بسم االله الرحمن الرحيم

زيارة قبور الأنبياء والصّالحين

عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يومًا فوجد رجُلًا واضعًا وجهَهُ على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم فأقبل عليه فإذا هو أبو أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه، فقال جئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آتِ الحجر، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تبكوا على الدّين إذا وليه أهلُه ولكن ابكوا عليه إذا وليه غيرُ أهله" رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخرجَاهُ أي الشيخان. ومروان هو مروان بن الحكم وكان حاكمًا على المدينة من قِبَلِ معاوية ولم يَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر البخاريّ، وأبو أيّوب هو خالد بن زيد رضي الله عنه صحابيّ جليل، ومعنى قوله "نعم" أني أعرف ما أصنع والحديث يدلّ على أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على مشروعيّة زيارة قبر الحبيب صلى الله عليه وسلم خلافًا لزعم الوهابيّة النّافين لذلك، وقولُ أبي أيّوب "ولكن ابكوا عليه إذا وليه غيرُ أهله" يشير إلى أنّ مروان ليس من أهله، أي ليس أهلًا لتولّي الحُكم والإمارة.

وروى البيهقيّ في "دلائل النبوة" بإسناد صحيح عن مالكٍ قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطّاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسْقِ الله لأمّتِكَ فإنّهم قد هلكوا، فأتاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: ائتِ عمرَ فأقرئْهُ السّلام وأخبِرْهُ أنكم مُسْقوْنَ، وقل له: عليك الكيْسَ الكيْسَ، فأتى الرجلُ عمرَ فأخبره فبكى عمرُ ثم قال: "يا ربّ ما آلوا إلا ما عجزتُ عنه". إلى جانب رواية هذا الحديث بإسناد صحيح في "الدلائل" فقد صحّح إسناده ابن كثير في "البداية والنهاية" وفيه أنّ النّاس أصابتهم مجاعة في زمن خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه، بسبب انقطاع المطر عنهم تسعة أشهر،

فجاء رجل من الصحابة يقال له بلال بن الحارث الـمُزَنيّ إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله استسقِ الله لأمتك أي اطلُبْ من الله السُّقيا لهم فإنهم قد هلكوا فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام يكلَمه فقال له: "ائتِ عمرَ فأقرئه السلام، أي سلِّمْ لي عليه، وأخبره أنّكم مُسْقَوْن، أي يُنزل الله عليكم المطر. وقل له: عليك الكيسَ الكيسَ، أي تفكّر فيما ينبغي فعلُه ممّا لم تفعَلْ لتزول هذه النّازلةُ عن المسلمين، فأخبر الرجلُ عمر فبكى عمر وقال:

يا ربُّ ما (لا) آلوا إلا ما عجزتُ عنه أي لا أقصّر ولا أترك إلا ما عجزت عنه(1)، ثم جَمَعَ الناس وأخبرهم بما رأى بلال فقال له بعضهم: أين أنت من الاستسقاء، فجمَعَ الناسَ واستسقى فأنزل الله عليهم المطر كما أخبر النبيُّ بلالًا حتى سُمِّيَ ذاك العام عام الفَتْقِ لكثرة ما نبت من العشب فسَمِنَت المواشي برَعْيِهِ حتى تفتقت بالشحم. وفي الحديث أن هذا الصحابيّ بلالًا قصد قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه سيدنا عمر ولا أحد من الصّحابة، وقول الوهابيّة إنّ مالكًا مجهول يردّهُ أنّ مالكًا عيّنه عمر خازنًا ولا يتخذ عمرُ إلا خازنًا ثقةً، وقد وثقه الحافظ الخليليُّ في كتابه "الإرشاد".

وفي "تحفة ابن عساكر" عن عليّ رضي الله عنه قال: لـمّا رُمِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله عنها ابنةُ رسول الله فوقفَتْ عند قبره صلى الله عليه وسلم وأخذَتْ قبضة من تراب القبر وضعتَ على عينَيْها وبكت وأنشأت تقول: (الكامل)

ماذا على مَنْ شَمَّ تُربَةَ أحمدٍ *** أنْ لا يَشَمَّ مدى الزمانِ غَوالِيَا

صُبَّتْ عليَّ مصائبُ لو أنّها *** صُبَّتْ على الأيَّامِ عُدْنَ لَيالِيَا

فماذا يقول محمد بن عبد الوهّاب وأتباعه الشّاذّون بعد هذا؟! هذا الذي ردَّ عليه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في رسالةٍ سمّاها "فَصْل الخطاب في ردّ على محمد بن عبد الوهّاب"!

