بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد، أيها الأحبة الكرام، ننوي لله تعالى وما زلنا مستمرين في رحاب تفسير القرآن الكريم، وتفسير سورة فاطر يقول الله تبارك وتعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يولج الليل في النهار ويوج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلن يجري لأجلٍ مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمع دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئ مثل خبير يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون
ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير) قول الله تعالى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أي يدخل من ساعات أحدهما في الآخر حتى يصير الزائد منهما خمسة عشرة ساعة والناقص تسعة قال ابن عطية وهذه عبارة عن أن ما نقص من الليل زاد في النهار فكأنه دخل فيه وكذلك ما نقص من النهار يدخل في الليل وسخر الشمس والقمر أي ذلل أضواء صوره لاستواء سيره كلٌ يجري لأجل مسمى أي يوم القيامة ينقطع جريهما، ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه يعني الأصنام التي تعبدونها من دون الله، يدعون ما يملكون من قطمير، هي القشرة الرقيقة الملتفة على النواه، والمعنى أن الأصنام لا يملكون أقل الأشياء فكيف أكثرها قال ابن جزي إن تدعوهم أي الأصنام،
لا يسمع دعاءكم لأنهم جماد ولو سمعوا على سبيل الفرض ما استجابوا لكم، لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية ويتبرئون منها ويوم القيامة يكفرون بشرككم، بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم ويقولون ما كنتم إيانا تعبدون ولا ينبئكم مثل خبير ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور المعنى أن هذه الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق، لأني خبير بما أخبرت به، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، قال ذو النون الخلق محتاجون إليه في كل نفسٍ وخطرة ولحظة وكيف لا ووجوده به وبقاءهم به، قال ابن عطية هذه آية موعظة وتذكير والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها، لا يستغني عنه طرفة عين وهو به مستغنٍ عن كل واحد والله هو الغني عن الأشياء أجمع الحميد المحمود بكل لسان،
وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المُنعم عليهم إذ ليس كل غني نافع بغناه إلا إذا كان الغني جوادًا منعما، وإذا جاد وأنعم حمد المُنعم عليهم، وقال الواسطي من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل، وقال الحسين عليه السلام على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيًا بالله، وكلما ازداد افتقارا ازداد غنى، وقيل صفة الأولياء ثلاثة، الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء، إن يشأ يذهبكم كلكم إلى العدم، فإن غناه بذاته لا بكم في القدم، ويأتي بخلق جديد، وهو بدون حمدكم حميد، وما ذلك أي الإنشاء والإفناء على الله بعزيز أي بممتنع، وعن ابن عباس يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئا،
ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولا تحمل نفسٌ آثمة إثم نفس أخرى، والمعنى أن كل نفسٍ يوم القيامة لا تحمل إلى وزرها، الذي اقترفته، فلا تؤاخذ نفسٌ بذنب نفسٍ كما تأخذ جبابرة الدنيا القريب بالقريب والجار بالجار، وأما قوله تعالى (وليحملنكم أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم) فوارد في الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، وإن تدع مثقلة أي نفس مثقلة بالذنوب، أحدًا إلى حملها ثقلها أي ذنوبها ليتحمل عنها بعض ذلك لا يُحمل منه شيء، ولو كان أي المدعو ذا قربى، ذا قرابة قريبة كأبٍ أو ولدٍ أو أخٍ والفرق بين معنى قوله ولا تزر وازرة وزر أخرى، ومعنى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء،
أن الأول دالٌ على عدل الله في حكمه، وأنه لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني في بيان أنه لا غِياث يومئذٍ لمن استغاث حتى أن نفسًا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن يخفف بعض حملها لم تجب ولم تُغث وإن كان المدعو بعد قرابتها، إنما تنذر الذين يخشون ربهم أي إنما ينتفع بإنذارك هؤلاء بالغيب أن يخشون ربهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائبًا عنهم وقيل بالغيب في السر حيث لا اطلاع للغير عليه، وأقاموا الصلاة في مواقيتها، ومن تزكى تظهر بفعل الطاعات، ومن تزكى تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي، فإنما يتزكى لنفسه وهو اعتراض مؤكدٌ لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي وإلى الله المصير المرجع وهو وعدٌ للمتزكين بالثواب وسبحان الله وبحمده والحمد لله رب العالمين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأكرمنا ربنا برؤية وجه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.