بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس التاسع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.

صورٌ من غزوة بدر الكبرى

قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) كثيرًا ما تكون للذكريات آثار عظيمة في حياة الناس فتبعث في نفوسهم الآمال العِراض. ونحن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كلما استعرضنا ذكريات رمضان نشعر بعزة المجد ونحس بحلاوة النصر العظيم الذي حققه المسلمون الأوائل بفضل الله العظيم في أول مواجهة عسكرية بين أهل التوحيد والحق والخير وبين أهل الشرك والباطل والشر.

كان ذلك في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للعام الثاني للهجرة حيث كان قد فرض الله الجهاد على المسلمين وأذن لهم في دفع الظلم. قال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله).

كان جيش المسلمين قليل العدد ضعيف العدة. وكان المسلمون قد خرجوا على أمل الاستيلاء على قافلة لقريش كان يحرسها نحو ثلاثين أو أربعين رجلًا من المشركين. وعندما أحس هؤلاء بخروج الرسول مع أصحابه للاستيلاء على "عيرهم" أرسلوا بطلب النجدة من قريش فأجابوهم طلبهم.

صورة مشرقة وموقف عظيم:

إزاء هذا الأمر الطارئ استشار الرسول الأعظم أصحابه فأدلى أبو بكر وعمر بن الخطاب والمقداد بن عمرو رضي الله عنهم بمشورتهم وكان ذلك تعبيرًا عن موقف المهاجرين واستعدادهم. وأراد الرسول أن يطلع على موقف الأنصار فوقف سعد بن معاذ وقفته العظيمة قائلًا: "ولقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضِ لما أردن فنحن معك. فوالذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخُضناه معك وما تخلّف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا. وإنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك فَسِرْ بنا على بركة الله".

فلما سمع النبي هذه الكلمات تهلل وجهه بالسرور وقال: "سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين (غُنم القافلة أو غنم المعركة) والله لكأني انظر إلى مصارع القوم".

صورة مشرقة أخرى:

ولقد ضرب رسول الله صلوات الله عليه وسلامه أروع الأمثال في تطبيق مبدأ الشورى وفي تقبل النصح من ذوي الخبرة والرأي. فقد نزل عليه الصلاة والسلام في مكان قد اختاره ليواجه به قريشًا. وكان الحُبَابُ بن المنذر عليمًا وخبيرًا بأسرار المكان فقال "يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هذا الرأي والحرب والمكيدة" فأجابه الرسول "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال الحُبَابُ: "يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزلُ ثم نُعَوِّرُ ما وراءه من القُلُب (أي نردم آبار الماء المتبقية) ثم نبني عليه (أي على بئرنا حوضًا) فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا". ولقد أُعجب الرسول عليه الصلاة والسلام برأي الحُبابُ لما فيه من الصواب والحنكة وأخَذَ به.

وإن في مقابلة الحُباب هذه ما يبرز صورة الإذعان الكامل والاستعداد للتطبيق بلا تردد ولا تحفظ لكل ما أمر الله به.

صورة مشرقة:

قال الله تعالى: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت أقدامكم) لقد جاء المدد الرباني والعون الإلهي فقد أرسل الله عليهم نعاسًا يريح أعصاب المسلمين ويشعرهم بالأمان والاطمئنان ويدعم ثقتهم ويقينهم في نصر الله. وأنزل عليهم مطرًا من السماء يتطهر به جنود الله في الأرض فيُذهِب عنهم رجز الشيطان ويثبت أقدامهم لأن الرمال الناعمة تعوق الحركة والخفة والكر والفر فإذا ما نزل عليهم المطر تجمدت بعض الشيء فتثبت الأقدام ولا تغوص في الرمال.

صورة أخرى:

قال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى وليطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) ويأتي العون الأكبر بمشاركة فعلية من الملائكة بمساندتهم لجنود الله في الأرض بعد أن التجأوا إلى ربهم يلتمسون عونه ويطلبون نصره. وانجلت المعركة عن نصر مؤزر من عند الله لعباده المجاهدين المخلصين.

أخي المسلم، ادع الله قائلًا: اللهم مُنزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب انصرنا على من عادانا واصلح لنا شأننا ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.