وقد حكى العُتبيّ وهو تابعيّ جليل اسمه محمد بن عبد الله قال: كنتُ جالسًا عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابيّ فقال: السلام عليك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي نزل عليك (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيًما) [النساء: 64]، وقد ظلمتُ نفسي وها أنا قد أتيتُك أستغفِرُ من ذنبي(2) ثم أنشد هذه الأبيات:

يا خيرَ من دُفنَتْ بالقاعِ أعظُمُهُ *** فطابَ مِنْ طيبهنَّ القاعُ والأَكَمْ

نفسي الفِداءُ لقبرٍ أنت ساكنُهُ *** فيه العفَاف وفيه الجود والكَرَمُ

أنت الحبيب الذي تُرجى شفاعتُه *** عند الصّراط إذا ما زلت القدمُ

وصاحِباك فلا أنساهما أبدًا *** منّي السّلامُ عليكم ما جرى القلمُ

قال: "ثم انصرف فغلبتني عيناي فرأيتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في النوم" فقال: "يا عتبيّ إلحَق الأعرابيَّ وبشِّره بأنّ الله قد غفر له".

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من زار قبري وجبَتْ له شفاعتي" رواه الدارقطنيّ في سننه، وصحّحه الحافظ تقي الدين السّبكيّ بشواهده، فإنّ احد رواته متكلّم فيه لكن شواهده تعضدُه، وفي "التنوير شرع الجامع الصغير" لمحمد ابن إسماعيل الصّنعانيّ قال: "قال النوويّ في المجموع: ضعيف جدًّا – يقصِدُ أحد رواته – وقال السّبكي: بل حسن أو صحيح، وقال الذهبيّ: طرقه كلُّه ليّنة لكن يتقوّى اهـ. وهذه الشفاعة هي شفاعة إنقاذ من العذاب فالرسول يشفع له كي لا يدخل هذا الزائر النار بذنوبه وكان مستوجبًا لذلك، حتى لو كان عليه مظالم للنّاس. الله يرضيى خصومَهُ في الآخرة بما يعطيهم من خزائنه فلا يُعذَّبُ في القبر ولا في الآخرة، وهذا الفضل ينالُه زائر النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا كانت عقيدته صحيحة ونيته سليمة، ومن فوائد هذه الزيارة أنه تكون له بُشرى بالموت على الإيمان.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جاءني زائرًا لا تُعمِلُهُ حاجةٌ إلاّ زيارتي كان حقًّا عليَّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة" رواه الطبرانيّ في المعجم الأوسط والحافظ أبو عليّ بن السّكن في كتابه المسمّى "السنن الصحاح" مصحّحًا إيّاه.

وأمّا قوله تعالى: (وما يستوي الأحياء والأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور) [فاطر: 22] فليس معناه النّهي عن زيارة قبور الأنبياء والصالحين وليس معناه أن قراءة القرآن عندها لا تنفعُهم وإنما أول الآية يدل ويشير إلى معنى (وما أنت بمسمع من في القبور) فقوله تعالى: (وما يستوي الأحياء والأموات) معناه لا يستوي المؤمنون الأحياءُ في الدّين ولا الأمواتُ في الدين أي الكفّار، إذ المؤمن حيّ بصير بالإيمان والكافر ميّت أعمى بسبب الكفر، ثم قال عزّ وجلّ (إن الله يسمع) أي الإيمان سَمْعَ قبولٍ (من يشاء) من عباده فيهدي من يشاء إلى نور الإيمان ويُضِلّ من يشاء (وما أنت) يا محمّد (بمسمع من في القبور) أي الكفار الذين تخاطِبُهم ولم يشأ الله لهم الهداية فهؤلاء لن ينتفعوا بكلامك كما أن الغالب في أهل القبور لا يسمعون كلام الناس.

شُبّهَ الكافر من الأحياء حين دُعِي إلى الإيمان فلم يسمَعْ سَمْعَ قبولٍ بالميت من أهل القبور الذي غالبُ شأنه أنّه لا يسمَعُ كلام النّاس، فأنت يا محمّد لا تقدِرُ أن تنفع بالمواعظ وبيانِ الحجج من كان ميّت القلب من أحياءِ عبادِ الله ممّن لم يشأ الله له الهداية، هذا معنى الآية.

