بسم الله الرحمن الرحيم
لله تعالى، من دروس العلامة الفقيه المحدث الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله، السماء مسكن الملائكة، قال شيخنا رحمه الله الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم أو قاعدٌ أو راكع أو ساجد، رواه الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، هذا الحديث معناه أن السماء مشحونة بالملائكة والملائكة عباد الله المكرمون، وهم أولياء الرحمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، وهم مكلفون لكنهم لا يختارون إلا الطاعة، وهؤلاء الملائكة الذين يملئون السموات يصلون الصلوات الخمس كسائر الملائكة،
ثم بقية الوقت يصلون لله تعالى، فيكون بعضهم قائما وبعضهم راكعا وبعضهم قاعدا وبعضهم ساجدا، ولا يعني ذلك أنه يكون كل الوقت قائما ولا كل الوقت ساجدا أو راكعا، وليس معنى الحديث أنهم لا يصلون الصلوات الخمس، لأنها فرضٌ على المكلفين، وهذا الحديث يدل على أن الله سبحانه وتعالى لا يسكن السماء كما تزعم المشبهة، لأن الذي يسكن السماء لا يكون إلا حجما، والحجم مخلوق، والله خالقه، والذي عليه كل أهل الحق أن الله تعالى موجود ليس جسما لا مكان له ولا جهة، فلا يوصف بالجلوس ولا بالقعود ولا بالاستقرار ولا بالحركة ولا بالسكون، قال الله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وهاكم ما قاله الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في نفي الجسمية عن الله،
فقد نقل أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها قال أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورةٍ وتأليف، والله سبحانه وتعالى خارجٌ عن ذلك ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل، نقله الحافظ البيهقي عنه في مناقب أحمد، وهذا الذي صرح به الإمام أحمد من تنزيه الله عن هذه الأشياء الستة هو ما قال به الأشاعرة والماتريدية، وهم أهل الحق، أهل السنة الموافقون لأحمد رضي الله عنه وغيره من السلف في أصول المعتقد، فليعلم الفاهم أن نفي الجسم عن الله جاء به السلف فظهر أن ما ادعاه ابن تيمية أن السلف لم يتكلموا في نفي الجسم عن الله غير صحيح،
فينبغي استحضار ما قاله الإمام أحمد رضي الله عنه فإنه ينفع في نفي تمويه ابن تيمية وغيره مما يدعون السلفية والحديث، وهذا الحافظ البيهقي من رؤوس أهل الحديث، يقول في كتاب الأسماء والصفات في باب ما جاء في العرش والكرسي عقب إيراده حديث أتدرون ما هذه التي فوقكم ما نصه، والذي روي في آخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان في البعد والقرب إلى الله تعالى سواء، وأنه أي الله الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة والباطن فلا يصح كونه بمكان، واستدل بعض أصحابنا بنفي المكان عنه بقوله صلى الله عليه وسلم أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان،
وفي شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر عند الكلام على حديث جابر رضي الله عنه ما نصه، كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا، قال المهلب تكبيره صلى الله عليه وسلم عند الارتفاع استشعارًا لكبيراء الله عز وجل، وعندما يقع عليه العين عند عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء قدرا، وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس عليه السلام فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجاه الله من الظلمات فسبح النبي صلى الله عليه وسلم في بطون الأودية لينجيه الله منها، وقيل مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه، فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، ولا يلزم من كونه جهتي العلو والسفلي محالًا على الله أن لا يوصف بالعلو،
لأن وصفه بالعلو، من جهة المعنى، ومستحيل كون ذلك من جهة الحس، وكذلك في صفته تعالى العالي والعلي والمتعالي، فهذا إثبات بالنقد الصحيح الصريح عن أئمة الحديث أنهم ينزهون الله تعالى عن الجهة والمكان والحيز خلافًا لما تقوله المشبهة، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على عقيدة أهل الحق أهل السنة والجماعة وأن يكرمنا برؤية الرسول صلى الله عليه وسلم وبمغفرة الذنوب وبالستر في الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين.