بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد، فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي، المتحابون بجلالي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومعنى المتحابون بجلالي، أي المؤمنون المسلمون، الذين يحب بعضهم بعضًا لوجه الله لا لقرابة تجمعهم ولا لدنيا يديرونها بينهم، أو يطمعونها في تحصيلها من بعضهم، ولا لهوًا من أهواء النفوس تجمعهم، إنما يتحابون لأن هذا مؤمنٌ ولأن هذا مؤمنٌ ولأنه يريد منه التعاون على طاعة الله تبارك وتعالى، هؤلاء الله تبارك وتعالى يظلهم يوم القيامة في ظله أي في ظل العرش،
لأنه يوم القيامة هذه الأرض لا يكون فيها أشجارٌ ولا جبالٌ ولا كهوفٌ يختبئ الإنسان فيها، كلٌ بارزون للشمس والشمس في ذلك اليوم تكون على قدر ميلٍ، تكون بعيدة من الناس على قدر ميلٍ والميل مسافة نصف ساعة مشيًا، تكون على قدر ميلٍ من رؤوس الناس ليس في مركزها، الذي هو عليه اليوم في الدنيا، مركزها الذي هو في الدنيا بعيدٌ من رؤوسنا،
أما ذلك اليوم فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنها تكون على مقدار ميلٍ من رؤوس الناس، فحرها لا شك شديد، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنها تكون على مقدار ميلٍ من رؤوس الناس إلى ذلك اليوم من شاء الله تبارك وتعالى به النجاة يجعله في ظل العرش لا يصيبه حر الشمس، فمطلوبٌ منا على هذه الحال أن نتحاب ونتعاون على عمل الخير، ونتناهى عن المنكر فمن رأى من أخيه تكاسلًا تهاونًا في الصلاة لا يسكت له، ومن رأى من ولده تهاونًا في الصلاة لا يسكت له، ومن رأت زوجها تهاونًا في الصلاة لا تسكت له، ومن رأى من زوجته أو أمه أو أبويه، تهاونًا في الصلاة أو غير ذلك من الواجبات الدينية لا يسكت له، بل ينصحه لله تبارك وتعالى ولا يغش بعضنا بعضا،
ولا يداهن بعضنا بعضا، أي لا يزين له الباطل ولا يثبطه لا يضعف همته عن عمل البر والإحسان بل يعينه على الخير وينهاه عن الشر، فلو أن إنسانًا يريد دفع زكاة قالت له زوجته إذا تريد أن تدفع الزكاة ضعها في البنك الأولاد عندما يكبروا يستثمرون هذا المال، يشترون شقق، الأولاد لما يكبروا يتقوون في هذا المال في تجارة، هذا لا يكون تحريكًا نحو البر ولا يكون أمرًا بالبر، بل يكون والعياذ بالله تعالى تثبيطًا عن عمل البر والإحسان فهذا ليس حبًا في الله تعالى، هذا ليس تحاببًا في الله تبارك وتعالى فإنما لم ينهى حبيبه عن الشر ولم يأمر حبيبه بأداء الواجبات كيف يكون حقيقة محبًا له وهو يسكت عما يرتكبه مما يضره في قبره وآخرته،
أما الذين تحابوا في الله لا يثبط بعضهم بعضًا عن عمل البر، الزوجة وإن لم يشتري لها زوجها ثيابًا فاخرة وإن لم يشتري لها حليًا كثيرة ووجدته يصرف من ماله على وجوه البر وكانت تشجعه هؤلاء هم الذين قال الله فيهم المتحابون في بجلالي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ثم ورد في حديثٍ آخر وهو حديثٌ قدسي أيضًا عن الله تبارك وتعالى حقت محبتي للمتحابين فيّ والمتزاورين فيّ والمتواصلين فيّ، والمتباذلين فيّ رواه الإمام أحمد في مسنده، هذا الحديث فسر الحديث القدسي الأول الذي فيه المتحابون بجلالي، فهذه حالة المؤمن إذا سلكها يكون قريبًا من الله تعالى، أي محبوبًا، وقريبًا من حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقريبًا من حال السلف الصالح، الذين اتبعوهم، اتبعوا الصحابة، لولا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا على هذه الحال ما انتشر الإسلام من جزيرة العرب إلى خارج جزيرة العرب في ظرف خمس وعشرين سنة، وصل المسلمون شرقًا إلى بلاد الصين، وغربًا إلى طنجا المغرب الأقصى، وذلك لأنهم كانوا متعاونين متعاضدين، على ما أمر الله تبارك وتعالى كانوا متناصحين، يبذلون النصح ويقبلون النصيحة، ليس كحال كثيرين اليوم إن جاء من ينصحه يقول له ما دخل لك بي، أنت أمي أو أبي أو أستاذي أو شيخي، لا دخل لك بي، يقول للذي بذل له النصح رادًا له وهو محقٌ، وهذا هو الكبر، الذي هو بطر الحق رد الحق على قائله،