وكذلك قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) [النمل: 80] وفي الرّوم (فإنك) فمعناه إنك يا محمّد (لا تسمع الموتى) أي الكفّار إذا جُعِلُوا بمنزلة الأموات في سَمْعِ الإيمان، فمثلُهم فيما يدعوهم إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَثَلُ الغالب من الأمواتِ لا يسمَعُون، (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) فالأصمّ إذا ولّى ثم ناديتَه لا يسمعُ الدّعاء وكذلك الكافر إذا تولَّى عن الهُدَى لا يسمَعُ الإيمان إذا دُعِيَ إليه سَمْعَ قبول، فكما إنك يا محمّد لا تقدر أن تسمع الصُّمَّ الذين قد سُلِبُوا السّمع الدعاء كذلك لا تقدر أن توفِّق هؤلاء الذين سلبهم الله فَهْمَ آيات كتابه لسماع ذلك وفَهْمِهِ فلا يَصغون للحقّ ولا يتدبّرونه ولا يُنصتون لقائله،

بل هم معرضون عنه ومُنكِرون القولَ به والاستماع له. وليس معنى الآية أن الميّت في القبر لا يسمَعُ، لأنّ الرسول علّمنا أن نسلّم على أهل القبور المسلمين وأن ندعو لهم فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبَلَ عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفِرُ الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر رواه الترمذي في سننه، فهذا السلام من الرسول عليه الصلاة والسلام ليس للجماد، وهذا السّلام كان شيخنا العبدريّ رحمه الله يردِّدُه.

وعن أنس بن مالك قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولّى عنه أصحابُه إنّه ليَسمَعُ قَرْعَ نعالهم" رواه مسلم في صحيحه، وهذا معناه أنّ الميّت تُرَدُّ إليه الروح فيسمَعُ!

وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا "ما من أحدٍ يمُرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلِّمُ عليه إلا عرفه وردّ عليه السلام" رواه أبو عمر بن عبد البرّ في "الاستذكار" والحافظ عبد الحق الإشبيلي وصحّحه. وهذا الحديث يدلّ على أنّ الزائر متى جاء عَلِمَ به المزورُ وسمع كلامه وأنس به وردّ عليه السّلام، فيُجيبون رادّين السّلام، ولكنا لا نسمعه لأن الله حجب عنا ذلك، وقد قال القائل حاكيًا عن لسان أهل القبور: (الطويل)

تناجيك أجداثٌ وهنّ سكوتُ *** وسكّانُها تحتَ التّرابِ خُفُوتُ

أيا جامعَ الدّنيا لغير بلاغةٍ *** لِمَنْ تجمَعُ الدنيا وأنت تموتُ

وإنّكمُ لـمّا علينا تُسَلِّموا *** نرُدُّ عليكم واللسان صَمُوتُ

وعن أبي طلحة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَرَ يوم بدر بأربعةٍ وعشرين رجلًا من قتلى صناديد قريش فقُذِفوا في طويٍّ من أطواء بدر، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم بعرضتهم ثلاث ليالٍ فلما كان اليومُ الثالث مشى براحلته وتبعه أصحابه حتى قام على فم البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلانُ بن فلان ويا فلان بن فلان أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله(3)، فإنا قد وجَدْنا ما وعدَنا ربّنا حقّا فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقا، فقال عمر بن الخطاب:

يا رسول الله ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمَعَ لِمَا أقولُ منهم" رواه ابن حبان في صحيحه بنحوه. ولكن إذا تأكد الشخص أن الميت بلي جسده فهذا لا يسلم عليه أما إذا لم يتأكد مما أدراه؟ هذا يسلم عليه.

حكى رجل من بلاد الحبشة قال: شابّ من بلدنا ذهب إلى جامعة في المدينة المنورة، جامعة للوهابيّة فتعلّم فيها الكفر والضّلال ثم رجع إلى بلده فقال لأهل بلده: أنتم كفار مشركون لأنكم تزورون القبور، وقال لأبيه: يا وليدي أنت مشرك وأنا ابن زنا فقتله والدُه وقال والده: قتلتُه لأنه كذا وكذا. الوهابية فرقة شاذة عن معتقد أهل السنة والجماعة تدعو إلى تكفير المسلمين وقَتْلِهم.

وقد وصل حقدُ الوهابية على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال أحد رؤوسهم وهو صالح العُصَيْميّ في كتابه المسمّى "بدع القبور" قال في حقّ القبة الخضراء: قال: "استمرار هذه القبة على مدى ثمانية قرون لا يعني أنها أصبحت جائزة، بل يجب على ولاة المسلمين إزالتها، ما لم يترتب على ذلك فتنة أكبر منه وإلا فلوليّ الأمر التريث مع العزم على استغلال الفرصة متى سنحَتْ" لعنه الله(4).

