بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، الوقف من المبرات العظيمة وباب من أبواب الخير لا سيما أن الأجر يستمر ويدوم الثواب بعد موت الواقف، فالوقف من الأعمال العظيمة الذي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، وفسر كثير من أهل العلم الصدقة الجارية بأنها الوقف، والوقف يكون في الأشياء المنقولة والأشياء الغير المنقولة، كوقف الأرض، ووقف العمارة، أو وقف البئر، ويكون أيضًا في الأشياء المنقولة كالسيارة أو وقف المصاحف،
أو وقف الأواني أو الكتب العلمية ونحو ذلك، الوقف معناه في اللغة الحبس، ومعناه في الشرع هو حبس مالٍ يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرفٍ مباح موجود، هو حبس مال، فأنت عندما تقف هذه الأرض تقول جعلت وقفًا لله تعالى، أو وقفًا للفقراء مثلًا، هذه الأرض يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، لا يصح التصرف فيها بعد ذلك لا بهبة ولا ببيع، ولا بإرث، وتقفها على مصرف مباح موجود كأن تقفها على الأيتام على الفقراء على طلبة العلم أو نحو ذلك، والوقف مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، فعندما نزل قول الله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) كثير من الصحابة فسروا هذه الآية على أن المراد بها الوقف،
وسيدنا أبو طلحة الأنصاري كان معه أرضًا أو كان معه بئرًا وحديقة مستقبلًا المسجد يقال لها بير حاء، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنها من أحبّ المال إليّ أرجو برها وذخرها عند الله فاجعلها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام قد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في أقاربك، فجعلها سيدنا أبو طلحة في أقاربه، كما جاء ذلك في صحيح البخاري، أيضًا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أصاب أرضًا من خيبر فقال إنها من أنفس المال إليّ فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره يستشيره قال له النبي عليه الصلاة والسلام إن شئت حبسّت أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث،
فتصدق بها في الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم غير متمول، وقالوا هذا الوقف أول وقف في الإسلام الذي وقفه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أركان الوقف أربعة أركان، الواقف، الموقوف عليه، الموقوف، الصيغة، فلو أن زيدًا قال وقفت هذه الأرض للفقراء، أو وقفت هذه المزرعة للفقراء، فزيد هو الواقف الفقراء الموقوف عليه، وهذه الأرض أو المزرعة هي الموقوف، وقوله وقفت هذه الأرض هي الصيغة، فيشترط في كل ركن من هذه الأركان، شروط، أولًا الواقف، يشترط في الواقف أن يكون مكلفًا بالغًا عاقلًا، أن يكون أهلًا للتبرع، أن يكون غير محجور عليه،
أيضًا يشترط فيه أن يكون مالكًا لذلك الشيء الذي يريد أن يجعله وقفًا لله تعالى، أيضًا يشترط أن يكون مختارًا، وقف ذلك الشيء باختياره ليس مكرهًا أو مجبرًا على ذلك، هذه شروط الواقف الذي أراد حبس الشيء وتسبيل منفعته في سبيل الله تعالى، أما الموقوف عليه فيشترط فيه أيضًا شروط، أن لا يكون معصية، انتفاء المعصية عنه، لا يصح أن يقف شخص شيء ويجعله وقفًا لعمارة كنيسة، أو لوقفًا على خادمها، أو وقفًا لشيء من المحرمات، لأن الوقف أصلًا يكون في القربات وفي المباحات، أيضًا يشترط في الموقوف عليه أهليته لملك ما وقف عليه إن كان معينًا لا يصح الوقف على ميت أو على جنين لأنهما لا يملكان، ولا يصح على دابة لا يتصور منها مثلًا الملك،
أما بالنسبة للركن الثالث وهو الموقوف، الموقوف يشترط فيه عدة شروط، أن يكون عينًا معينًا فيشترط فيه أن يكون عينًا لا يصح مثلًا وقف المنفعة، لو أراد الشخص المستأجر بيت، يقول وقفت منفعة هذا البيت للفقراء أو المحتاجين، لا يكون الوقف في المنفعة، إنما لا بد أن يقف شيئًا عينًا معينًا، لا يصح مثلًا أن يقول وقفت إحدى هاتين الأرضين، لا بد أن يحدد ويبين أيضًا أن يكون مملوكًا، أن يكون مالكًا لذلك الشيء وملكًا قابلًا للنقل، فلو كان عنده شيء من الدواب وأحدهما حامل فقال مثلًا أردت أن أجعل الحمل هذا وقف، لا يصح، لأنه ليس قابلًا للنقل،
وأما إذا وقف الحمل تبعًا للدابة الحامل فلا بأس، أما أن يقف الحمل لوحده لا يصح، لأنه غير قابل، أيضًا يشترط في الموقوف أن يكون ذو فائدة ومنفعة، الفائدة هي التي تخرج من الشيء، كالثمرة واللبن والغلة، والمنفعة التي تكون في الشيء كالسكنة في الدار والقيادة والركوب للسيارة، المهم أن يشترط أن يكون ذو نفع،
أما ما لا نفع فيه لا يصح وقفه، أيضًا يشترط استمرار الانتفاع به، استمراره وبقاءه إلى الأبد مثلًا مثل الأرض أو نسبيًا كالسيارة أو البناء أو نحو ذلك، أيضًا يشترط في الموقوف أن يكون مقصودًا مباحًا فلا يصح وقف الأشياء المحرمة، أما بالنسبة لصيغة الوقف، أن يقول هذا الشخص وقفت هذه الأرض مثلًا أو حبست هذا الشيء أو تصدقت به صدقة معبدة، فهنا إذا صدر منها ذلك ووقف ذلك الشيء فحينئذٍ لا يجوز له أن يتصرف فيه وخرج من ملكه وصار لله تعالى، والوقف نوعان، وقف أهلي وهذا أن يقف شيئًا على أولاده وأحفاده ومن تناسل منهم، أو أن يقف شيئًا على شخص وذريته
النوع الثاني الوقف الخيري وهو على جهة عامة، أو جهة ينتفع بها عموم الناس، الوقف الخير كالوقف على المساجد والمدارس، وعلى طلبة العلم أو الأيتام أو المرضى أو نحو ذلك، فهذا كله يندرج في الوقف نوع الوقف الوقف الأهلي والوقف الخيري، إذا هذه لمحة بسيطة عن أحكام الوقف، هذا الباب العظيم الذي فيه أجر عظيم، ويكفي فيه دوام الأجر والثواب إلى ما بعد الموت، قد يقول قال لا أستطيع أن أقف أرضًا أو عمارة أو بيتًا لأني لا أملك أن أشتري ذلك، بإمكانك أن تقف الأشياء المنقولة أن تشتري سيارة وتجعلها وقفًا للفقراء والمحتاجين ونقل المرضى، تأخذ عدد من المصاحف وتجعلها وقفًا في مسجد أو تشتري كتب علمية يستفيد منها أهل العلم وتضعها في مكان يستفيد منها أهل العلم وأهل الخير،
أو مثلًا تشتري كرسي متحرك مثلًا لأحد من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو تجعله وقفًا في جمعية أو نحو ذلك، الحاصل أن الوقف بابها واسع وعظيم والأجر فيه كبير وعظيم، يكفي أن الأجر يدوم لك والحسنات تزيد وتستمر وأن تكون في قبرك في أشد الحاجة إلى تلك الحسنات، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.