أما لو كانوا مثلنا الصحابة كحالتنا اليوم نحن يغلب علينا الكسل والعياذ بالله تعالى، أولئك الصحابة كانوا يصومون في الصحراء، كانوا يجاهدون في شهر الصيام، أولئك عندهم جلدٌ صبرٌ على طاعة الله تبارك وتعالى، فلو كان حال الصحابة مثلنا كحالتنا اليوم من الضعف في الهمة، الواحد لا يخرج من بيته إلى عالمٍ يسأله إلى علم الدين الضروري الذي يحتاج له، الزوجة لا تسأل عن حكم حيضٍ أو نفاسٍ لأجل صلاة تحتاج لهذا السؤال، الزوج لا يسأل عن حكم طلاق تلفظ به، هل بانت منه بينونة كبرى، أم بعدوا هي مطلقة رجعية، وكذلك في أعمال البيع والشراء وكذلك في أعمال الربويات، وكذلك لو كان قيمًا على أموال الأيتام، لا يسألون أهل العلم يتكاسلون،
بينما لو قام الواحد منهم برحلة بنزهةٍ، ومعه أهله رتب لها كل مقتضيات الرحلة، من عود الكبريت إلى أن يعود إلى بيته فرحًا مسرورًا، أما موضوع الصلاة قد لا يسأل من الناس إذا كان مريضًا في المستشفى أو في البيت يترك الصلاة أسبوعًا وأسبوعين ولا يسأل كيف يصلي وهو مريض، كيف يتوضأ وهو مريض، هل في هذه الحال يتوضأ أو يتيمم، بل منهم من يتيمم وهو قادرٌ على الوضوء، فلا صح له تيممه ولا صحت له صلاة، وكذلك كثيرون في موسم الحج لا يسألون أهل العلم، من الناس من يكونون خارج حدود عرفات، يوم عرفة، من الناس من ذهبوا في نية الحج ويكونون خارج عرفات، وقت الوقوف بعرفة وهم لا يسألون ولا يكترثون ولا يهتمون، فما صح لهم وقوفٌ والحج عرفة،
أما لو كان الصحابة مثلنا كحالتنا اليوم ما انتشر الإسلام كان بقي الإسلام في الجزيرة العربية لكنهم بالصبر والتحابب في الله والمواساة، مواساة بعضهم بعضا، أي مساعدة بعضهم بعضًا، فيما يستطيعون مما رزقهم الله تعالى من المال لذلك استطاعوا في المدة الخمس وعشرين سنة أن يصلوا إلى المغرب الأقصى غربًا وإلى الصين شرقًا، هذا تحقق أيام عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ما كان عندهم طائرات وما كان عندهم زوارق حربية ولكنهم كانوا أقوياء في دين الله تبارك وتعالى،
أما أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان الإسلام انتشر في بر العراق وفي خراسان حتى أذربيجان، وصل الإسلام في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى كثير من بلاد الاتحاد السوفياتي سابقًا، كل هذه البلاد كانت تحت حكم عمر والرسول صلى الله عليه وسلم بشرهم بأنهم سيمكنهم الله تعالى في الأرض، فتحقق ما بشرهم الله به في هذه المدة القصيرة، في خمس وعشرين سنة من ابتداء الهجرة، وفي نهاوند في أرض العجم لما بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيش المسلمين يقاتل الفرس كان عمر واقفًا على المنبر يخطب فسمعه المسلمون يقولون يا سارية الجبل الجبل، وكلهم يعرفون أن سارية في بلاد العجم ليس في المدينة المنورة، فلما نزل أمير المؤمنين قالوا له يا أمير المؤمنين سمعناك تقول يا سارية الجبل الجبل،
