بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد طه الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم في بيان عظيم ما أيد به المصطفى صلى الله عليه وسلم (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) في هذه الآية نصٌ صريح على معجزة الإسراء التي حصلت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والإسراء معناه السير ليلًا أي الانتقال فالرسول عليه الصلاة والسلام انتقل حقيقة بالجسد والروح معًا من مكة المكرمة من بيت أم هانئ والتي هي أخت عليٍ رضي الله عنهما وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في بيتها مع عمه حمزة ومع أخيها جعفر ثم الرسول عليه الصلاة والسلام جاءه جبريل ومعه البراق والبراق دابة من دوابّ الجنة هذه الدابّة خلقت في الجنة لكن تلك الليلة جبريل عليه السلام أخذ هذا البراق من الجنة تكريمًا وتشريفًا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم جاء إلى بيت أم هانئ قال الرسول عليه الصلاة والسلام وفرج سقف بيتي أي البيت الذي أنا فيه،

جبريل رفع السقف ولم يتهدم عليهم هذا البيت لأننا هنا نتكلم عن معجزة وأخذ الرسول عليه الصلاة والسلام من بين حمزة وجعفر وكان البراق مع جبريل فقال جبريل اركب أي قال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأراد الرسول أن يركب قال صلى الله عليه وسلم فاستصعبت عليّ هذه الدابة البراق ما معنى فاستصعبت عليّ، ليس معنى ذلك أنها نفرت من الرسول أو خافت وفزعت منه لا، إنما معنى فاستصعبت عليّ أي أن البراق اهتز من الفرح والدلال لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي سيركب عليه ثم طلع الرسول عليه الصلاة والسلام على البراق وانطلق به جبريل في رحلة الإسراء والمعراج، إذًا الانطلاق كان من مكة المكرمة من المسجد الحرام وسمي بالمسجد الحرام لحرمته ولشرفه على باقي مساجد الأرض ولما خُصّ به من الأحكام مما ليس لغيره من المساجد كان الرسول في مكان قريب من مسجد الكعبة،

وهذه المنطقة كلها يقال لها مكة أو الحرم لأنه كان داخل الحرم، وفي هذه الآية (سبحان الذي أسرى بعبده) ورد في بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الدرجة الرفيعة في المعراج أوحى الله إليه بما تحب أن أشرفك فقال بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية، فأنزل الله عزّ وجلّ (سبحان الذي أسرى بعبده) وسبحان تنزيه لله سبحانه يعني نحن ننزه الله عند قولنا سبحان الله أو قول المسلم سبحان الله معناه أنزّه الله عن ما لا يليق به، والله يعظم نفسه ينزه نفسه عن كل صفات المخلوقين والله عالم الغيب والشهادة سبق في علمه أن من الناس من سيكذب على الله وينسب له المكان والشكل والقعود والجلوس والحجم فنزّه نفسه عن كل ذلك، قال (سبحان الذي أسرى بعبده) وشرحنا معنى الإسراء ثم العبد هنا هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهذا بإجماع الأمة والرسول عليه الصلاة والسلام له صفاتٌ كثيرة وله ألقابٌ عديدة وأسماءٌ مشهورة فلماذا قال الله بعبده،

لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية في تعظيم الله وقلبه صلى الله عليه وسلم حوى من تعظيم الله ومحبته وخشيته ما لم يحوه قلب مخلوق قط، ففي هذا تشريفٌ للرسول على سائر العباد فهو صلى الله عليه وسلم المقصود في هذا الموضع بإجماع الأمة، ثم ما الذي حصل في الإسراء والإسراء كان على البراق كما شرحنا وهو في الأرض، عندما انطلق الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة حصلت معه أمورٌ في الأرض في الإسراء من هذه الأمور أنه صلى الله عليه وسلم وصل إلى مكانٍ يقال له الطور هذا الجبل المبارك الذي كان موسى عليه الصلاة والسلام عنده في الأرض عندما سمع كلام الله الذاتي الذي ليس حرفًا وليس صوتًا وليس لغةً ليس مبتدأ ليس مختتمًا بلا فم ولا لسان ولا أسنان ولا اصطكاك أجرام ولا انسلال هواء ولا مخارج حروف،

ليس ككلام الإنس ولا الجن ولا الملائكة لا باللغة العربية ولا بالسريانية إنما كلام الله الذاتي كسائر صفاته لا تشبه صفات المخلوقين وأما القرآن الحرف اللفظ المنزّل من اللوح المحفوظ على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو عبارة دليل يدل على الكلام الذاتي ليس هو عين الكلام الذاتي إنما هو عبارة تدل على ذلك الكلام الذي لا يشبه كلام المخلوقين وهنا أيها السادة انتبهوا جيدًا موسى عليه السلام هو كان في الأرض،

أما الله لم يكن متحيزًا في الطور لم يكن حالًا في الجبل ولا حلّ في سمع موسى إنما الله تعالى رفع الحجاب المعنوي عن سمع موسى فسمع الكلام الذاتي الذي لا يشبه كلام المخلوقين وهذا الجبل الطور في الأرض وأما الله فموجودٌ أزلًا وأبدًا بلا جهةٍ ولا مكان، وهذا جبلٌ مبارك فهذا مما حصل مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء وفي الإسراء مر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيت لحم وهو المكان الذي وُلد فيه عيسى عليه الصلاة والسلام في بيت المقدس في فلسطين هذا الموضع الذي وُلد فيه عيسى عليه الصلاة والسلام ماذا حصل هناك جبريل عليه السلام قال له انزل فصلِّ هنا ركعتين، وكان كل موضع يصل إليه يقول له صلِّ هنا، وهنا دليلٌ لأهل الحق دليلٌ لأهل السنة والجماعة على الاعتناء بالأماكن المباركة ومعرفة هذه الأماكن ودليلٌ لأهل السنة والجماعة على السفر أو الرحيل إلى الأماكن المباركة،

وإلا فكيف مر الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الرحلة العظيمة المباركة الشريفة لهذا الموضع وعلى هذا الموضع الذي وُلد فيه عيسى ومحمد أفضل من عيسى عليهما الصلاة والسلام من هنا استدل أهل السنة والجماعة على جواز التبرك بالأماكن التي وُلد فيها الأنبياء أو صلى فيها الأنبياء أو وصل إليها الأنبياء أو قعد فيها الأنبياء، وهنا انتبهوا أحبتي جيدًا إذا كان الموضع الذي وُلد فيه عيسى عليه الصلاة والسلام له هذه الأهمية وهذه العناية أن الرسول ذهب إليه وصلى فيه فكيف الموضع الذي وُلد فيه محمد صلى الله عليه وسلم أو كيف المواضع التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أو وصل إليها أو قعد فيها إذًا هذا دليلٌ فعلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبرك بآثار الأنبياء والأولياء والصالحين، وعيسى المسيح عليه الصلاة والسلام نبيٌ رسولٌ جاء بالإسلام وأمر بتوحيد الله وعبادته دعا إلى عبادة الله وحذر من الشرك والكفر والضلال.