بسم الله الرحمن الرحيم
طلَبُ الآخرة والإعراضُ عن الدّنيا
قالَ اللهُ تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ وَإِنَّـما تُوَفَّونَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عِنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الـجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ) [آل عمران: 185]. فقولُ اللهِ عزَّ وجلَّ (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ) وعدٌ منَ اللهِ لكلِّ نفسٍ بالموتِ ووعيدٌ للكافرينَ لأنّهم إذا ماتُوا لاقَوْا الخُسرانَ والحَسْرَة (وَإِنَّـما تُوَفَّونَ أُجُورَكُمْ) جزاءَ أعمالِكم (يَوْمَ القِيَامَةِ) إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ (فَمَن زُحْزِحَ عِنِ النَّارِ) ومَنْ صُرِفَ عنِ النارِ وأُبْعِدَ عنها (وَأُدْخِلَ الـجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) أي نجا وسَعِدَ في الجنَّةِ،
(وَمَا الحيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ) أي ما لذّاتُ الدّنيا وشهواتُها وما فيها من زَخارِفَ إلا مَتاعُ الغُرور، ومتاعُ الغُرورِ يُسْرِعُ إليه الفَناءُ، مَثلُهُ مَثَلُ الزجاجِ الذي يُسرِعُ إليه الكسرُ ولا يُصلِحُه الـجَبْرُ، والعيشُ في هذه الدنيا الفانيةِ يَغُرُّ الإنسانَ بما يتمنّاهُ من طولِ البقاءِ.
وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالَ: "بادِرُوا بالأعمالِ سَبْعًا هل تَنْتظرونَ إلا فقرًا مُنْسِيًا أو غِنًى مُطْغيًا أو مَرَضًا مُفسِدًا أو هَرَمًا مُفنِّدًا أو موتًا مُجْهِزًا أو الدَّجالَ فشرُّ غائبٍ يُنتظَرُ أو السّاعةَ فالسّاعةُ أَدْهى وأَمَرُّ" رواه الترمذيُّ وقال حديثٌ حسنٌ. ومعنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ "بادِرُوا بالأعمالِ سبعًا" سابِقُوا بالاشتغالِ بالأعمالِ الصَّالحةِ قبلَ أنْ تُصيبَكُمْ هذهِ السّبعُ من الأحوالِ الطَّارئةِ الـمُشغِلَة واهتمُّوا بالأعمالِ الصَّالحة، "هل تنتظرون إلا فقرًا مُنسِيًا" لِمَا ينالُ النفسَ منهُ من الغمِّ الذي يَنْشَأُ عنه النِّسيانُ،
إذِ الفقرُ يُنْسِي الإنسانَ مصالحَ دينيّةً كثيرةً لأنَّهُ يشتغلُ بطلبِ الرِّزقِ "أو غِنًى مُطْغِيًا" لصاحبِهِ ومُلْهِيًا له عنِ القيامِ بأنواعِ الطَّاعةِ، فكثيرٌ من النَّاسِ يُمَدُّ بالمالِ والبَنِيْنَ والقصورِ والـمَراكبِ والجاهِ وغيرِ ذلكَ من أسبابِ الغِنى فيَطْغَى ويَسْتَنْكِفُ عن عبادةِ اللهِ.
"أو مرضًا مفسِدًا" للبدنِ مانعًا من أداءِ العبادةِ أو مِنْ كمالِـها، ومِنْ ثَـمَّ وردَ "نعمتانِ مَغْبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاسِ الصِّحةُ والفراغُ".
وقالَ ابنُ عمرَ رضي الله عنهما "خُذْ مِنْ صحّتِكَ لمرضِكَ"، فالمرضُ يُفْسِدُ على الإنسانِ أحوالَهُ، فالإنسانُ ما دام في صحّةٍ تَـجِدُهُ مُنْشَرِحَ الصَّدرِ واسعَ البالِ مُسْتأنِسًا، فإذا أُصِيْبَ بمرضٍ تغيّرَتْ أحوالُهُ فلا يَنْبَسِطُ إلى أهلِهِ، والمرضُ يَنْتظرُ الإنسانَ كلَّ لحظةٍ، كم مِنْ إنسانٍ أصبحَ نشيطًا وأمسَى ضعيفًا مريضًا "أو هَرِمًا مُفنِّدًا" يجعلُهُ يتكلَّم بالـمُنْحَرِفِ من الكلامِ لاختلالِ العقلِ فيُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ.
"أو موتًا مُجهِزًا" غيرَ مُهْمِلٍ، والموتُ يصيبُ الإنسانَ بلا إنذارٍ مُسْبَقٍ فقد تموتُ على فراشِكَ نائمًا أو على كرسيِّكَ عاملًا أو في طريقِكَ ماشيًا فينقطعُ عملُكَ إلا مِنْ صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ يُنْتَفَعُ به أو ولدٍ صالحٍ يدعو لكَ، فبادِرْ إلى العملِ الصَّالحِ قبلَ الموت الـمُجْهِز، "أو الدَّجَّالَ فشرُّ غائبٍ يُنتظَرُ" هو شرٌّ لِـمَا يحمِلُهُ من الفِتَنِ التي لا ينجو منها إلا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ منها، رجلٌ أَعْوَرُ العَيْنِ يُرسِلُ اللهُ عليه عيسى ابنَ مريمَ عليهِ السَّلامُ فيَنزِلُ من السَّماءِ فيَقتلُهُ، ونحنُ في دعائِنا نعوذُ باللهِ من فِتْنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ لأنّهُ فِتنةٌ مِنْ أكبرِ الفِتَنِ التي تكونُ في الدُّنيا.
"أو السَّاعةَ" أي قِيامَها "فالسّاعةُ" أي عذابُها وأُعِيْدَ لَفْظُها لتَفْخِيمِ شأنِـها "أَدْهَى" أعظمُ بليّةً "وأمَرُّ" أشدُّ مَرارةً من عذابِ الدُّنيا وأهوالِـها، وقد قالَ اللهُ تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [القمر: 46].
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما قال: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لرجلٍ وهو يَعِظُهُ: "اغْتَنِمْ خمسًا قبلَ خمسٍ شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفراغَكَ قبلَ شُغلِك، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ". رواهُ الحاكمُ في الـمُستدرَكِ وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشَّيخَيْنِ.
وعنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنه قالَ "حاسِبُوا أنفسَكُم قبلَ أنْ تُـحاسَبُوا، فإنَّهُ أهونُ – أو قال: أَيْسَرُ – عليكُمْ، وزِنُوا أنفسَكُم قبلَ أنْ توزَنُوا، وتَـجهَّزُوا للعَرْضِ الأكبرِ يومَ القيامةِ (يَومَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَـخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة: 18]، وفي رواية "تَزَيّنُوا للعَرْضِ الأكبرِ" (تُعْرَضُونَ لَا تَـخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) رواها السّيوطيّ في "الجامع الكبيرِ".
وقالَ الإمامُ أبو حامدٍ الغزاليُّ: "لا تَكُنْ كالحَمْقى الـمَغْرورينَ الَّذينَ يَفْرحونَ كلَّ يوم بزيادةِ أموالِـهم معَ نقصِ أعمارِهم، فأيُّ خيرٍ في مالٍ يزيدُ وعُمْرٍ يَنْقصُ! ولا تَفْرَحْ إلا بزيادةِ عِلمٍ أو عملٍ صالحٍ فإنَّهما رَفيقاكَ يَصْحَبانِكَ في القبرِ حيثُ يتخلَّفُ عنكَ أهلُكَ ومالُكَ وولدُكَ وأصدقاؤُكَ" ذكرَهُ في كتابِهِ "بدايةُ النِّهايةِ".
وقال الصُّوفيّ أبو سليمانَ الدَّارَانيُّ (ت215هـ) "إذا سَكَنَتِ الدُّنيا القلبَ ترحّلَتْ منهُ الآخرةُ". ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في "البدايةِ والنهايةِ".
عن شُريح بن عُبَيْد أنّ أبا مالكٍ الأشعريّ لـمّا حضرَتْه الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليبلِّغِ الشاهدُ منكم الغائب أني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حلوة الدنيا مُرّة الآخرة، ومرّة الدنيا حلوة الآخرة" رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم "حلوة الدّنيا" لذاتها التي تميل النفس إليها وتهواها "مرّة الآخرة" لأن عقاب الشهوات المحرمة النار "ومرّة الدنيا" أي التكاليف التي تشق على النفس كالجهاد وبذل المال في وجوه الخير وكل نوع يشق على النفس الإتيان به ممّا فيه الأجر هو "حلوة الآخرة" لأنّه يثاب عليه مما يُستَحْلى ويُلتَذُّ به في الآخرة،
فهذا الحديث يُفهِمُنا أن جهنّم محفوفة بالشهوات وأنّ الجنة محفوفة بالمكاره أي بما تستصعبه النفس لأنّ الجنة بينها وبين العباد أداء الواجبات واجتناب المحرّمات ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حُفَّتِ الجنة بالمكاره وحُفّتِ النّارُ بالشهوات" رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك. فليس أعقل الناس من أهمل مصالح آخرته وانشغل عنها بشهوات نفسه، إنما العاقل من سلك طريقًا يقرّب إلى الجنة، وأعظم ما يقرّب إلى الجنة أداء الفرائض الاعتقاديّة والفرائض العمليّة.
وعن شدّاد بن أُوَيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكَيِّسُ من دان نفسه وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجز مَنْ أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله" رواه أحمد في مسنده. فالكيّس أي العاقل الحازم المحتاط في أموره "من دان نفسه" بأن حاسبها قبل أن يُحاسَب يوم القيامة فجعل نفسه دنيّةً مطيعةً لأمر الله، فإن كانت أعماله خيرًا حمد الله وإن كانت شرًّا تاب منها واستدرك ما فاته قبل أن يُحاسَب في العُقبَى، قال تعالى: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر:
18]، والعاجز الذي غلبت عليه نفسُه وعمل ما أمرَتْه به نفسُه فصار عاجزًا لنفسه فأتبعَ نفسَه هواها وأعطاها ما اشتهته فهو ضعيف أمامها "وتمنّى على الله" أي يُذِيبُ ويتمنّى الجنة من غير توبةٍ ولا استغفار، فمثَلُه مَثَلُ من هو قائم على هذه الحال وهو يقول: ربّي كريم، وقد قال عزّ وجلّ: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ) [الانفطار: 6].
عن رَبيعة بنِ كعب الأسلميّ قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيتُه بوَضوئِهِ وحاجتِهِ فقال لي: "سَلْ" فقلتُ: "أسألك مرافقتك في الجنة" قال: "أوْ غيرَ ذلك" قلتُ: "هو ذاك" قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" رواه مسلم في صحيحه. والنبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله لربيعة "سَلْ" أراد أن يكافئه على خدمته له، وعندما سأل مرافقة النبي في الجنة لم يقل له النبيّ صلى الله عليه وسلم فورًا "أنا لها" بل قال: "أوْ غيرَ ذلك" وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم وتأدُّبه مع ربّه، ومعنى "أو غيرَ ذلك": اطلُبْ إن شئت غير هذا من الأمور العاديّة فقال: "هو ذاك" أي طلبي هو هذا، فحثّه رسول الله على الإكثار من الاجتهاد في العبادة.
وعن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لن يشبَعَ المؤمن من خيرٍ يسمَعُه حتى يكون منتهاه الجنّةُ" رواه الترمذي في سننه. فشأن المؤمن أن لا يترك المداومة على الطاعة حتى يكون مآله يوم القيامة دخول الجنة، وأن لا يستصغِرَ شيئًا من أعمال البرّ من الفرائض والنوافل فعن أبي ذرٍّ الغِفاريّ قال: قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِقٍ" رواه مسلم في صحيحه.
فإذا رأيت مسلمًا غريبًا فبششت في وجهه فهذا يسمَّى معروفًا، وعن عمر أنّه استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم في العمرة فقال: "أيْ أُخَيَّ أشرِكْنا في دعائِك ولا تنسَنا" رواه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح، وذلك لأنّ أهل الفضل لا يشبعون من الخير في الدّين.
يقول الله عزّ وجلّ (يَا أيُّها الذينَ آمَنُوا لَا تُـلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ) أي لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عمّا فرض الله عليكم من أمر الدّين، فالمراد بذكر الله هنا طاعة الله الواجبة، وقال بعض المفسرين المراد بذلك الصلوات المفروضات الخمس، وقد ذكر الله الأموال والأولاد لأنّهما أعظم الشّواغل، فأعظم ما يشغل النّاس عن طاعة الله الأموال والأولاد.
وروى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" أنه كُتِبَ على باب دار عُبَيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: (البسيط)
اعمَلْ فأنتَ من الدّنيا على حَذَرٍ *** واعلمْ بأنّكَ بعد الموت مبعوثُ
واعلمْ بأنّك ما قدّمتَ مِن عَمَلٍ *** مُحصًى عليك وما جمّعْتَ موروثُ
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنَّفِهِ عن عَوْنِ بن عبد الله، قال: "ما أحدٌ يُنَزِلُ الموتَ حقَّ منزلتِهِ إلا عبْدٌ عَدَّ غدًا ليس من أجله، كم من مستقبلٍ يومًا لا يستكمله وراج غدًا لا يبلُغه، إنّك لو ترى الأجلَ ومسيرَهُ لأبغضتَ الأمل وغرورَهُ"؟
وقال الله تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَـهِيَ الـحَيَوَان) [العنكبوت: 64]، أي إنّ الجنّة لهي الحياةُ، والمراد لهي دارُ الحياةِ التي لا موت فيها، والحيوان والحياة بمعنًى واحدٍ هنا.
وروى مسلم في صحيحه عن الـمُسْتورِدِ أخي بني فِهْرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدّنيا في الآخرة إلاّ مِثْلُ ما يَجعَلُ أحدُكم إصبعه هذه في اليمّ فلينظر بم ترجعُ" واليمّ البحر، فنسبة تلك إليها كنسبة الماء الملتصق بالإصبع إذا غمسها في البحر، فلينظر بأي شيء ترجع إصبَعُ أحدِكم من ذلك الماء.
وقال العبدريّ – رحمه الله - : "المقصود الأعظم من الحياة الدنيا الاستعداد للحياة الدائمة الأخرويّة".