بسم الله الرحمن الرحيم
هودٌ عليه السلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبابنا الكرام، نتكلم عن نبي الله تعالى هود عليه السلام بعد الطوفان العظيم الذي حصل في زمن سيدنا نوح عليه السلام وموت الكفار الذين يؤمنوا بالله تعالى، انتشر الكفر من جديد، فأرسل الله تعالى في قبيلة عاد نبيًا من أنبيائه واسمه هود عليه السلام، وهو هود ابن شالخ ابن أرفخشذ ابن سام ابن نوح عليه السلام وكان في ما يروى تاجرًا أمينًا صدوقا، وكانت قبيلة عاد عربًا يسكنون الأحقاف وهي جبال الرمل، وكانت باليمن بأرضٍ مطلة على البحر يقال لها الشحر، واسم واديهم مغيث، وكان كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال الله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) ولكن هذه القبيلة كانت متمردة كافرة تعبد الأصنام وكانت أصنامهم ثلاثة صدى وصمودا وهباء،
أو هرى، فدعاهم نبي الله هود عليه السلام إلى الإسلام وعبادة الله تعالى الواحد الذي لا يشبه شيئا، لكنهم لم يصدقوه بل كذبوه وتنقصوه، ومما قالوا له هذا الأمر الذي تدعوننا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يرتجى منها النصر والرزق، ونحن نظنك أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك، فقال لهم ليس الأمر كما تعتقدون وكان سيدنا هود عليه الصلاة والسلام في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم لا يبتغي منهم أجرا، بل كان مخلصًا لله عز وجل في الدعوة إلى الدين الحق الذي بعث الله به نوحًا، وأهلك من خالفه من الخلق وقال وها أنا أدعوكم إليه، فقالوا له ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما تقول،
فلن نترك عبادة أصنامنا لمجرد قولك بلا دليل تقيمه ولا برهان وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه بل زادوا على ذلك وقالوا إنما أصابك هذا لأن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك، فقال لهم ليقيم الحجة عليهم إن كانت أصنامكم كما تزعمون تنصر وتنفع وتضر فها أنا بريء منها لاعنٌ لها ولن تستطيع أن تؤذيني لكنهم لم يستطيعوا إليه بسوء، ولا ينالوا منه مكروها فدل على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه، فلما أبوا إلا الكفر بالله عز وجل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس في ذلك الزمان إذا جهدهم أمر طلبوا الفجر في هيكلٍ في ذلك الزمان به العماليق وهم من سلالة عمليق ابن لاوذ ابن سام ابن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلًا يقال له معاوية ابن بكر،
وكانت أمه من قوم عاد فبعثت قبيلة عاد سبعين رجلًا ليطلب السقيا لهم في ذلك الهيكل، فمروا بطريقهم بمعاوية ابن بكر بظاهر مكة فنزلوا فأقاموا عنده شهرًا يشربوا الخمر فلما طال مقامهم عنده أخذته الشفقة على قومهم واستحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف فألف شعرًا يعرض لهم بالانصراف فعندما سمعوا الشعر تنبهوا لما جاءوا له فنهضوا إلى الهيكل ودعوا لقومهم فخلق الله تعالى سحابات ثلاث بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى منادٍ من السماء يقول لأحدهم اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب، فاختار السحابة السوداء، ظانًا بأنها أكثر السحاب ماءا فناداه المنادي لقد اخترت رمادًا رمديدا لا تبقي من عاد أحدا لا والدًا تترك ولا ولدا إلا جعلته همدا،
فساق الله تعالى السحابة السوداء التي اختارها بما فيها من النقمة إلى عاد فلما رأوا القوم السحابة استبشروا خيرا وظنوا أنهم سيسقون كما كانوا يرجون لكنها كانت تحمل ريحًا باردًا شديدة الهبوب فيها العذاب الأليم وتدمر كل شيء بأمر ربها، فلم تدع من عادٍ أحدا إلا هلك سخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة حتى إنها كانت تدخل كهوف الجبال والمغاور فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة وكان تجيء إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس أما من آمن وكان مع سيدنا هود لم يصبهم من أذى تلك الريح، وهكذا أهلك الله تعالى الكافرين الذين كانوا يتفاخرون بقوتهم وشدتهم حيث كانوا يقولون من أشد منا قوة،
وكذبوا نبيهم الذي أرسل إليهم ليدعوهم لما فيه خيرٌ لهم فكان هلاكهم بتسليط الله تعالى عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم، فسبحان الله القادر على كل شيء ثم انتقل سيدنا هود بعد هذه الحادثة إلى العراق وعاش فيها إلى أن توفاه الله تعالى وقد عاش سيدنا هود عليه السلام كما ذكر قريب الأربعمائة سنة ثم دفن في اليمن وقيل في دمشق وقيل في غير ذلك والله تعالى أعلم وأحكم.