بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتكلم عن نبي كريم من أنبياء الله تعالى وهو سيدنا عيسى المسيح ابن مريم العذراء عليهما السلام، يروى أن حنة زوجة عمران كانت عاقرًا لم تلد إلى أن عجزت وبينما هي في ظل شجرة أبصرت طائرًا يطعم فرخًا له فتحركت عاطفتها للولد وتمنته وقالت يا رب إن لك علي نذرًا شكرًا لك إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من خدمه، فاستجاب الله لها فحملت وأثناء حملها توفي زوجها عمران ولكنها ولدت أنثى وأسمتها مريم قال الله تعالى إخبارًا عن أم مريم (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) وقد ولدت السيدة مريم عليها السلام يتيمة في مدينة الناصرة في فلسطين ويعود نسبها إلى سيدنا داود عليه السلام الذي يعود نسبه إلى نبي الله يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم وسارة عليهم السلام،
ووضعتها أمها متفرغة للخدمة في بيت المقدس كما نذرت وقد تكفلها زوج خالتها نبي الله زكريا عليه السلام بالتربية والتعليم والعناية فنشأت على الإسلام والإيمان بالله وبنبيه زكريا عليه السلام، فاتخذ لها سيدنا زكريا محرابًا في المسجد لا يدخله أحدٌ عليها سواه ومعه يوسف النجار ابن خالها، فلما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان مثلها في العبادة والطاعة بين النساء، فكانت من شدة خشوعها لله تعالى ينزل الطير على رأسها يحسبها جمادًا لسكونها في طول قيامها وكان إذا نفذ الماء في بيت المقدس أخذ كل واحد من المحررين لخدمة بيت المقدس قلته وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستقون منه ثم يرجعون وفي يوم من الأيام نفذ ماءها وكان أطول يومٍ في السنة وأشدها حرا،
فأخذت قلتها ثم انطلقت حتى دخلت المغارة وبينما هي تملأ قلتها إذا بسيدنا جبريل عليه السلام يظهر عليها مع كوكبة من الملائكة وكان متشكلًا بهيئة شابٍ حسن الوجه يلبس البياض ولما رأته مريم ولم تعرف أنه جبريل ظنته يريدها بسوء وكان عمرها يومئذٍ خمسة عشرة عامًا فسارع وطمئنها ليزول عنها ذلك الخوف وأخبرها أنه ليس كما تظن به بل هو رسول ربها إليها، أمره الله تعالى أن يهب لها طفلا، فلما سمعت ذلك منه تعجبت مما بشرها به، لأنه عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، فاستفهمت أنه كيف سيأتي هذا الغلام ولم يمسها بشر، فأخبرها جبريل أن الله على كل شيء قدير، ولن يعجزه أن يخلق ولدًا من دون أب، ثم أمسك بغصن يابسٍ صغير بين أصابعه فتحول بإذن الله إلى غصن أخضر يانع يهتز بأوراقه،
فاطمئنت مريم لذلك ثم نفخ جبريل في أعلى طوق قميصها فدخل الروح المشرف من فمها إلى رحمها، فحملت من ساعتها بعيسى عليه السلام ثم ملأت قلتها وعادت إلى المسجد وبعد مرور فترة من الزمن بدأ يُرى أثر حملها فكان ابن خالها يوسف أول من عرف حملها ورأى ثقل بطنها وكبره فتحير في أمرها ولم يدري ماذا يصنع، وكلما أراد أن يتهمها تذكر صلاحها وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل، فلما اشتد ذلك عليه كلمها، فقالت له قل قولًا جميلًا فقال لها أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر قالت نعم ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت الشجر الأول من غير بذرٍ قال بلى، فهل يكون ولدٌ من غير ذكر، قالت نعم، ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وحواء من غير ذكرٍ ولا أنثى،
قال بلى، ولكن هذا الذي في بطنك من أبوه، فقالت بلسان الواثقة بالله المتوكلة عليه، هذا هبة ربي لي، ومثله كمثل آدم خلقه من تراب، وحصلت أعجوبة فقد أنطق الله سيدنا عيسى وهو في بطن أمه فقال يا يوسف ما هذه الأمثال التي تضربها قم فاشتغل بطاعة الله، فقام يوسف مدهوشا، وجاء إلى سيدنا زكريا وأخبره فاغتم لذلك لأنه خاف عليها من كلام فساق بني إسرائيل، ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل لما رأى من اصفرار لونها ونتوء بطنها وضعف قوتها، وكانت السيدة مريم عليها السلام لما تختلي بنفسها تحدث ولدها عيسى وهو في بطنها ويحدثها فإذا شغلها عنه شيء سبح في بطنها وهي تسمع تسبيحه، وبعد مرور أشهر جاءتها يومًا إيشاع زوجة سيدنا زكريا تزورها وعندما ضمتها علمت أنها حُبلى فذكرت مريم حالها وما جرى معها فقالت امرأة زكريا عليه السلام وإني حاملٌ أيضًا،
وقد وجدت من في بطني يميل إلى من في بطنك وكان ابن سيدنا زكريا يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بثلاثة أشهر، فلما شعرت السيدة مريم بالحمل وبدأ الذي في بطنها يتحرك ذهبت إلى مكانٍ بعيد إلى أقصى الوادي وهو بيت لحم، بينه وبين بيت المقدس ستة أميال، ابتعدت فرارًا من تعيير قومها لها بالولادة من غير زوج، وكانت ساعة الولادة فبدأ الطلق والمخاض وشعرت بشدة الولادة وأوجاعها فسعت إلى شيء تستند إليه لتتعلق به على عادة الحوامل عند شدة الطلق، فأمسكت بجذع نخلة وكان مقطوعًا يابسًا، لا سعف عليه ولا غصن، وكان سيدنا جبريل عليه السلام قد جاء ووقف في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت مريم عليها، فناداها من تحتها أن لا تحزني وكان قرب جذع النخلة نهرٌ قد انقطع ماء،
فضربه جبريل برجله فظهر الماء العذب، فكانت إذا أرادت أن تشرب شربت منه عذبًا باردًا، وإذا أرادت الاستعمال منه كان فاترًا دافئا، ثم أمرها جبريل عليه السلام ليخفف عنها وليريها كرامتها عند الله، أن تهز إليها بجذع النخلة اليابس النخر، فلما هزته نظرت إلى أعلى الجذع، فإذا السعف قد ظهر ثم نظرت إلى الثمر قد خرج من بين السعف، ثم اخضر الثمر فصار بلحًا ثم احمر فصار زهوًا ثم رطبًا كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين يديها بإذن الله تعالى رحمة بها، ثم أخبرها سيدنا جبريل أن الله يأمرها أنه إذا رأت أحدًا من البشر فسألها عن ولدها فلتقل إني نذرت للرحمن صوما، ولا تتكلم مع أحد وأن تشير إلى ولدها في ذلك ليرتفع عنها خجلها وتتبين الآية فيظهر عذرها، وولد سيدنا المسيح عليه السلام وحلت البركات بقدومه عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام. والله أعلم وأحكم.