ماذا حصل، قال لهم هذا شيء حدث في نفسي، ما قال لهم الله كشف لي حال جيش المسلمين في نهاوند في أرض عجم، تقريبًا ثمانية آلاف كيلو متر بعيدة عن المدينة المنورة، الفرس كانوا أرادوا أن يلتفوا من حول الجبل لينقضوا على جيش المسلمين، فكشف الله له حال جيش المسلمين فنادى أمير المؤمنين قائد الجيش سارية، فسمع سارية نداء أمير المؤمنين، فتنبه لكيد العدو، فلما رجع سارية وجيش المسلمين من نهاوند من أرض العجم، أخبروا المسلمين بأنهم في أرض المعركة سمعوا نداء أمير المؤمنين يا سارية الجبل الجبل، فحفظهم الله تعالى من كيد الفرس، فينبغي أن نتأسى بأولئك الأطهار، ونقتدي بهم، بالتحابب فيما بيننا، والتطاوع فيما بيننا، أي أن يكون الأخ لأخيه مطاوعا،
لا يقول له لا دخل لك حل عني يا، هذا ليس من الأخلاق الحميدة، أو يعايره فيقول له، إن كان أكبر منه سنًا (إنت قد فخدي جاية تحكيني) أو كان أسبق منه فيقول له قد صرلك بالقصر من مبارح العصر، معناه أنت جديد، لا تقل لي نصائح ولا توجه لي تنبيهات، لا يريد أن يسمع منه، فينبغي أن يكون الأخ لأخيه المسلم مطاوعا أي لينًا في يده، لا يكن متشددًا، من يريد نشر الدعوة إلى الله تعالى ليكن في يد أخيه متطاوعًا لينًا لا يكن متشددًا، يطيعه يوافقه فيما يرضي الله تبارك وتعالى، يكون كلا الطرفين على هذه الحال من التطاوع ولين الجانب، رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى الأشعري رضي الله عنه ومعاذ بن جبل رضي الله عنه حين وجههما إلى بلاد اليمن جنوب الجزيرة العربية لتعليم الناس الدين،
كلاهما يعمل بنشر الدين في الناحية التي وجهه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ناحية النجد وهي الأراضي المرتفعة والآخر كان يعمل بنشر الدين وتعليم الناس الفرض والسنة والحلال والحرام في التهامي، أي في الأراضي المنخفضة، أحدهما كان في النجد في الأراضي المرتفعة، والآخر كان في التهامي في الأرض المنخفضة، ثم بعد كل برهة يجتمعان هذا يأتي إلى هذا فيتشاوران في الأمر الذي هما بصدده وهو الاشتغال بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وهذا دليل على أنه كانت همتهم متوجهة إلى الدين ليس للرئاسة، عظموني فخموني قدموني قدموا لي، كانت همتهم متوجهة إلى الدين لم تكن همتهم متوجهةً إلى الانكباب على الدنيا على المال لجمعه من هنا وهنا،
ولا على التلذذ والترفه به، فإنهم ما كانوا يثبتون في بلدٍ للترفه، فأول بلدٍ فتوحوها بر الشام، ثم بر العراق، لو أرادوا الترفه كانوا مكثوا في البلدة التي فتحوها ليتمتعوا بخيرات تلك البلاد، بخيرات تلك الأرض، وما تجاوزوها إلى غيرها، ولكنهم ما اكتفوا ببر الشام، أو ببر العراق، بل توسعوا، ما غرقوا في الترفه في ملذات هذه البلاد، ولا تركوا الصحراء واستقروا في بلاد الشام دون بلاد الصحراء، لم يكونوا على هذا الحال، لم يكونوا على هذه الحال بل كانوا على الهمم القوية، والعزيمة الشديدة، لنشر الدين من غير أن يغتروا بجمع المال للرفاهية وكانوا فيما بينهم الأخ يلين في يد أخيه أي يعطيه بسهولة، ولا يرى لنفسه عليه فضلا،
إن جاء يريد أن يدرس في مسجدٍ يدرس الخير أهلًا وسهلًا، لا يمنعه، هذا الذي يريد أن يتعاون مع أخيه المسلم إن كان هو يدرس حلقة دروس القرآن وجاء آخر وقال له أنا أدرسهم دروس الفقه أهلًا وسهلًا يتعاونان على البر، لا يقول هؤلاء جماعتي أنا، لا أحد يقربهم، كما قال أحدهم المريد بين شيخين، كالمرأة بين رجلين، معناه هؤلاء لي، لا أسمح لهم ولا آذن لهم أن يذهب إلى غيري من المشايخ ليتعلموا عندهم، فلو ذهبوا إلى غيري من المشايخ كانوا كالمرأة بين رجلين والعياذ بالله تعالى ما هذا الضلال، هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم كان الواحد منهم يلين في يد أخيه أي يعطيه بسهولة، ولا يرى لنفسه عليه فضلًا، بحيث يكون هو المستبد بأن يكون قائمًا بالأمر والنهي بل كان يرى هذا لهذا حقًا،
