بسم الله الرحمن الرحيم
10 – نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام
لوطٌ عليه السّلامُ هو من الأنبياءِ والرسلِ الكرام. بعثَه اللهُ في زمنِ سيدِنا إبراهيمَ عليه السلامُ وهو ابنُ أخيه. واسمُ لوطٍ عجميٌّ ليس عربيًّا وليس مشتقًا من اللواطِ لأنَّ اللواطَ لفظٌ عربيٌّ تصريفُه لاط يلوط لِواطًا أي فعلَ تلك الفاحشةَ، ولا يليقُ بمنصِبِ الأنبياءِ أنْ يكونَ اسمُ أحدِهم مشتقًّا من لفظٍ معناه خبيث.
وقد صدّق لوطٌ بدعوةِ عمِّه إبراهيمَ عليهما الصلاة والسلام، وهاجرَ مع عمِّه من العراقِ وتبعَه في أسفارِه ورَحلاتِه، ثم بعثَه اللهُ تبارك وتعالى إلى أهلِ "سَدوم" في الأردنِ قربَ البحرِ الميّتِ، وكانوا من أكفرِ الناسِ وأفجَرِهم، وكانوا يقطعُون السبيلَ على المسافرين ويأتون المنكرَ والفاحشةَ التي هي إتيانُ الذكور. وكانوا يتجاهرون بفعلِ فاحشةِ اللواطِ ولا يستحُون. فلمّا بعثَ اللهُ تعالى نبيَّه لوطًا دعاهم إلى دينِ الإسلامِ ونهاهم عن تلك المحرّمات، ولكنهم استمرُّوا على كفرِهم وتمادَوْا في طغيانهم، ولم يكتفُوا بهذا التكذيبِ والاستكبارِ بل أخذوا يهدّدون نبيَّ اللهِ لوطًا بالطرد من قريتِهم، قال تعالى: (قَالُوا لَئِن لَّـمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الـمُخْرَجِينَ) [الشعراء: 167].
وأمامَ إصرارِ قومِه على الكفرِ والطّغيان والفواحشِ سأل لوطٌ عليه الصلاة والسلام ربَّه النُّصرةَ عليهم (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى القَوْمِ الـمُفْسِدِينَ) [العنكبوت: 30]. فأرسلَ اللهُ عزّ وجلّ إلى قومِ لوطٍ ملائكةً كرامًا لإهلاكهم وهم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيل. فمرَّ هؤلاء الملائكةُ الكرامُ في طريقِهم إلى قرى قومِ لوطٍ على إبراهيمَ الخليلِ عليه السّلامُ بأمرِ اللهِ تعالى، وكانوا قد تشكَّلُوا بصورةِ رجالٍ حِسانِ الوجوهِ فبشَّروه بغلامٍ حليمٍ وهو إسحاقُ عليه السّلام ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، وأخبروه أنَّهم ذاهبون لإهلاكِ قومِ لوطٍ عليه السلامُ، وأن اللهَ أمرَهم بإهلاكِ أهلِ هذه المدائنِ الكَفرةِ.
ثم توجَّهُوا نحوَ قريةِ "سَدوم" وهي أكبرُ قُرى قومِ لوطٍ في الأردن، وكانوا قد جاءوا بصُوَرِ شُبّانٍ جميلي الصورةِ اختبارًا من اللهِ تعالى لقومِ لوطٍ وإقامةً للحُجَّة عليهم، فدخلوا على سيدِنا لوطٍ فظنَّ أنّهم ضيوفٌ جاءوا إليه فرحَّب بهم وخَشيَ إن لم يُضِفْهم أن يُضِيفَهم غيرُه، ولكنه عليه السلامُ اغتمَّ من دخولهم عليه لأنّه خافَ عليهم من أولئك الأشرار، لا سيّما أنّهم كانوا من حيث الصورةُ في منتهى الحُسنِ والجمال، وخشيَ أن يكونَ قد رآهم واحدٌ من قومِه حين دخلوا عليه فيذهبُ ويخبرهم، قال الله تعالى:
(وَلـمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِـهِمْ وَضَاقَ بِـهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) [هود: 77]، فقوله تعالى (سِيءَ بِـهِمْ) معناه أنّه أصابَه الحزنُ عندما جاءوا إليه لأنّه حسِبَ أنّهم إنسٌ ورآهم في أحسنِ صورةٍ فخافَ عليهم خُبْثَ قومِه (وَضَاقَ بِـهِمْ ذَرْعًا) أي ضاقتْ نفسُه غمًّا مخافةً عليهم لأنّه يَعلمُ من قومِه ما هُم عليه من اتّباعِهم الفاحشةَ وعلِمَ أنّه سيحتاجُ إلى المدافعةِ عن أضيافِه ومقاومةِ قومِهِ ولذلكَ قال (هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أي شديدٌ عظيمٌ بلاؤه.
