بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد، لله تعالى، تفسير سورة فاطر، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاثا ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) اعلموا إخوة الإيمان والإسلام، أن سورة فاطر هي سورة مكية، وهي خمس وأربعون آية الحمد لله حمد ذاته تعليمًا وتعظيما،
فاطر السموات أي مبتدئها ومبتدعها، قال ابن عباس رضي الله عنهما ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي ابتدئتها، والأرض جاعل الملائكة رسلا، أي إلى عباده، وفي هذه الآية دليلٌ على أن سيدنا جبريل وغيره من الملائكة ينزلون بالوحي، فالنبي يأخذ الشرع من جبريل ومن غيره، أولي أجنحة أي ذوي أجنحة جمع جناح، مثنى وثلاثا ورباع صفات لأجنحة، والمعنى أن الملائكة طائفة أجنحتهم اثنان اثنان أي لكل واحد منهم جناحان، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، ولعل الثالثة يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهم بقوة، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة، يزيد في الخلق أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره، ما يشاء،
وقيل هو الوجه الحسن والصوت والحسن والشعر الحسن والخط الحسن والملاحة في العينين، والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي وذلاقة في اللسان ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك، وظاهره هذه الآية يقتضي أن عدد الملائكة يزداد إن الله على كل شيء قدير، أي قادر، ما يفتح الله للناس من رحمة، كأنه قال من أية رحمة، رزق أو مطر أو صحة أو غير ذلك، فلا ممسك لها فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها، وما يمسك يمنع ويحبس فلا مرسل له، أي لا مطلق له من بعده من بعد إمساك قال ابن جزي فمعنى الآية لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله هو العزيز أي الغالب القادر على الإرسال وعلى الإمساك الذي لا يُغلب،
الحكيم الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه، يا أيها الناس قال المفسرون الخطاب لأهل مكة، اذكروا باللسان والقلب نعمة الله عليكم، وهي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه، وزلفة لديه، وزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق والمعنى تذكير بنعم الله وإقامة حجة على المشركين كما قال ابن جزي، ثم نبه على رأس النعم وهو توحيد الله المُنعم بقوله هل من خالق غير الله، أي لا خالق إلا الله، يرزقكم من السماء، أي بالمطر، والأرض بأنواع النبات، لا إله إلا هو فأنى تؤفكون، أي بأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك، قال ابن عطية، ذكرهم الله تعالى بنعمة الله عليهم في خلقهم وإيجادهم ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله هل من خالق غير الله،
أي فليس إله إلا الخالق، لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، فدين الله هو أن الله تعالى خالق كل شيء، كما قال عز وجل (هل من خالق غير الله) هذا دين الله، أنه لا أحد يخلق عينًا أي جرمًا من الأجرام ولا حركة ولا سكونًا إلى الله، إنما الحركات والسكنات منها اختيارية ومنها اضطرارية فالاختيارية العبد يكتسبها اكتسابا، لا يخلقها بل الله يخلقها، أنا الآن إذا رفعت يدي أكون باختياري رفعتها ما أنا خلقتها لهذه الحركة ليس أنا الله خلقها، إنما أنا أكتسبها اكتسابًا، أي أوجه قصدي نحو ذلك والله خلقها فيّ، وهكذا كلام الذي نتكلمه بإرادة وكذلك اللمح الذي نلمحه، والطرف الذي نطرفه، والخطوة التي نخطوها، وكذلك الحركات الباطنة الخواطر والنوايا والإدراكات والعلوم،
كل ذلك الله خالقه فينا، نحن لا نخلقه، هذه عقيدة أهل الإسلام من الصحابة إلى التابعين وأتباع التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى عصرنا هذا، الله تعالى أطلق هذه الآية إطلاقا، ولم يقيدها بالأجسام ولا بالأعمال ولا بالخير دون الشر، فأفهمتنا الآية أن الله تبارك وتعالى هو خالق الأجسام الصغيرة والكبيرة من العرش وهو أكبر جرمٍ خلقه الله إلى الذرة وهي أصغر ما يمكن للإنسان أن يراه بعينه، وأنه هو خالق الحركات والسكنات والنوايا والإدراكات والعلوم، كل ذلك الله خالقه لا خالق سواه، هكذا تعطي هذه الآية، وسبحان الله والحمد لله رب العالمين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأكرمنا برؤية وجه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.