كل واحد من الآخرين يرى لغيره حقًا في ذلك وهذا يرى لهذا حقًا في ذلك، ومما ورد في هذه المواضع أي تواضع المسلمين بعضهم مع بعض، حديث رواه الإمام البيهقي، في كتاب الأدب، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المؤمن كالجمل الأنِف إن قِيد انقاد وإن استنيخ على صخرة استناخ، الرسول عليه الصلاة والسلام شبه المؤمن بالجمل الأنِف، أي الذي في أنفه ذمام، أي مقود يقاد به، فهذا الجمل مع قوته مع ضخامته إن قاده إنسانٌ كبير أو طفلٌ صغيرٌ يطيعه، إن تابع السير يوافقه يطيعه وإن أبركه على أرض صخرية يبرك شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن بهذا الجمل الأنِف، الذي لا يستعصي على الذي يقوده يلين في يده يطاوعه، معنى الحديث أنه ينبغي أن يكون المؤمن لينًا في يد أخيه،
لا يتكبر عليه، ولا يستعصي عليه، فيما ليس فيه معصية لله تبارك وتعالى، أما في أمر المنكر لا يطيعه، هكذا ينبغي أن يكون المؤمن متطاوعًا لينًا لين الجانب، لا يتكبر على إخوانه المؤمنين، ولا يستعصي عليه كشأن هذا الجمل الأنف، لأن في أنفه مقود عندما يشدوه منها إن ساروا به يسير وإن أبركوه على صخرة استناخ، يبرك عليها، يقعد عليها، كثيرون في رحلة الحج يتنافرون لا يتطاوعون، كثيرٌ في رحلة الحج يتسابون، لا يكظم أحدهم غيظه ولا يمنع لسانه عن السباب واللعن، كثيرون في رحلة الحج والعياذ بالله تبارك وتعالى لا يتطاوعون فيتهموا بعضهم بعضًا، أكل علينا أموالنا، سرق منا من متاعنا، فعل كذا، يبادر بعضهم إلى بعض بالتهم جزافًا بالحرام،
إذا كان هذا الأمر الذي ينبغي أن يكون بين المؤمن والمؤمن ترى فكيف ينبغي أن يكون حال الرجل مع أمه، أعظم الناس حقًا على الرجل أمه، وكيف يا ترى يكون حال الزوجة مع زوجها وقد ورد أعظم الناس حقًا على المرأة زوجها، فحسن الخلق عظيمٌ وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البيهقي قال أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق، أي وإن كان محقا، في ربض الجنة أي في أطرافها، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، قال وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه، قال عليه الصلاة والسلام أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محقٌ وأنا زعيمٌ ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وهو من آفات اللسان،
وإن كان مازحا، وأنا زعيمٌ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه، هذا الحديث اشتمل على ثلاثة أنواع من الفضائل، من الأمور التي ينبغي أن يتخلق بها المؤمن، الأول ترك المراء، المراء لا خير فيه، في الأمور الدنيوية، لا ينبغي أن تماري الشخص أي أن تجادله للأمور الدنيوية، يعني بعض الناس يقولون من كثرة نقاشه بيطفي القلب في غير حق، كثرة الجدال، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال أنا متكفلٌ أنا ضامنٌ ببيت في ربض الجنة أي في أطرافها لمن ترك المراء وهو محقٌ، الشخص المسلم الذي يترك المراء، أي المماراة أي الجدال، مع كونه محقًا هو صادقٌ لا يماري يترك المراء هذا الإنسان قال الرسول صلى الله عليه وسلم أنا ضامن له في بيت في ربض الجنة أي في أطرافها،
