بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وبعد، نتكلم في ما سنتكلم به بإذن الله تبارك وتعالى تقربًا إلى الله، وهذا الموضوع أيها الأحبة مهمٌ جدًا يتعلق بمسألة في الاعتقاد، وهو موضوع صفة الكلام لله تبارك وتعالى، فاعلموا أيها الأحبة أن المبتدعة الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في مسألة كلام الله تبارك وتعالى على طرفي نقيد، فتوجد المشبهة المجسمة الذين يقولون والعياذ بالله إن الله يتكلم بالحرف والصوت واللغة ويتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، والمعتزلة القدرية وهؤلاء أيضًا من المبتدعة الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم بعيدون من الإسلام يقولون ليس لله صفة الكلام، الذي هو كلام قائمٌ بذاته ثابت له، إنما الله تعالى يخلق كلامًا فيما شاء من خلقه،
أما أهل السنة والجماعة المسلمون الذين هم على عقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم وعقيدة النبيين، فيقولون الله تبارك وتعالى له كلامٌ هو صفته في الأزل ليس بمبتدأ ولا بمختتم وليس ككلام العالمين، ليس حرفًا ليس صوتًا ليس لغة، لأن الله تبارك وتعالى لا يتصف بصفات المخلوقين، واستدلوا على ذلك بقول الله تبارك وتعالى (وكلم الله موسى تكليما) والعرب إذا أرادوا تأكيد أن هذا على الحقيقة أتوا بالمصدر وكلم الله موسى تكليما يعني ليس مجازًا، إنما معناه أن الله تبارك وتعالى له كلام هو صفته في الأزل ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة موسى عليه السلام لما كان في طور سيناء، الله تعالى أزال عن سمعه الحجاب المعنوي المانع من سماع كلام الله فسمع كلام الله،
الذي ليس بحرف ولا بصوت ولا لغة، ولا يقال أن كلام الله الذي هو صفة ذاته حل في موسى في سمع موسى، لا، إنما كلام الله الذي ليس ككلام العالمين سمعه موسى عليه السلام وليس حلّ في موسى، موسى حادث مخلوق وسمعه حادث مخلوق، أما مسموعه وهو كلام الله ليس حادثًا، ليس مخلوقًا، قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه والله يتكلم لا كما نحن نتكلم نحن نتكلم بالآلة والحرف من مخارج الحروف، والله يتكلم بلا آلة ولا حرف لأن ذلك لا يجوز على الله، مخرج الحرف شيء مخلوق والحرف شيء مخلوق، إذا أنت قلت بسم الله الرحمن الرحيم نطقت بالباء ثم السين ثم الميم، وهذا تعاقب والتعاقب دليل الحدوث، والحدوث لا يجوز على الخالق سبحانه وتعالى،
ثم من حيث العقل السليم الشيء الذي تقوم به صفة حادثة تتغير، وأقوى علامات الحدوث التغير، والتغير لا يجوز على الله تبارك وتعالى، ثم إن كلام الله تعالى له إطلاقان يطلق ويراد به الصفة الذاتية الأزلية الأبدية، وهو ليس بحرف ولا صوت ولا لغة، ويطلق على اللفظ المنزل، على الأنبياء كالقرآن الكريم، فإذا أردنا الصفة الذاتية الأزلية الأبدية فليس بحرف ولا صوت ولا لغة، وليس حادثًا وليس شيئًا متعاقبا، وإذا أردنا اللفظ المنزل كالتوراة الأصلية والإنجيل الأصلي والقرآن فهذه الحروف لا شك أنها حادثة مخلوقة، لأن هذه الحروف أخذها جبريل عليه السلام بأمرٍ من الله من اللوح المحفوظ ونزل بها، ففي ليلة القدر وكانت ليلة الرابع والعشرين من رمضان أمر جبريل فأخذ القرآن من اللوح المحفوظ،
