بسم الله الرحمن الرحيم

الإصابة بالعين

روى أبو بكر البزّار في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله قضائِهِ وقدرِهِ بالأنفس" يعني بالعين، ورجاله ثقات. ومعنى هذا الحديث إنّ أكثر مَنْ يمرَضُ مَرَضًا يؤدّي الموت في أمة محمّد صلى الله عليه وسلم فإنّ مَرَضَه من العين، فيصابُ بالأمراض الـمُعضِلَةِ التي لا ينفع علاجُها حتى يموت، فأكثر الأمراض المستعصية التي يموت منها الإنسان من العين، ولذا فإنّ العين تُدخِلُ الرجل القبر!

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين حقّ يحضُرُها الشيطانُ وحسد ابن آدم" رواه الطبرانيّ في مسند الشاميّين، ومعنى "العين حقّ" إصابتُها حقّ أي أمر متحقّق الوقوع، لها تأثير بمشيئة الله في الأنفس والأموال. ومعنى بقية الحديث أنّ الإنسان الحاسد عندما ينظر بعين الحسد إلى شخص آخر يُعجبُه فيتكلّم بكلمةٍ يظهرُ بها إعجابَهُ وهو حاسد لذلك فإن الله تعالى أجرى العادة في حصول الضرر في المنظور إليه فيخلق الله الضرر في الـمَعيُونِ، أي يُحدِثُ اللهُ في المنظور إليه علّةً يكون النظر من قِبَلِ هذا العائن سببها من حيث الظّاهر(1)، والشيطان أيضًا يلاحظ تلك الساعة أن هذا العائِنَ أصاب هذا الشخص بعينه بالضرر. فيُصيبُ هو أيضًا الشخص نفسه بالأذى والضرر بحيث يزداد ضررُ الإصابة بالعين في هذا الشخص. فالله جعل عين الحسود التي تنظر مع حسدٍ سببًا في حصول الضرر في المنظور إليه.

وعن أبي ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ العين لتُولعُ الرجُلَ بإذن الله حتى يصعد حالِقًا ثم يتردّى منه" رواه أحمد في مسنده، والرجلَ منصوب على نزع الخافض أصله: بالرّجُلِ، ويقال: أُولِعَ بالشيء على بناء المفعول أي علق به، والمراد أنّ العين تصيب الرجُلَ، والحالِقُ الجبل العالي، فمعنى الحديث أن العين قد تكون سببًا في موت الشخص وقد تكون سببًا لأن يتردّى الإنسان من عُلوٍ كأن يقع متردِّيًا من جبلٍ عالٍ.

وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين حقّ ولو كان شيء سابَقَ القدرَ سبقته العين وإذا استُغسلتم فاغسِلُوا" ففي هذا الحديث إثبات القدر وصحّةِ أمر العين وأنها قويّة الضّرر، ومعناه أنه لو أمكن أن يسبِقَ القدرَ شيءٌ مهلِكٌ فيؤثّر في إفناء شيء وزوالِهِ لكان هو العينَ، ولكن لا شيء يسبق القدر، فما يصيب من الضررر بالعادة عند نظر الحاسد إنما هو بقدر الله لا بشيء يخلقه الناظر في المنظور إليه، ولذا نقول:

الإصابة بالعين من جملة ما قدّره الله، والمراد بهذا الحديث إثبات ضرر العين لا أنّه يمكن أن يَرُدَّ القدرَ شيءٌ، وببَيَانِ أنّ العين لا تسبِقُ القدرَ يُنَبَّهُ على أنّ غيرها من باب الأولى لا يسبق القدر، أي لا شيء يحصل بغير تقدير الله. فالنبيّ صلى الله عليه وسلم يبيّن في هذا الحديث عظيم تأثير العين، وأنّه إذا طلب المصابُ بالعين أن يغتسل من أصابه بعينه فَلْيُجِبْه.

وروى الطبرانيُّ في المعجم الكبير أنّ صحابيًّا اسمه سَهْلُ بن حُنَيْف قد اغتسل بالخرّار(2) فنزع جُبّةً كانت عليه، وصحابيّ آخر اسمه عامر بن ربيعة ينظر، وكان سَهْلٌ رجلاً أبيض حسنَ الجِلد، فقال له عامر: ما رأيتُ كاليوم ولا جِلْدَ عذراء، فَوُعِكَ سَهْل مكانَهُ واشتدّ وعْكُه، فأُتيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرَ أن سهلًا تُوعِكَ وأنّه غيرُ رائحٍ معك، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرَهُ سهلٌ الذي كان من شأن عامر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"علامَ يقتل أحدُكم أخاه" – أي لِمَ يَضُرُّهُ – ألا بَرَّكْتَ – أي قلْ اللهمّ بارِك فيه ولا تضرَّهُ – إنّ العين حقّ توضَّأْ له، فتوضّأ له عامر، فراحَ سهلٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس. أي أمره بأن يتوضأ فيغسل أطرافه ثم يُجمعَ هذا الماء الذي توضأ به في وعاء، ثم يُكَبَّ على المصاب ويرى الوعاء مقلوبًا خلف هذا المصاب.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأى أحدُكم مِنْ نفسِهِ وأخيه ما يعجبه فليدع بالبركة فإنّ العين حقّ" رواه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح.

وعن عليّ رضي الله عنه أنّ جبريل أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فوافقه مُغْتَمًّا فقال: يا محمّد ما هذا الغَمُّ الذي أراه في وجهك؟ قال: الحسن والحسين أصابتهما عَيْن، قال: صدِّقْ بالعين فإنّ العين حقّ أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات، قال: وما هنّ يا جبريل؟ قال: اللهمّ ذا السلطان العظيم ذا المَنِّ القديم ذا الرحمة الكريم وليَّ الكلمات التّامَاتِ والدّعواتِ والمستجابات عافِ الحسَنَ والحسينَ من أنفسَ الجنّ واعين الإنس، فقالها النبيّ صلى الله عليه وسلم فقاما يلعبان بين يديه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

"عَوِّذُوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ، فإنّه لم يتعوّذ المتعوّذون بمثلِهِ" رواه السّيوطيّ في جامع الأحاديث، فالمصاب بالعين يُقرأُ عليه هذا التعويذ والفاتحة وآية الكرسيّ. وتتأكد أهمية التحصين عند دخول بيت الخلاء وعند نزع الملابس وأوّل النهار وبعد المغرب.

وقد أخبرنا الله عزّ وجلّ أنّ الكفار يكادون يُضرُّون النبيّ صلى الله عليه وسلم بأعيُنهم حسدًا منهم ولكنّ الله يحفظه منهم، قال تعالى: (وَإِن يَكَادُ الذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) [القلم: 51]، معناه يا محمد يكاد الكافرون يصيبونك بأعيُنهم فيصرعونك لـمّا سمعوا القرآن حسدًا قائلين: نحن لا نستطيع أن نأتي بمِثْلِهِ ويقولون: هذا ساحر ومجنون، ولكن الله يحفظُه من أعيُنهم.


(1) وكذا جرت العادة في حصول الإحراق عند ملامسة النيران.

(2) الخرّارُ.