بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، بعد أن جهز سيدنا موسى عليه السلام هو وقومه أنفسهم للرحيل من مصر قال لهم يطمئنهم إن الله تعالى سينصرنا وكان نحو من ستمائة ألف رجل غير الذرية بينما كان فرعون وقومه وجنوده منشغلين بعيدٍ لهم خرج سيدنا موسى وقومه ليلًا قاصدين بلاد الشام فلما علم فرعون بالأمر غضب واغتاظ وجمع جنوده في جيش كثيف حتى قيل أنه كانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف فأدرك بني إسرائيل عند غروب الشمس وقد وصلوا إلى بحر يقال له أنه بحر القلزم وهو البحر الأحمر وعندما رأى بنو إسرائيل جنود فرعون قد اقتربوا وصاروا خلفهم والبحر أمامهم ارتابهم الخوف الشديد لما قاصوه في سلطان فرعون من الإهانة والمنكر فتقدم موسى عليه السلام إلى الأمام ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ويقول هاهنا أمرت ومعه أخوه هارون ويوشع بن نوع الذي صار نبيًا بعد موسى وهارون عليهما السلام ويروى أن مؤمنًا من آل فرعون كان مع موسى عليه السلام فجعل يقتحم البحر بفرسه ليرى هل يمكن المرور ويقول لموسى عليه السلام يا نبي الله أهاهنا أمرت فيقول سيدنا موسى نعم،

فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد واقترب فرعون وجنوده وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى أن اضرب بعصاك البحر فضرب سيدنا موسى بعصاه البحر وهو يقول انفلق بإذن الله فانفلق اثني عشر طريقًا فدخلت كل قبيلة من قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة في طريق فساروا فيه وماء البحر قائمٌ مثل الجبال مكفوف بقدرة الله تعالى وعندما رأى فرعون وجنوده هذا المشهد العجيب كيف اجتاز سيدنا موسى وقومه البحر لحقوهم فأراد موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه ليعود البحر كما كان ولكن الله تعالى أوحى إليه أن يبقي البحر على ما هو عليه، فلما دخله فرعون صار يقول انظروا كيف انحصر البحر لي لأدرك عبيدي الهاربين من يدي الخارجين عن طاعتي وبلدي،

ظنًا منه أنه سيخرج كما خرج سيدنا موسى سالما، ولكن عندما اقترب أولهم من الخروج أي جيش فرعون أمر الله تعالى نبيه موسى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان ولم ينجو منهم إنسان وأما عن كيفية غرق فرعون زعيم الكفرة فإنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه تارة وقد باشر سكرات الموت أشار بإصبعه ورفع صوته وقال آمنت أنه لا إله الذي آمنت به بنو إسرائيل ولكن حين لا ينفعه الندم فإنه لو عاد إلى الحياة لعاد إلى ما كان عليه من الطغيان فمات على كفره والعياذ بالله تعالى وفي هذا المشهد العظيم يقفوا بنوا إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ويقول بعضهم لبعض هل مات فرعون حقًا فقال بعضهم لا أظنه قد مات،

فأمر الله تعالى البحر فرفعه ولفظه على صخرةً مرتفعة على الشاطئ وعليه درعه التي كان يلبسها قال الله تعالى (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإنك كثيرًا من الناس عن آيات لغافلون) وقد كان هلاكه وهلاك جنوده في يوم عاشوراء وعاش بعد ذلك بنو إسرائيل مع نبي الله موسى عليه السلام في طمأنينة وسلام يعبدون الله تعالى وفي يومٍ من الأيام قام موسى عليه السلام خطيبًا في المسلمين يعظهم ويذكرهم بنعم الله تعالى عليهم فقال له رجلٌ من بني إسرائيل هل في الأرض من هو أعلم منك فقال موسى عليه السلام فورًا لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه سبحانه، فأوحى الله تعالى إليه وما يدريك أين أضع علمي إن لي على شط البحر رجلًا وهو أعلم منك هو عبدنا الخضر أي يوجد من هو مطلع على نوعٍ من العلم لم تطلع عليه أنت وكان علم نبي الله الخضر علم معرفة بواطن الأمور قد أوحيت إليه وكان سيدنا موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم فلما سمع موسى عليه السلام هذا اشتاقت نفسه الفاضلة وهمته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم ولقاء من قال فيه ربه إنه أعلم منك،

فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى إليه أن ائت البحر فتجد على شاطئه حوتًا أي سمكة فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب عند مجمع البحرين فلم يعلمه الله تعالى بمكانه على التحديد، مما زاد تشوق موسى عليه السلام إلى رؤيته فهيأ نفسه لتحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب العلم من هذا العالم فانطلق ومعه فتاه يوشع بن نون عليهما السلام الذي كان يتعلم منه ويرافقه ويخدمه وأخذا سمكة مملحة مهيئة للأكل وخبزًا زادًا لهما ومضيا ثم وصلا إلى ملتقى البحرين ويقال إنهما بحر فارس والروم وجلسا عند ظل صخرة في مكان قرب ضفة البحر ووضعا رأسيهما فناما،

وكان في أصل الصخرة عين ماء يقال لها عين الحياة تنزل مثل شلال صغير لا يصيبه من ماءها شيء إلا أحياه الله تعالى فأصاب السمكة المملحة من ماء تلك العين فتحركت وانسلت من الوعاء الذي كانت فيه ودخلت البحر وصار الماء أثناء جريانها فيه يتحول إلى حجر ويغدو كالقناطر فوقها غريب أن هذه السمكة كان قد أكل نصفها وبقي النصف الآخر كان هذا الأمر معجزة لسيدنا موسى عليه السلام ويذكر أن أهل تلك الناحية رأوا بعد هذه المعجزة نوعًا جديدًا من السمك كان من نسل تلك السمة فأحد جانبيها شوك وعظم وجلد رقيق على أحشائها والجانب الآخر صحيح واستيقظ الفتى يوشع فرأى أن السمكة ليست في الوعاء فقال في نفسه لن أوقظ رسول الله موسى الآن لكن سأخبره عندما يستيقظ وعندما استيقظ سيدنا موسى نسي فتاه أن يخبره عن خروج السمكة ونسي موسى عليه السلام سؤال الفتى إن رأى شيئًا غريبا،

فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ولم يشعرا بجوع ولا تعب وقد مشيا مسافة طويلة حتى إذا كان الغد قال سيدنا موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد تعبنا من هذا السفر ولم يجد موسى التعب حتى جاوز المكان الذي أخبر الله تعالى عنه وفقدت السمكة عنده فتذكر يوشع أمر السمكة فأخبره بما رأى فقال موسى عليه السلام ذلك ما كنا نبغيه ونطلبه فعادا في نفس الطريق الذي أتيا منه فرأيا أثر جري السمكة في البحر إذ ظهر مثل أخدود صخري فسلكاه حتى رجعا إلى الصخرة التي كانا عندها وهناك وجد موسى عليه السلام سيدنا الخضر على طنفسة خضراء وهو مسجى بثوبٍ أخضر مستلقٍ على ظهره على وجه الماء، فقال موسى عليه السلام، السلام عليكم فكشف الخضر عن وجهه وقال وعليكم السلام وهل بأرض من سلام فإن أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين في ذاك الوقت ثم سأل الخضر موسى عليهما السلام من أنت قال أنا موسى فقال موسى بني إسرائيل قال نعم،

قال وما أدراك أني موسى قال الخضر أدراني الذي أدراك بي ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا قال موسى بلى، ولكني أمرت أن آتيك لتعلمني مما علمت رشدا فقال الخضر أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إني على علمٍ من علم الله علمني إياه لا تعلمه أنت وأنت على علمٍ من علم الله علمك إياه لا أعلمه أنا، فتطلف موسى عليه السلام في القول وتجمل في أحسن ما وهبه الله من أدب الحديث وفضل التواضع وقال هل تأذن أيها العبد الصالح أن تفيض علي بعلمك على أن أتبعك وألتزم أمرك ونهيك وكان الخضر قد ألهم أن موسى لا يصبر على السكوت إذا رأى منكرا، لأن ذلك من شأن عصمته فقال لموسى إنك لن تستطيع معي صبرا ولو صحبتني ظواهر عجيبة وأمورًا غريبة وسترى أمورًا منكرة في ظواهرها وإن كانت حقًا في بواطنها فقال موسى عليه السلام وكان حريصًا على العلم طواقًا إلى المعرفة،

ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، فقال الخضر إن صحبتني آخذ عليك عهدًا وشرطًا أن لا تسألني عن شيء ولا تثر أمامي أي اعتراض حتى ينقضي الشرط وتنتهي الرحلة وإني بعدها سأبين لك ما قد تتساءل عنه وأشفي ما في صدرك فوافق موسى عليه السلام على هذا الشرط وأكملا طريقهما معًا، والله تعالى أعلم وأحكم.