وأمّا الذي يتّخذ السُّرجَ أي المصابيح على القبور فهذا ملعون من أهل الكبائر إن كان يقصد تعظيم صاحب القبر بذلك لأن هذا تشبُّهٌ بعبّاد الأوثان، عُبّاد الأوثان يفعلون هذا عبادةً لأصحاب القبور، هذا المكان الذي يسمّى مقام الخضر في "الكرنتينا" كانت بعض النساء يحمِلْنَ الشّمع ويُشعِلْنَهُ في النّهار ويضعهن هذه الشموع على القبر اتباعًا لعادات النصارى، والمشرفون على ذاك المكان يسكتون لأجل المال. وأما إن أشعل السّراج بقصد أن ينير لمن يقرأ القرآن ليلًا فهذا جائز ولكنه يضع السراج جانب القبر في إحدى زواياه وليس عليه.

وأما زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بنيّة خالصة على اعتقاد سليم فصاحبها له البشر بإذن الله، وهؤلاء الوهابية تحت ما يدّعون من البدع المحرمة يحرّمون زيارة قبره الشريف ولو استطاعوا إزالة القبر لَفعَلُوا كما حاول كثيرمن النصارى ذلك، فقد كان في بلاد الشام في القرن الخامس الهجري سلطان عادل يقال له السلطان نور الدين محمود الشهيد توفي سنة 569هـ، كان حنفيًّا مجاهدًا فتح أكثر بلاد الشام واستنقذها من أيدي الصليبيّين وبعث عساكره إلى مصر لما استنجدوه على الإفرنج ففتح مصر وأزال عنها دعوة العُبَيْديّين من القرامطة الباطنية(5) وأظهر شرائع الإسلام، وكان في أثناء دولتهم الساكن بمصر إن روى حديثًا عن الرسول يُقتَلْ وكانوا يلعنون الصحابة وينادُون:

من لعن وسبّ فله دينار وإردَبّ(6) وبنَوْا مدرسة درّسوا فيها مقالات الفلاسفة والإلحاد. ففي سنة 557هـ رأى هذا السلطان وهو بمصر رؤيا، وكان له وِرْد من الليل يقوم ويصلي وينام فنام ليلةً بعد تهجُّدِهِ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول له: أنقذني من هذين، فاستيقظ فزِعًا فتوضأ وصلى ركعتين ونام فرأى الرؤيا نفسَها أيضًا، فقام فتوضأ وصلى ركعتين ونام، فرأى الرؤيا نفسها، وفي المرة الثالثة قال: لم يبق نوم، فقام في الحال إلى وزيره جمال الدين الـمَوْصِلّي وأخبره بما رأى، فقال له:

حدث شيء بالمدينة أرى أن تكتم ما رأيتَ ونخرجَ الآن إلى المدينة، فخرج بعشرين من القادة ومعه أموال كثيرة، وقبل دخوله المدينة اغتسل ودخل المسجد وصلى في الروضة وزار قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم جلس في المسجد لا يدري ماذا يصنع وقد اجتمع الناسُ إليه، فقال الوزير: إنّ السلطان قد حضر للزيارة وأحضر معه أموالًا لتوزيعها على سكان المدينة فاكتبوا من عندكم وأحضِروا أهل المدينة، فحضر الناسُ وجعل يوزّع الأموال ويعطي الهداييا والسلطان يتأمّل كلَّ من حضر ليجد فيه الصّفة التي رآها في الرؤيا فلم يجدها إلى أن انقضَتْ جموعُ الناس، فقال السلطان، هل بقي من أحد؟

قالوا: لا، قال: تفكروا وتأملوا .. قالوا: لم يبق إلا رجلان مغربيّان لا يتناولان من أحد شيئًا غنيّان يكثران الصّدقة فأُتِيَ بهما فرآهما فإذا هما الرجلان اللذان أشار إليهما النبيّ صلى الله عليه وسلم في الرؤيا، فادّعيا أنهما من بلاد المغرب فسأل عن منزلهما فإذا هو قرب الحجرة الشريفة وكان في المنزل حصير فرفعه السلطان فرأى تحته سردابًا محفورًا إلى جهة الحجرة الشّريفة فارتاع لذلك فضُربَا حتى اعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زيّ المغاربة للاحتيال للنفاذ إلى القبر الشريف، وأمر السلطان بضرب عُنقيهما، ثم أمر بحفر خندق عظيم من كل الجهات على الحجرة الشريفة وجعل فيه الرصاص المذاب ليكون حائطًا وسُورًا داخليًّا على الحجرة.

هذا السّلطان مدفون في الشّام في سوق البزُورِيّة.


(1) يقال: ألا الرجلُ يألو: قَصَّرَ.

(2) وفي رواية: أنه قال يا رسول الله جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي.

(3) أي هل وددتم أنكم أطعتم الله ورسولَهُ فيَسُرّكم ذلك؟

(4) البناء فوق القبر في جبانة عامة مثل الباشورة حرام، أما إذا دفن في أرض هي ملك له وسمعت الورثة بذلك فليس حرامًا.

(5) الإردَبُّ

(6) رافضة.