بسم الله الرحمن الرحيم
صالح عليه السلام، نتكلم اليوم عن نبي الله صالح وهو ابن عبد ابن ماسح ابن عبيد ابن حاجر ابن ثمود ابن عابر ابن إرم ابن سام ابن نوح عليه السلام، ولد سيدنا صالح عليه السلام في قبيلة مشهورة وهي قبيلة ثمود وكان يعمل في البناء، مثل أجداده وثمود كانوا عربًا من العاربة يسكنون الحجر التي بين الحجاز وتبوك، وكان قد انتشر الكفر بينهم وقد عبدوا الأصنام كقوم عاد الذين أهلكوا قبلهم فبعث الله فيهم نبيه صالحًا عليه السلام حيث دعاهم إلى الإسلام وعبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلع الأصنام والأنداد ولا يشركوا بالله شيئا فآمنت به طائفة منهم ولكن أغلبهم لم يؤمنوا بنبي الله صالح بل آذوه بأقوالهم وأفعالهم حتى إنهم أرادوا قتله،
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يومًا في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح عليه السلام فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافًا سموها ونعتوها وتعنتوا فيها وأن تكون عشراء أي مضى لحملها عشرة أشهر طويلة من صفتها كذا وكذا، فقال لهم النبي صالح عليه السلام أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به، فقالوا نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له ثم دعا ربه سبحانه أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر أي تنشق عن ناقة عظيمة على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا عظيما،
ومنظرًا هائلا وقدرة باهرة ودليلًا قاطعًا وبرهانًا ساطعًا فآمن كثيرٌ منهم واستمر الباقون على كفرهم وضلالهم وعنادهم، كان هذا الأمر معجزة كريمة لنبي الله صالح عليه السلام، فعاشت هذه الناقة المباركة بينهم ومعها ابنها وكانت تخرج وابنها خلفها وتصعد إلى رؤوس الجبال ولا تمر بشجرة إلا التفت عليها أغصانها فتأكل أطايب أوراقها ثم تهبط إلى الأودية فترعى هناك فإذا جاء المساء تدخل المدينة وتطوف على بيوت أهلها وتنادي بلسانٍ عربي فصيح من أراد منكم اللبن فليخرج فيخرجون بأوعيتهم فيضعونها تحت ضرعها فيملأونها لبنًا بإذن الله فإذا اكتفوا عادت إلى مسجد سيدنا صالح تسبح الله حتى يأتي الصباح ثم تخرج إلى المرعى كان هذا عملها كل يوم،
وكان للقوم بئر يشربون منها ليس لهم سواها، فقال لهم سيدنا صالح هذه ناقة لها شرب يوم ولكم شرب يوم، فكانت إذا كان يوم شربها شربت ماء البئر كله أول النهار ولم تبق لهم شيئًا وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم شربوا وأخذوا لمواشيهم وأراضيهم وتغيب الناقة عنهم ذلك اليوم وكان سيدنا صالح قد نهاهم عن مس الناقة بسوءٍ وأذى إكرامًا لآية الله وكان إذا وقع الحر وقفت أي الناقة بظهر الوادي فتهرب الأغنام والأبقار والإبل إلى بطن الوادي في حره وجدبه وإذا وقع البرد تهبط الناقة إلى بطن الوادي فتهرب البهائم منها إلى ظهره حيث البرد القارس فأضر ذلك بمواشيهم وابتلاهم الله بهذا الأمر ليظهر للناس الطائعة من المعترض فكبر ذلك على الكافرين وأجمعوا رأيهم على قتل الناقة،
فقامت تسعة منهم وعلى رأسهم رجلٌ كافرٌ اسمه دار ابن سالف وكان أقبح رجل في ثمود وأنفه أفطس ولحيته بطوله وكان يمر بالشجرة العظيمة فينطحها برأسه فيكسرها وطاف هؤلاء التسعة على قبائل ثمود وأعلموهم بما أجمعوا عليه من قتل الناقة فرضي بذلك كبيرهم وصغيرهم واجتمع هؤلاء بسيوفهم وقسيهم وذلك يوم الأربعاء وقعدوا ينتظرون الناقة فأقبلت حتى قربت من البئر فشد قدار قوسه ورماها بسهم فأصاب رقبتها وأقبلوا عليها بالسيوف فطعنوها وقتلوها وقطعوها وكان ابن الناقة يسير خلفها فلما أحست بالخطر أنذرته فهرب إلى رأس الجبل ولما بلغ سيدنا صالحًا الخبر أتى مسرعًا فلما رآها غارقة في دمها بكى وأوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فدعا سيدنا صالح على الكفار من قومه وقال إلهي أسألك أن تنزل على ثمود عذابًا من عندك فقال لهم أي صالح قال لقومه تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب،
وبات القوم ليلتهم وقالوا فيما بينهم زعم صالح أننا سنموت بعد ثلاثة أيام فنحن سنقتله وأهله قبل الثلاث فخرجت مجموعة منهم إلى حيث مسجد سيدنا صالح واختبئوا في مغارة وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فبعث الله صخرة فأطبقت عليهم فم المغارة فهلكوا فلما جاء صباح يوم الخميس ظهرت الصفرة على وجوههم وأجسادهم وامتلئت دماميل وقروحًا فلما كان من صباح يوم الجمعة احمرت وجوههم وكأنها صبغت بالدم وفي يوم السبت اسودت وجوههم وكأنها طليت بالزفت الأسود فلما رأى سيدنا صالح عليه السلام منهم هذا تركهم مساءً وذهب مع المؤمنين إلى خارج البلد ينتظر وعد الله وكانوا نحو أربعة آلاف مسلم فلما كان اليوم الرابع وهو صبيحة الأحد تفتقت تلك الدماميل في وجوههم وأوحى الله إلى الملك الموكل بالشمس أي يعذبهم بحرها فأدناها قليلًا من رؤوسهم فاشتوت أيديهم وتدلت ألسنتهم على صدورهم من العطش ومات كل من كان معهم من البهائم وجعل الماء يفور من الينابيع من غليانه حتى بلغ السماء لا يسقط على شيء إلا أهلكه من شدة الحر،
وأوحى الله تعالى إلى ملك الموت أن لا يقبض أرواحهم تعذيبًا لهم إلا إذا غربت الشمس، فأتاهم سيدنا جبريل عليه السلام فنشر عليهم جناح غضبه وأخذ بأطراف الأرض فهزها فتزلزلت وصحا صيحة قيل إن فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوتٌ في الأرض فتقطعت قلوبهم من الخوف وماتوا وهلكوا جميعا، وقبضت أرواحهم من أجسادهم ثم أقبلت سحابة سوداء على ديارهم فرمتهم فوهج الحريق سبعة أيام حتى صاروا رمادا فلما كان اليوم الثامن انجلت السحابة وطلعت الشمس وجاء سيدنا صالح بمن معه من المؤمنين فطاف بالديار ثم حملوا ما قدروا عليه من متاع ورحلوا إلى مكة المكرمة، وعاش سيدنا صالح عليه السلام قريب الثلاثمائة سنة والله تعالى أعلم وأحكم.