وخلق الله تعالى صوتًا بحروف القرآن سمعها جبريل عليه السلام ونزل بالقرآن إلى بيت العزة في السماء الدنيا في تلك الليلة، ثم صار ينزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بالقرآن على حسب الأوامر، وبعد تمام نزول القرآن أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودله كيف ترتيب القرآن في اللوح المحفوظ فعلم الصحابة فصار الترتيب على حسب ما هو القرآن الكريم في اللوح المحفوظ فإذا قلت هذا القرآن وأردت هذا اللفظ المنزل الذي هو مكتوب في الأوراق يقرأه الناس تقرأه الملائكة بألسنتهم محفوظ في الصدور فلا شك أنه حادث، لكن إذا أردت صفة الله فلا شك أن صفة الله ليست حادثة، ولتقريب ذلك إلى الأذهان نقول لو أن إنسانًا كتب على لوحٍ حروف لفظ الجلالة الله فسأله شخص فيقول ما هذا يقول الله،
ليس معناه أن الله قام باللوح، لا، إنما معناه تدل هذه الحروف على الذات المقدس وهو الله سبحانه وتعالى وليست عين الذات، كذلك هذه الحروف الموجودة في المصحف تدل على كلام الله الذي هو صفته وليست عين كلام الله، لأن صفة الله لا تحل في شيء من الخلق، ويدل على ذلك أن الله تبارك وتعالى قال في القرآن الكريم (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) إنه أي القرآن إنه لقول أي مقروء رسول كريم، والله لا يسمى رسولًا كريمًا، إنما هذا هو جبريل عليه السلام، إنه لقول رسول كريم ذي قوة أي أن جبريل له قوة عند ذي العرش، عند خالق العرش متمكن له درجة عالية، مُطاع ثم أمين تطيعه الملائكة وهو رئيس الملائكة،
وهو يبلغ الملائكة ما يؤمرون به، وكذلك قال الله تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) ماذا سيسمعه الرسول لهذا المشرك، اللفظ المنزل، هذا دليل على أن كلمة كلام الله تطلق على اللفظ المنزل الذي أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وليس الله تعالى قرأه على الرسول كما يقرأ الأستاذ على التلميذ، لا، هذا لا يجوز على الله،
أما قول الله تبارك وتعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) يعني يا محمد حين يأتيك جبريل ويقرأ عليك القرآن بأمرنا الذي هو يقرأ جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم لا تحرك لسانك بالقراءة خشية أن ينفلت منك إن علينا جمعه وقرآنه نحن ضمنا لك أن يكون مجموعًا في صدرك وأن تكون حافظًا له، فإذا قرآنه يعني فإذا جمعناه لك في صدرك في اللغة يقال، قرأ الماء في الحوض أي جمعه، فاتبع قرآنه أي فاعمل به يا محمد، فهذا دليل واضح على أن كلمة كلام الله تطلق على اللفظ المنزل، هنا قد يسأل سائل لما الإمام أحمد رضي الله عنه أبى رفض أن يقول القرآن مخلوق ويسكت، نعم رفض ذلك وعُذّب وحبس رضي الله عنه حتى لا يُتوهم أن صفة الله حادثة مخلوقة،
أما عند البيان والتفصيل والتعليم فيقال كلام الله القرآن له إطلاقان، يطلق ويراد به الصفة القائمة بذات الله الثابتة له، فهذه الصفة ليست حادثة، أكيد ليست حادثة لأن الله أزلي وصفاته أزلية، لذلك قال صاحب الزُبد لم يحدث المسموع للكليم، كلامه كوصفه القديم، أي كلام الله صفته في الأزل لم يحدث المسموع للكليم يعني موسى سمع كلام الله الذي ليس بحرف ولا صوت ولا لغة، ومن أقوى الأدلة على أن كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس بحرف ولا صوت ولا لغة وليس له بداية وليس له نهاية، أن الله تبارك وتعالى هو يحاسب عباده بنفسه، وذلك بأن يسمعهم كلامه الذي هو ليس بحرف ولا صوت ولا لغة في موقف الحساب في موقف السؤال، فيفهمون منه السؤال عن أعمالهم ونياتهم وأقوالهم،
