بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد ما زلنا معكم أيها الأحبة في رحاب تفسير القرآن الكريم وتفسير سورة فاطر، يقول الله تبارك وتعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجًا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحمًا طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) قوله سبحانه من كان يريد العزة فلله العزة جميعا أي العزة كلها مختصة بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة،

وكان الكافرون يتعززون بالأصنام كما قال تعالى (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا) ثم عرف أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) أي أن الكلم الطيب كقول لا إله إلا الله يصعد إلى محل كرامته وهو السماء، والعمل الصالح يرفعه، أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح وهذا منطبق ومنسجم مع الآية المحكمة ليس كمثله شيء، هذا من المتشابه الذي يعلم معناه الراسخون في العلم فالكلم الطيب هو كلا إله إلا الله والعمل الصالح يشمل كل عمل صالح يتقرب به إلى الله كنحو الصلاة والصدقة وصلة الرحم، المعنى كل ذلك يصعد إلى الله أي يتقبله هذا ليس فيه أن الله له مكان متحيز يتحيز فيه ويسكنه،

فالسماء محل كرامة الله، أي المكان الذي هو مشرف عند الله لأنها مسكن الملائكة، والله لا يحتاج إلى السماء ولا إلى العرش، هو أزلي أبدي وكماله أزلي أبدي لا يزيد ولا ينقص، منزه عن الجهة والمكان وعن كل صفات المخلوقين، والذين يمكرون السيئات، يمكرون معناه يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون كما قال ابن عطية، والمراد مكر قريش به عليه الصلاة والسلام، حين اجتمعوا في دار الندوة كما قال الله تعالى (وإذا يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك) وذلك أن قريشًا لما أسلمت الأنصار خاف أن يتفاقم أمره عليه الصلاة والسلام، فاجتمعوا في دار الندوة، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخٍ وقال أنا شيخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعك فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيًا ونصحا،

فقال أبو البختري رأيي أن تحبسوه في بيتٍ وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوة تلقوه إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به، ريب المنون، فقال إبليس بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم، فقال هشام بن عمر، رأيي أن تحملوه على جملٍ وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم، فقال إبليس بئس الرأي، يفسد قومًا غيركم ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهلٍ لعنه الله أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلامًا وتعطوه سيفًا فيضربوه ضربة رجلٍ واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلب الدية دفعناها واسترحنا، فقال إبليس اللعين صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا، فتفرقوا على رأي أبي جهلٍ مجمعين على قتله،

فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن له الله في الهجرة، فأمر عليًا في مضجعه وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمرٌ تكرهه وباتوا مرتصدين له، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليًا فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتفى أثره فأبطل الله مكرهم، ثم قال الله تعالى (لهم عذابٌ شديد) في الآخرة ومكر أولئك هو يبور، أي ومكر أولئك الذين مكروا هو خاصة يبور ويبطل دون مكر الله بهم، حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، والله خلقكم أي خلق أباكم من تراب ثم أنشأنكم من نطفة ثم جعلكم أزواجا، أصنافًا أو ذكرانًا وإناثا، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه،

أي إلا معلومة له، وما يعمر من معمّر وما يعمر من أحدٍ وإنما سماه معمرا بما هو صائر إليه، ولا يُنقص من عمره إلا في كتاب، يعني اللوح أو صحيفة الإنسان، أي يكون تأويل الآية، أنه يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يومٌ ذهب يومان، حتى يأتي على آخره، فذلك نقصان عمره، وعن قتادة المعمر من يبلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، إن ذلك أو إحصاءه أو زيادة العمر ونقصانه على الله يسير أي سهل، وما يستوي البحران هذا أي أحدهما عذبٌ فرات شديد العذوبة، وقيل هو الذي يكسر العطش، سائغ شرابه مريء وسهل الانحدار بعذوبته، وبه ينتفع شرابه، وهذا ملحٌ أجاد شديد الملوحة، وقيل هو الذي يحرق بملوحته قال ابن عطية هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقلٍ ويقطع أنها مما لا مدخل لصنمٍ فيه،

والقصد بالآية التنبيه على قدرة الله ووحدانيته وإنعامه على عباده، كما قال ابن جزي ومن كل واحد منهما، تأكلون لحمًا طريا، وهو السمك، وتستخرجون حلية تلبسونها وهي اللؤلؤ والمرجان، وترى الفلك فيه، في كل مواخر يشقون للماء بجريها يقال مخرت السفينة الماء أي شقته لتبتغوا من فضله من فضل الله ولعلكم تشكرون، أي تشكرون الله على ما آتاكم من فضله، وضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطاءه وسبحان الله والحمد لله رب العالمين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أكرمنا برؤية سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.