بسم الله الرحمن الرحيم

السِّحْر

ذَكَر أهل التفسير في سبب نزول سورة الفلق أنّ غلامًا من اليهود أخذ مُشاطةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعِدَّةَ أسنان مِن مُشطِهِ فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك لَبيد بن أعصم اليهودي دَسَّها في بئر لبني زُرَيق يقال لها: بئر ذروان. فمرض رسول الله في جسده ولم يؤثر في عقله عليه الصلاة والسلام، فبينا هو نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومن سحره.

قال: لبيد ابن الأعصم قال: وبم طبّه؟ قال: بمشط ومُشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جُفّ طَلْعةٍ تحت راعوفةٍ في بئر ذروان. والجُفُّ قِشر الطّلْع، والرّاعوفة صخرة تترك في أسفل البئر إذا حُفِرَت فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها. فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي، ثم بعث عليًّا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر، ثم رفعوا الصخرة وأخذوا الجُفّ وإذا فيه مُشاطة رأسه وأسنان مُشطِهِ، وإذا وَتَرٌ عُقِدت فيه إحدى عَشْرة عُقدةً مغروزةً بالإبرة فنزلت المعوذتان فجعل كلما قرأ آية انحلّت عُقدة فوجد بعد ذلك رسولُ الله خِفّةً حين انحلت العقدةُ الأخيرة، وجعل جبريل عليه السلام يقول: "بسم الله أرقِيكَ، من كلّ شيء يؤذيك، ومن حاسدٍ وعينٍ اللهُ يشفيك".

معظم السّحر من الشياطين، هم الذين علّموا البشر السِّحر، قال تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) [البقرة: 102] وأمّا الملكان هاروت وماروت فإنهما علّما بأمر من الله نوعًا من السّحر ليفرق الناسُ ويميّزوا بين السّحر والمعجزة. وكانا ينصحان الذي يريد أن يتعلم السّحر أن لا يعمل به، فلم يكن تعليمهما الناس السحر ليعملوا به لأن السحر من الموبقات (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي بما تتعلّمه من السِّحر، فهذا كان على معنى العلم به ليجتنبه ويميّز بينه وبين المعجزة كما أنّ مَنْ عَرَفَ الربا اجتنبه، فإن عمِلَ به أثم. فقوله تعالى: (إنما نحن فتنة) معناه هذا الذي نصِفُه لك وإن كان الغرضُ منه أن تميّزَ بين السحر والمعجزة ولكنه تتوصّل به إلى الفتن والمفاسد فإياك والعملَ به. والفتنة هنا البلاء والابتلاء بالاختبار.

ولا فرق بين أن يكون السّحر للتحبيب أو للتبغيض أو لإزالة النّفور بين الزوجين، والطريق الجائز لمن أراد إزالة النفور بينه وبين زوجته الدعاء أو أن يقرأ "يس" بهذه النية. ويجوز للمسحور أن يفك السحر لكن بغير السّحر، فيطلب فكه بالقرآن أو استعمال بعض العقاقير التي جعل الله فيها خاصية لإبطال السّحر. وبعضُ المفسدين يمزجون السحر بشيء من القرآن ليوهموا الناس أن القرآن يدخل في السحر.

من طرق مداواة المسحور: 7 ورقات من ورق السِّدر تدق بين حجرين وتوضع في الماء ويقرأ عليها آية الكرسي والمعوذتان والإخلاص كلّ ثلاثًا.

ثم يشرب 3 جرعات ويغتسل بالباقي.

ومن قال "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم" سبع مرات عند صلاة المغرب فإنه يُحفظ من السحر بين المغرب والفجر، وإن عُمِل له سحر لا يؤثّر عليه. وكذلك إذا قاله عند صلاة الصبح يُحفظ من السحر إلى الغروب. وإن زاد على 7 أو أنقص منها ذهب السّر.

للكوابيس تقرأ آية الكرسي 7 مرات عند كل زاوية حيث ينام وأول 4 آيات من سورة الطارق 3 مرات (والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ) والطّارق مع آية الكرسيّ مرّةُ وينفخ 3 مرات على الغطاء الذي يتغطى به.

والاستشفاء بالآيات القرآنية بأن تُكتَبَ فتعلَّقَ أو تُكتَبَ في صحن فتُمْحَى بالماء الطاهر لتُسقَى المسحور هذا يجوز. وإذا أردت دخول مجلس فيه ساحر يعمل بالسّحر فالأفضل للتحصين الإكثار من قراءة سورة الزلزلة قبل وبعد دخول المجلس.

مَن عُمِل له سحر يُكتَب له قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [الأعراف: 154]، في صحن ثم يُذاب بالماء ويُرشّ بالبيت به والمدخل، ويُكَرَّر هذا العمل لأنّ السّحرة يجدّدون سحرهم، ويقرأ كذلك بعد الفجر وبعد المغرب 7 مرات "حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلتُ وهو ربّ العرش العظيم".

السّحر قسمان:

1- قسم لا يتمّ إلا بعمل الكفر من سجود لإبليس ونحوِهِ.

2- وقسم يحصل بغير عمل الكفر، وكلّ من الكبائر.

في المذاهب الثلاثة مالك وأبي حنيفة وأحمد يُقتل السّاحر، أمّا عند الشافعي فإن قَتَلَ بسحره واعترف بذلك قُتِل أو كان في سحره كفر كذلك يُقتل.