يأخذوا منازلهم فيها هي تأتي إليهم تتقدّم نحوهم حتى تتقطّع قلوبُهم فزعًا، فيدخلونها مذلولين (وساءت مُرتفقا) [الكهف: 29]، أي ليس لهم فيها راحة.
يقول الله عزّ وجلّ: (وتَرى الـمُجرمينَ يومئذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصفَاد 49 سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانَ وتَغشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم: 49، 50] أي ترى الكافرين يوم القيامة مُوثِقينَ في السلاسل والأغلال، صُفِدتْ(3) أيديهم إلى أعناقهم في الحديد، (سَرَابِيلُهُم) أي قمصانهم التي يلبسونها من نحاس ذائب متناهٍ في الحرارة، فجعل الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا من اللباس والشراب! لكن جعلها عذابًا لهم ونكالا.
ويقول تعالى: (إِنّا أعتَدْنا للظَّالمين نارا أحَاطَ بِـهم سُرَادِقُها وإن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بماءٍ كالـمُهْلِ يَشْوي الوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرابُ وَسَاءت مُرتفقا) [الكهف: 29]، المعنى أن الله هيّأ للكافرين نارًا (أحَاطَ بِهم سُرَادِقُها) أي سُورُها والمراد أن النار تحيط بهم من جميع الجهات، فلا يقدرون على الخروج منها فلا مخلص لهم منها، وإن طلبوا الشراب (يُغَاثُوا بماءٍ كالـمُهْلِ) أي كالزيت المغليّ (يَشْوي الوُجُوهَ) أي يحرقها إذا أراد شربها حتى يسقط لحمُها (بِئْسَ الشَّرابُ وسَاءت مُرتفقا) أي منزلًا ومأوى.
وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: 6] فالله أمرنا بوقاية أنفسنا وأهلينا نار جهنّم بأن يتعلم الواحد منا الخير من ضروريّات علم الدين ويعلّم أهله ذلك ويأمر أهله بطاعة الله ويبيّن لهم الشرّ وينهاهم عنه، حقَّ ذلك عليه في نفسه وأهلِهِ، ليقيَ نفسه وأهله نارًا حطبُها الذي توقدُ به الناس والحجارة، عليها ملائكة هم الزّبانية غلاظ على الكفار (شداد) أي أقوياء (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). أجسام الكفار في جهنّم تكون ضخمة، الواحد منهم ضرسُه كجبل أُحُد، ومقعده، المكان الذي يأخذه الكافر مسيرة ثلاثة أيام.
(1) سَمِعُوا.
(2) السّلاسل.
(3) من صَفَدَه يَصْفِدُه: شدّة.