كما قال الله تبارك وتعالى (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) معناه أنا أسرع من كل حاسب، الله سريع الحساب، فحسابه للعباد ليس كحساب ملك للرعية، بالحرف والصوت سؤال بالحرف والصوت، وإلا لأكل زمانًا طويلًا إبليس لعنه الله هو خلق قبل آدم وما زال حيًا إلى الآن يفسد في الأرض، وسيبقى حيًا إلى حين النفخ في الصور، هذا وحده لو كان سؤال بالحرف والصوت واللغة لأكل زمانًا طويلا، ولما كان الله أسرع الحاسبين، إن الله يقول عن نفسه أنه أسرع الحاسبين، فإذًا حساب الله للعباد ليس بالحرف والصوت، سؤال الله للعباد ليس بالحرف والصوت، في موقف السؤال الله يزيل عن أسماع العباد الكفار والمؤمنين الحجاب المعنوي المانع من سماع كلامه يسمع العباد كلام الله فيفهمون منه السؤال لما فعلت كذا ألم أعطك كذا الكافر يقلق ويتألم والمؤمن الطيب التقي يفرح،
هذا سمع كلام الله وهذا سمع كلام الله فيفرغ الله تعالى من حساب العباد في لحظة قصيرة، فهذا دليل على أن كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفًا وليس صوتًا وليس لغة، ومن اعتقد أن الله تعالى متكلم بالحرف والصوت واللغة لا يكون من المسلمين، وشيخ المجسمة ابن تيمية الحراني يقول إن الله تعالى يقوم بذاته والعياذ بالله حروفٌ متعاقبة فيقول إن الله متكلم بالحرف والصوت ويقول إن الله إذا أراد أن يخلق شيئًا يقول كن كن كن كما نحن نقول كن، وهذا لا يجوز على الله،
أما الآية التي فيها (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) فمعناها سرعة الإيجاد إذا أراد الله في الأزل إيجاد شيءٍ وُجد في الوقت الذي أراد الله ولا أحد يستطيع منع ذلك، ولا أحد يستطيع تأخير ذلك، ليس معناه أن الله قائل كن كن بعدد المخلوقات هذا خلاف القرآن وخلاف الحديث وخلاف العقل السليم، لم كل مخلوق يحتاج لكن بحرفين متعاقبين ليكون موجودًا، لما كان هذا العالم موجودًا لأنه في كل لحظة يدخل في الوجود من الخلق ما لا يدخل تحت الإحصاء، فإذًا معنى الآية سرعة الإيجاد وأنه لا يستطيع أحد أن يؤخر ما أراد الله وجوده عن الوقت الذي أراده الله تعالى، ومعنى هذه الآية أن ذلك سهل على الله فإن الإنسان إذا قال كن لا يجد أدنى مشقة ولا يجد تعبًا من ذلك،
والله تعالى كل شيء عليه يسير، (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) أي ليس صعبًا على الله تبارك وتعالى والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب، أي يُسمعه كلامه الذاتي الأزلي الأبدي فيفهم السؤال، فإذا أيها الأحبة كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفًا ليس صوتًا ليس لغة ليس بمبتدأ ليس بمختتم،
أما اللفظ المنزل كالقرآن الكريم فلا شك أن هذا اللفظ حادث لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ أخذه جبريل تلاه على الرسول صلى الله عليه وسلم وما زلنا نحن المؤمنين نتلوه بألسنتنا التي هي حادثة ونحفظه في قلوبنا التي هي حادثة نسأل الله تعالى أن يثبتنا على عقيدة أهل السنة والجماعة وأن يختم لنا بالحسنة وأن يبعدنا عن التشبيه والضلال والتجسيم إن الله على كل شيء قدير هذا وبارك الله بكم.