ما هو المراء الذي رغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه، ووعد عليه بنيل هذا الثواب العظيم بيتٌ في أطراف الجنة، المراء هنا أي الجدال الذي ليس الغرض منه إحقاق الحق، وإبطال الباطل، لأنه إن كان الجدال الغرض منه إحقاق الحق وإبطال الباطل فهذا حقٌ واجب، كما إذا قال إنسانٌ عن شيءٍ أحله الله، قال عنه حرام، أو إذا قال عن شيءٍ حرمه الله قال عنه حلال، فمجادله فرضٌ لإظهار حق الشرع، كما لو أن إنسانًا خطب على منبرٍ بأنه ثبت بقول الفلكي الفلاني أن واحد شوال يوم الفطر هو يوم الأربعاء، ولانتهاء رمضان أيام، بعده ما رأى هلال شوال، هذا الذي يبطل الشريعة ويطعن في الحديث النبوي الشريف يسكت له أم يجادل، يجادل، لا يشترط للذي يقوم بالنصيحة أن يكون ذا عمامة عريضة أو يكون ذا لحية كثة محناية،
أو يكون ذا جبة فخمة، لا، الدين النصيحة، لو أن ابنك نصحك اسمع النصيحة منه، لو أن تلميذك في المدرسة نصحك اسمع منه النصيحة، هو ينصحك لما ينفعك لآخرتك أما الذي سكت عن هذا الذي حرم حلالًا أو استحل حرامًا، وهو قادرًا على أن ينكر عليه ليس له أن يسكت بل يجادله بحقٍ إن كان قادرًا ومع ذلك سكت كسلًا أو استحياءً فهو موزور، عليه ذنبٌ، لكن ذنبه أخف من ذنب ذاك الشخص الذي قال عن الحلال حرام، أو عن الحرام حلال، حفظ الشريعة فرضٌ عظيم، أمرٌ مهم والمجادل في حفظ الشريعة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، له عند الله منزلة عالية، وهكذا كانت سيرة الأنبياء والأولياء كانوا يجادلون المخالفون للحق، حتى يردوهم إلى الحق، هكذا كانت سيرة الأنبياء والأولياء أليس نبي الله إبراهيم جادل نمرودًا وهو وحيد،
نبي الله إبراهيم، وهو وحيد فيما بين أولئك الناس، الذين كانوا تحت حكم النمرود، مع ذلك لقوة توكله على الله نبي الله إبراهيم جادله ليحق الحق، هذا معنى أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، يترك المراء يترك الجدال في غير ما هو فرضٌ من إحقاق الحق وإبطال الباطل،
أما الجزء الثاني من الحديث وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا زعيم ببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول إني زعيمٌ أي كافلٌ وضامنٌ لمن ترك الكذب ولو كان في حال المزاح، وفي هذا دليلٌ على أن الكذب حرام، ولو بحال المزح، الكذب حرامٌ يأثم فاعله لو كان مازحًا، لا كما يظن بعض الناس، أن الكذب في المزح أمرٌ هين ليس فيه بأسٌ، والعياذ بالله، حتى إن بعض الناس يسبون الله حال المزاح ولما تزجره يقول لك يقول الله تعالى في القرآن الكريم (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) يدافع عن كفره ويحتج بالدفاع عن كفره بهذه الآية، التي لا علاقة لها بهذا، (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) ليس معناه الذي يريد يسب الدين الذي يسب الله،
الذي يسب الملائكة معلش، لا، بل هذه الآية (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) معناه سبق اللسان، إذا إنسان قال لا والله لا أريد أن ألبس هذا القميس، سبق لسانه زوجته حملت له قميصًا، قال لها والله لا أريده، هو ليس عمدًا صدر منه الكلام، ثم لبس القميص، ليس عليه كفارة، لأنه خرج من لسانه بغير عمدٍ منه، بل بطريق سبق اللسان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا واجعل القرآن ربيع قلوبنا ونورًا لأبصارنا وجوارحنا وتوفنا على هديه وأكرمنا بحفظه واحفظنا ببركته وبركة نبيك محمدٍ عليه الصلاة والسلام وتقبل اللهم بسر سورة الفاتحة.