وسرعانَ ما حصلَ ما كان يخشاهُ إذ خرجَتْ امرأتُه وكانت كافرةً فأخبرَتْ قومَها بأنّ في بيتِ لوطٍ رجالًا ما رأتْ مثلَ وجوهِهم حُسْنًا قطُّ، فأقبلوا مسرعينَ إلى بيتِ نبيِّ اللهِ لوطٍ عليه السّلامُ يريدون الاعتداءَ على ضيوفِ لوطٍ عليه السلام، وأخذَ نبيُّ اللهِ لوطٌ يجادلُ قومَه المفسدين لعلَّ فيهم من يرتدعُ عن غيِّه، فرفضوا نصيحتَه وصارحوه بغرضِهم الخبيثِ من غيرِ استحياء، فلمّا رأتْ الملائكةُ ما يلقى نبيُّ الله لوطٌ عليه السلامُ استأذنَ جبريلُ عليه السلام ربَّه في عقوبتِهم فأُذِنَ له فخرجَ عليه السلام إليهم وضربَ وجوهَهم بطرَفِ جناحِه فطُمِسَت أعينُهُم حتى غارتْ ولم يبقَ لها أثرٌ، فانصرفوا يتحسَّسُون الحيطانَ ويهدِّدون نبيَّ اللهِ لوطًا عليه السلام، قال عزّ وجلّ (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ 37 وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ) [القمر: 37، 38].
وأخبروه بحقيقتِهم وأنّهم ليسوا بشرًا وإنما هم ملائكةٌ ورُسُلُ الله قَدِمُوا لإهلاكِ قومِه، وأمروه أن يخرجَ من أرضِ قومِه مع أهلِه ليلًا قبلَ طلوعِ الصّبحِ لأنَّ موعدَ إهلاكِهم سيكونُ في وقتِ الصبح، وأمروه بتركِ الالتفاتِ لئلا يرى عظيمَ ما سينزلُ بقومِه الكافرين من عذابٍ وأنَّ امرأتَه ستلتَفِتُ ويصيبُها ما أصابَ قومَها، فقد ذُكرَ أنها لـمَّا خرجت مع زوجِها لوطٍ عليه السلامُ وسمِعَت صيحةَ العذابِ الذي نزلَ بقومِها التفَتتْ وقالت: واقوماه فأصابَها حجرٌ فأهلكَها مع الهالكين، وجاءَ قومَ لوطِ العذابُ الشديدُ، قال تعالى:
(قَالُوا يا لُوطُ إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليْلِ ولَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَا امرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَـهُم إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81]. اقتلع سيدُنا جبريلُ عليه السلام بريشةٍ واحدةٍ من أجنحتِه مدنَهم الأربعَ وكان أهلُها نحوَ أربعمائة ألفِ شخصٍ وما معهم من البهائم، فرفعَ الجميعَ حتى بلغَ بهم عَنانَ السّماءِ(1) حتى سمعَ الملائكةُ الذين في السماءِ الأُولى أصواتَ دِيَكَتِهم ونباحَ كلابِهم ثم قلبَها عليهم فجعلَ عالِيَها سافِلَها، فردَّها مقلوبةً بمشيئةِ اللهِ من دونِ تعبٍ ولا مشقةٍ،
وأرسلَ عليهم صيحةً من السّماءِ وأمطرَ عليهم حجارةً من سجِّيل مكتوبٌ على كلِّ حجَرٍ اسمُ صاحبِه الذي ينزِلُ عليه فيهلكُه، قال تعالى: (فَأَخَذَتْـهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ 73 فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وأَمْطَرنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ) [الحجر 73، 74] أي حجارةً من طينٍ، وما إنْ أشرقت الشمسُ حتى كانت القُرى بمَنْ فيها خَرابًا.
وقد أهلكَ اللهُ تعالى زوجةَ نبيِّه لوطٍ عليه السلامُ مع الهالكين لأنّها لم تدخلْ في دينِ الإسلامِ فحَلَّ بها من العذابِ ما حلَّ بقومِها، ولم ينفعْها عندَ اللهِ أنها كانت زوجةُ نبيِّ اللهِ لوطٍ عليه السلام. يقول الله تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَـحْتَ عَبْدَيْن مِنْ عِبَادِنَا صَالِـحَيْنِ فَخَانَتَاهُـمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلينَ) [التحريم: 10]. والمرادُ بالخيانةِ هنا الخيانةُ في الدينِ فإنّهما لم تَتَّبِعاهما في دين الإسلام، بل بقِيَتا على الكفرِ والضلالِ، ولم ينفعْهُما أنهما زوجتا نبيَّينِ من أنبياءِ الله عظيمَيْنِ وهما نوحٌ ولوطٌ عليهما السّلام.
فليس المرادُ بالخيانةِ هنا الزِّنى وأنّهما كانتا على الفاحشةِ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير (فَخَانَتَاهُـمَا) قال: "ما زنتا، أمّا امرأةُ نوحٍ فكانت تقولُ للنّاسِ إنّه مجنونٌ، وأمّا امرأةُ لوطٍ فكانت تدلُّ على الضيفِ فذلك خيانتُهما" رواه الحاكمُ في المستدركِ وقال "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد".
(1) العنان: السحاب.