بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الرابع والسبعون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام الصابرين والمجاهدين.

الجهاد في سبيل الله من الواجبات الدينية

قال الله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص) (سورة الصف).

وعن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجنة تحت ظلال السيوف فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله يقول: قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: اقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه وألقاه ومشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل. رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

إخوة الإسلام إن الجهاد هو الدعاءُ إلى الدين الحق والقتالُ لمن امتنع وتمرد عن القبول إما بالنفس أو بالمال.

والجهاد قبل النفير تطوع، وبعد النفير يصير فرض عين. ومعنى النفير أن يُخبر أهل المدينة أن العدو قد جاء يريد أنفسكم وذراريكم وأموالكم فإذا أخبروا على هذا الوجه افترض على كل من قدر على الجهاد من أهل تلك البلدة أن يخرج للجهاد.

والجهاد من شروطه البلوغ والعقل والحرية والصحة والطاقة ولا يشترط لوجوبه وجود خليفة للمسلمين فلا يترك الجهاد لفقدان الخليفة بل يجوز الجهاد بدون إذن الإمام ولا سيما إذا كان الخليفة متهاونًا.

الجهاد فريضة عظيمة لحماية ونشر الدين

والمقصود بالجهاد حمايةُ أهل الإسلام من أن يُفتنوا عن دينهم ونشرُ الإسلام ليدخل فيه الناسُ وذلك هو الانتهاء المذكور في قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) (سورة البقرة). وليس معناه الكف عن الحيلولة بين المسلمين وبين الدعوة إلى الإسلام فلا يجوز قول أن الجهاد فرض في حال الدفاع عن النفس والديار فقط كما ادعى بعض العصريين في مؤلفاتهم فإن ذلك مخالف لمعنى الآية وللحديث المتواتر "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" رواه البخاري ومسلم.

فالحاصل أن القول بأنه لا يجوز الجهاد إلا على وجه الدفاع فقط فهو خروج عن القرآن والحديث وإجماع الصحابة ومن بعدهم وأكبر دليل على ذلك أن الصحابة واصلوا جهادهم بعد وفاة رسول الله حتى امتدت فتوحاتهم في نحو خمس عشرة سنة إلى طنجة غربًا وإلى الصين شرقًا.

فإذا عُرف هذا ظهر أن من أنكطر شرعية فرضية قتال المسلمين للكفار في حال الاستطاعة راد للنصوص الشرعية ورد النصوص كفر كما قال النسفي في كتاب العقيدة النسفية.

تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)

وأما قول الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة). فالمراد أن العباد لا يقدرون على هداية قلوب الناس وإنما عليهم الدعوة والبيان والجهاد وأن الله تعالى هو القادر على خلق الاهتداء فيجعلها مذعنة قابلة للحق وذلك معنى قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) سورة يونس. المراد أن الله شاء أن يخلق الاهتداء في قلوب جميع الناس لاهتدوا وأما أنت يا محمد فلا تستطيع ذلك. وقد ثبت أن الخليفة الراشد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حارب المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول ولم يدعهم وشأنهم.

فإذا وضح وجه الصواب تبين فساد قول بعض المحرفين بحمل آية (لا إكراه في الدين) على إلغاء الجهاد لنشر الدعوة وقولهم أن الإسلام يسمح لكل إنسان أن يدين بأي دين يراه ويرتضيه، كيف يقول ذلك ذو عقل يدّعي الإسلام والله يقول: (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدينُ لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) البقرة. ويدل أيضًا دلالة واضحة على ثبوت الإكراه على الإسلام بالقتال ونحوه ما اتفق عليه الصحابة في قتالهم أهل الردة في عهد أبي بكر وما ثبت من قتل الإمام علي للزنادقة الذين عبدوه بإحراقهم بالنار بعد استتابتهم ثلاثة أيام وإصرارهم على قولهم: "أنت ربنا وخالقنا ورازقنا حتى قال علي رضي الله عنه: "إني إذا رأيتُ أمرًا منكرًا أججتُ ناري ودعوت قنبرًا.

ضرورة سد الثغور الإسلامية بالمجاهدين

ثم لا ينبغي أن يخلى ثغر من ثغور المسلمين ممن يقاوم العدو في قتالهم، وإن ضعف أهل الثغور وخيف عليهم فعلى من وراءهم من المسلمين أن ينفروا إليهم الأقرب فالأقرب وأن يمدوهم بالعدة والسلاح ليكون الجهاد قائمًا فقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" رواه البخاري.

أخي المسلم، الصهاينة وأعوانهم قد دمروا بيوتنا وهتكوا اعراضنا وما زالوا قابعين فوق صدورنا متغطرسين ومتحدين فهل من مدافع عن كرامة المسلمين وهل من مجاهد بنفسه يصد جحافل الكافرين ويرد عدوانهم الأثيم وهل من مجاهد بمالية يمد المجاهدين مما أنعم الله عليه من المال الوفير. إن الجهاد فريضة عظيمة وحسبنا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" رواه البخاري.

اللهم اغفر لنا وارحما وعافنا وارزقنا الشهادة في سبيلك فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة.