بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثامن عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.

بركةُ التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين

قال الله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).

الأنبياء هم أعظم الخلق وكلهم جاؤوا بالدين الحق، ومرتبتهم أعلى المراتب ودرجتهم في أعلى عليين. بعثهم الله بالنور والهدى ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. وحقهم على الناس أن يؤمنوا بهم جميعًا دون أن يكذبوا بعضهم، ولهم أيضًا على الناس أن يناصروهم وأن يعظموهم كما أمر الله. مع العلم أن الله فضّل بعض الأنبياء على بعض، وأعظمهم عند الله وأحبهم إليه هو سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه الذي جاء مصدِّقًا لما بقه به إخوانه الأنبياء.

هو محمد رسول الله بن عبد الله، خاتم رسل الله لا نبي بعده. وهو بشر ولكنه أفضل البشر، دعا إلى عبادة الله ونهى عن عبادة غيره، أمر بتوحيد الله وحذّر من الإشراك به.

قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) والعبادة التي هي حق الله على عباده هي نهاية التذلل. فلا يجوز أن يتذلل العبد نهاية التذلل لغير الله. ومن عبد غير الله فقد أشرك وضلّ سواء السبيل.

جواز التبرك وفضيلته

وأما التبرك بالصالحين أحياء وأمواتًا على الوجه المشروع لا يكون إشراكًا. ومجرد النداء لحي أو ميت أو مجرد تعظيمه وهو في قبره لا يكون إشراكًا. فإذا قال المسلم "يا أنبياء الله أغيثوني" أو "يا أولياء الله أغيثوني" أو وقف عند قبر نبي أو ولي وسأل الله بجاه هذا الني أو الولي لا يكون مشركًا لمجرد هذا ما دام يعتقد أن الله هو الضار والنافع على الحقيقة، ويعتقد أن الشفاء بإذن الله وأنه لا يحصل شيء فيالعالم إلا بمشيئة الله. وكذلك لو قال المسلم "يا رسول الله" فإنه لا يكون مشركًا لأنه لا يعبد الرسول بل يعبد الله وحده.

أدلة عظيمة باهرة على جواز التبرك

والأدلة على جواز التبرك بالنبي أو الولي كثيرة لا تسعها نشرة واحدة منها:

1 – ثبت عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو من رؤوس السلف الصالح، أنه قال "ويُستحب التوسل برسول الله عند القحط".

2 – وأخرج الطبراني عن عثمان بن حنيف أنه قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال له الرسول "إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك" فقال "يا رسول الله أنه شق عليّ ذهاب بصري وأنه ليس لي قائد" فقال له "إيت الميضأة فتوضأ وصل ركعتين ثم قل هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي (وتسمي حاجتك) لتُقضى لي. ففعل الرجل ما قال. فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر كأنه لم يكن به ضر قط.

وهذا الحديث صحيح وفيه دليل على أن الأعمى توسّل برسول الله في غير حضرته فهل يكون هذا إشراكًا ويسكت عنه النبي! لو كان فيه إشراكٌ لما علّمه الرسول ذلك. حاشاه أن يعلّم الإشراك وهو الذي جاء ليدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده.

3 – وقد ورد في صحيح البخاري ومسلم قصة الثلاثة الذين كانوا قبل أمة سيدنا محمد وقد آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الباب فقالوا أنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. وكان كلما سأل أحدُهم ربّه بصالح عمله انفرجت الصخرة شيئًا لا يستطيعون الخروج منه حتى انتهى الثالث من مناجاة ربه وانفرجت الصخرة من خشية الله فخرجوا يمشون.

فإذا كان التوسل بصالح الأعمال ينفع حال العسر والضيق فما الذي يمنع التوسل بالأنبياء والصالحين ولو بعد موتهم!! لا شيء يمنع. وليس في ذلك مشابهة بالوثنية كما يزعم البعض فكما أنه يجوز للمريض أن يأخذ الدواء طلبًا للشفاء ولا يكون بذلك مشركًا كذلك يجوز طلب الشفاء ببركة الأنبياء والأولياء.

اللهم اجعلنا من المتبركين بآثار أنبياءك وأوليائك وآل بيت حبيبك المصطفى، وثبّتنا على اعتقاد أن الله هو خالق الضرر والنفع وأنه لا يحصل شيء إلا بمشيئة الله.