بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس السابع والعشرون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.

من أخلاق الرسول: كظم الغيظ وصلة الأرحام

قال الله تعالى في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (وإنك لعلى خلق عظيم).

وروى البخاري من حديث عائشة في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم "كان خلقه القرآن" أي من أراد أن يعرف خُلُق الرسول فليقرأ القرآن وليفهمه، فكل خصلةِ خير أمر الله في القرآن بالتخلق بها فيه من خُلُقِ الرسول ومن الأخلاق التي جاء بها القرآن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى وكفُّ الأذى عن الغير.

وروى البخاري من حديث أنس بن مالك قال في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان أحسنَ الناس خَلْقًا وخُلُقًا".

وأخرج أبو بكر اللآل في كتابه "مكارم الأخلاق" أن النبي قال "كنت بين شر جارين عُقبة بن أبي معيط وأبي لهب كانا يرميان بما يخرج من الناس على بابي" أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحمل أذاهما مع أنه أشجع خَلْقِ الله على الإطلاق. وقد أُوتِي من القوة البدنية قوة أربعين رجلًا. ومع ذلك كان العفو خلقَه والصبرُ شيمتَه وتحمل الأذى من الغير حالَه ودأبَه. وقد قال الحبيب المصطفى "ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسنٍ فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء" قال الترمذي حديث حسن صحيح. وحسن الخلق عبارة عن تحملِ أذى الغير وكفِ الأذى عن الغير وبذل المعروف.

نشأ الرسول عليه الصلاة والسلام يتيمًا لم يجالس الحكماء إلى أن نزل عليه الوحي. وقد جمّله الله بأحسن الأدب وأحسن الخُلق. ولقد كان الرسول موفقًا في تصرفاته بتوفيق الله. وكان طاهرَ القلب خالصَ الطويّة سليمَ السريرة.

كان أحد أحبار اليهود من أهل المدينة يسمى زيد بن سعية قد اطلع في بعض الكتب القديمة أن نبي آخر الزمان لا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حلمًا. فأراد هذا الحبر اليهودي، بعد أن هاجر الرسول إلى المدينة، أن يعرف إن كان هذا الوصف ينطبق على الرسول فعامل الرسولَ بدينَ مؤجلٍ لأجل معلوم، ثم قبل أن يحلّ الأجلُ بثلاثة أيام جاء اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مطالبًا بالدّين ونال من الرسول بكلمةٍ تهز المشاعر فأراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينتقم منه وكاد أن يبطش به فيقتله فنهاه الرسول الحليم الصبور. عندما علم اليهودي أن سيدنا محمدًا هو رسول الله وأنه نبي آخر الزمان فنطق بالشهادتين.

كظم الغيظ:

عن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كظَمَ غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفِذه دعاه الله سبحانه على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.

أخي المسلم، إذا أساء إليك إنسان أو جَرَحك بكلمة أو مسبة فكظمت غيظك وكنت قادرًا على أن تنفذه فإن الله يُخيِّرك من الحور ما تشاء يوم القيامة. فلتكن واسع الصدر متسامحًا كثير الصفح فالعفو من شيم الكرام.

الخصال الثلاثة:

وقد روى البيهقي في كتاب "الأدب" الذي هو مؤلّف في بيان مكارم الأخلاق، أن رسول الله قال لعُقبة بن عامر لما سأله: ما النجاة يا رسول الله؟ قال: "تصلُ من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" هذه الخصال الثلاث العظيمة كانت من أوصاف الرسول وأخلاقه. والخصلة الأولى في قوله "تصل من قطعك" أي أن للرَحِم حق الصلة. والرَحِم هم الأقارب من جهة الأم والأب.فلا يجوز للمرء أن يقطع من تجب عليه صلته من الأقارب بحيث يشعر بالجفاء ولو قطع هذا القريب زيارته. والصلة الكاملة للرحم هو أن يصل المرء من قطعه من الرحم فلا يقول "هذا رحمي لا يزورني فلا أزوره" لا يجوز له أن يقابل القطيعة بالقطيعة بل يجب عليه أن يقابل القطيعة بالصلة. وإن من أسباب التفكك في بعض المجتمعات قطع الأرحام بحيث يقول البعض "إذا لم يزرني عمي فلن أزوره" وتقول المرأة "إذا لم تزرني ابنة خالتي فأنا لست مستعدة للتنازل لزيارتها". إن زيارة الأقارب الذين لا يزورونك ليست مهانة ومذلة بل خصلة خير وعمل طاعة.

والخصلة الثانية في قوله "وتعطي من حرمك" أي ينبغي للمؤمن أن يعطي مما رزقه الله فهذا من الكمال.

والخصلة الثالثة في قوله: "وتعفو عمن ظلمك". قال تعالى: (خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين).

وروى ابن حبان بالإسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديدُ من غلبَ الناسَ ولكن الشديدَ من غلبَ نفسَه" إن الشديد هو الذي يغلب نفسه ويتمال أعصابه.

ولا أدب أحسنَ من أدبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزاه الله عنا أحسن الجزاء. فإن تعويد النفس على تحمل أذى الغير يكون وسيلة إلى الدرجات العلى. ومن كفّ نفسه عند الغضب حفظ نفسه ووقاها. فكم من جريمة سببها الغضب وكم من قطيعة رحم بين الإخوة والأقارب سببها الغضب. وكم من الخلافات والمنازعات سببها عدم كف النفس عند الغضب. وإن أخطر ما يقع فيه الإنسان في حالة الغضب هو الكفر كهؤلاء الذين لا يتورعون عن مسبة الله لمجرد إن خالفته زوجته في أمر ما أو لمجرد أن عصاه ولده ولم ينفذ له أوامره. قال الإمام النووي في كتابه "روضة الطالبين": "لو غضب رجلٌ على ولده أو غلامه فضربه ضربًا شديدًا فقال له رجل: ألست مسلمًا: فقال ل متعمدًا كفر" ومعنى "متعمدًا" أي بإرادته ولو كان غاضبًا. نصّ على ذلك غيره من شافعية وحنفية ومالكية وغيرهم.

أخي المسلم، إذا واجهتك مشكلة في حياتك اليومية في بيتك أو في عملك أو في الشارع أو في أي مكان آخر فلا تغضب لنفسك واكتم غيظك وصن لسانك عن بذيء الكلام واعفُ عمن ظلمك. وكن متسامحًا لين الجانب، ولا تكن فظًا غليظ القلب. قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب).

اللهم إنا نسألك التُقى والنَقى والعفافَ والغِنى. ونسألك أن تجعلنا من عبادك المتخلقين بأخلاق نبيك المصطفى وشمائِله العظيمة.