بسم الله الرحمن الرحيم

حُسْنُ الخُلُق

يقول الله تعالى لنبيه الكريم: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الـجَاهِلينَ) [الأعراف: 199]، هذه الآية جمعت فوائد عظيمة، لأنها جمعت كلّ خُلُقٍ حسنٍ، فمعنى (خُذِ العَفْوَ) أن تأخذ بالعفو عن الظّلمة أي أن تعفو عمّن ظَلَمك، ومعنى (وَأْمُرْ بِالعُرْفِ) أن تأمر بالمعروف وفي ذلك تقوى الله وطاعتُه، وقوله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الـجَاهِلينَ) فيه الحث على الصبر والحِلْمِ وتنزيهِ النفس عن مخالطة السّفيه.

وعن عُقبة بن عامرٍ قال: لقِيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا عُقبةُ بن عامرٍ صِلْ من قطعك وأعطِ من حرمك واعفُ عمّن ظلمَك" رواه أحمد في مسنده. ومعنى "صِلْ من قطعك" أن الرّحِمَ لها حقّ الصّلة، والصّلة الكاملة للرحم هي وصلُ الإنسان رَحِمَهُ التي قطعته والتي لا تقطعُه، فيقابِلُ القطيعة بالصلة، وتكون بمجرد الزيارة أو الإحسان بالمال لمن هو من أهل الضّرورات. ومعنى "أعطِ من حَرَمَك" الحث على إعطاء من لا يعطيك وهو أبلغ من إعطاء من يعطيك، وينبغي للمؤمن أن يتوخى الإعطاء ممّا رزقه الله من الحلال لمن يعطيه ولمن لا يعطيه هذا هو الكمال ومعنى "واعفُ عمّن ظلمك" عدمُ مقابلة الإساءة بالإساءة بل الصفحِ والعفوِ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإن امرؤ شَتَمك بما يعلَمُ فيك فلا تشتُمْه بما تعلَمُ فيه" رواه ابن حبان في صحيحه. فالأفضل مقابلة الإساءة بالإحسان وإن كان يجوز أن يقتصَّ المسلم ممّن ظلمه بالمثل، لكن الكمال هو أن يتجاوز عنه.

الرسول صلى الله عليه وسلم لـمّا فتح مكّة قال للكفار وقد اجتمعوا: "ما تَرَوْنَ أنّي صانع بكم؟" قالوا: "خيرًا، أخ كريم وابنُ أخٍ كريم" قال "اذهبوا فأنتم الطلقاء" رواه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" وهؤلاء كانوا استسلموا ففي هذه الحالة الخليفة يفعل بهم ما فيه المصلحة.

وكان العرب قبل 200 سنة تقريبًا إذا ذهبوا لناحية كذا يعاملون الناس بالصدق والوفاء فيستميلون كثيرًا من الناس إلى الإسلام، هذه أندونيسيا الآن فيها أكثر من 100 مليون مسلم، سبب إسلامهم تجار عرب حضرموت من اليمن، عاملوهم بالصدق والوفاء فرأوا محاسِنَ الأخلاق فأسلموا، هذه البلاد ما دخلها الإسلام بالسّيف.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ أبا القاسم يقول: "خيارُكم أحاسِنُكم أخلاقًا إذا فقِهُوا" رواه أحمد في مسنده. في هذا الحديث حث على حسن الخلق مع التفقه في الدين، إذ حُسن الخلق وحده دون التفقّه في الدين لا يجعل صاحبه راقيًا عند الله مهما بلغ في حُسن الخلق، لأن حسن الخلق مشترك بين المسلمين والكافرين، فكم من أناس كفار يعبدون الأوثان فيهم حسن الخلق. فمن تعلم ما يجب عليه معرفته في دين الله من الاعتقاديات والأحكام وعمل بذلك لكن نقصَهُ حُسن الخلق فذلك يمنعه من كمال الترقي عند الله، لكن نقصانه خفيف بالنسبة لنقصان الأول.

فحسن الخلق إذا اجتمع مع التفقه في الدين فقد صار صاحبهما من خيار المؤمنين، وانطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "خياركم أحاسنكم أخلاقًا إذا فقِهُوا" بعض الناس لا يعرفون مراتب الأمور، يعتقدون أن حسن الخلق هو الأصل حتى قال سليم شيخو "عندي الأخلاق قبل الإيمان" وهو من جماعة رجب ديب.

من لا يتفقه في الدين لا تستقيم أموره، بل يتصور مفاهيم خاطئة فيظُنُّها صحيحة راقية! وحُسن الخُلُق هو مما يُثقِلُ ميزان المؤمن بالحسنات يوم القيامة، لكن شرطه أن يقترن بالتفقه بالدين، فإذا اجتمع مع حسن الخلق التفقه في دين الله فذلك من سَمِيّ الأحوال وأعلى المقامات عند الله.

وقد قال بعض العلماء: ينبغي للمؤمن أن يكون كالشجرة المثمرة تعطي ثمرها لمن يَغبِطُها ولمن يقطَعُها.