بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبابي الكرام، ونكمل معًا بيان ما جرى مع سيدنا يوسف عليه السلام في مصر، بعد أن تأكد العزيز من براءة يوسف عليه السلام وأنه لم يهم بفعل المعصية الشنيعة وتأكد من كيد زوجته قال لها استغفري لذنبك، وطلب من يوسف عليه السلام أن يكتم الأمر ولكن مع هذا بدأ الأمر ينتشر بين نساء الأمراء، فلما سمعت امرأة العزيز بتشنيعهن عليها والتنقص منها والإشارة إليها بالعيب والمذمة لأنها أحبت فتاها وعشقته غضبت وأرادت أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى ليس كما يحسبن ولا من قبيل ما لديهن من الفتيان فأرسلت إليهن وجمعتهن في منزلها وهيئت لهن ضيافة وأحضرت في جملة شيئًا مما يقطع بالسكاكين وكانت قد هيئت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية الطراوة والشباب والجمال،

وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة فخرج وهو أحسن من البدر فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملكٌ كريم أعظمنه وأجللنه وهبنه وما ظننا أن يكون مثل هذا في بني آدم فبهرهن حسنه حتى اشتغلن به عن أنفسهن وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح فسيدنا يوسف عليه السلام قد أعطاه الله تعالى نصف الجمال الموزع بين البشر فقد وجهه مثل البدر أبيض اللون مشرقًا واسع العينين جعد الشعر ويذكر أنه كان في الغالب مبرقعًا لأن لا يراه الناس وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه فقالت امرأة العزيز للنساء هذا الذي لمتنني فيه ثم مدحته بالعفة وقالت ولقد راودته عن نفسه فامتنع ولكنه إن بقي على رأيه وامتناعه فسأسجنه وكانت بقية النساء تحرضنه على السمع والطاعة لسيدته فيأبى أشد الإباء لأنه نبي من سلالة الأنبياء ودعا ربه أن يحفظه ويبعده عنهن وعن مكرهن فخيرته امرأة العزيز بين السجن وبين مطاوعتها فاختار السجن وهكذا سجن ظلمًا وعدوانا وكان هذا مما قدره الله له،

ودخل معه السجن فتيان قيل أحدهما كان ساقي الملك واسمه فيما يروى بنو، والآخر كان خبازه واسمه فيما يروى مجلف، وكان الملك قد اتهمها في بعض الأمور فسجنهما ولما راقبا يوسف عليه السلام في السجن أعجبهما سمته وهديه وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته وإحسانه إلى خلق الله، فرأى كل واحد منهما رؤيا في ليلة واحدة أما الساقي فرأى كأن ثلاثة قضبان من حبلة قد أورقت وأينعت فيها عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز والطيور تأكل من السل الأعلى فقص كل منهما رؤياه على سيدنا يوسف وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا إنا نراك من المحسنين، فأخبرهما أنه يعلم ما تأويلها ولكنه أولًا دعاهما إلى توحيد الله وذم عبادة ما سوى الله عز وجل وصغر أمر الأصنام وحقرها،

وضعف أمرها، فدعاهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه ثم قال للساقي أما أنت فتسقي الملك خمرا، وقال الخبز أما أنت فستصلب وتأكل الطير من رأسك، ثم قال يوسف عليه السلام للساقي عند خروجه اذكر أمري عند الملك وما أنا فيه من السجن بغير جرم، فخرج الساقي من السجن ونسي أمر يوسف عليه السلام وما طلب منه فبقي يوسف مسجونًا بضع سنين، وفي ليلة من الليالي رأى الملك مناما وفيه أن سبع بقرات ثمان يأكلهن سبعن عجاف، وسبع سنبلات خضرٍ وأخرى يابسات فطلب الملك ممن حوله أن يؤلوا له ما رأى، فاحتاروا في تأويله وقالوا له إن هي أضغاث أحلام وليس لها تأويل، فانزعج الملك ويبقى يبحث عمن يأول له ذاك المنام الذي شغل باله،

عندها تذكر الساقي أمر سيدنا يوسف وقال للمكل أنا آتيك بتفسير المنام فذهب إلى يوسف يسأله التأويل، فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط بل أجابهم إلى ما سألوا، وعبر لهم المنام فأخبرهم بوقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدباء قاحلة ثم يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية فيعصرون فيه من القصب والعنب والزيتون والسمسم وغيرها ثم دلهم على الخير وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار الحبوب في سني الخصب في سنبله إلا ما يقصد للأكل، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم، ولما علم الملك بعلم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إليه ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب يعني يوسف أن لا يخرج من سجنه حتى يتبين لكل أحدٍ أنه حُبس ظلما وأنه بريء مما نسبوه إليه عندها اعترفت امرأة العزيز بذنبها وقالت الآن حصحص الحق أي ظهر الحق وتبين ووضح والحق أحق أن يُتبع أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين،

واعترفت للجميع أنه حُبس ظلمًا وعدوانا، وزورًا وبهتانا، فخرج يوسف عليه السلام من السجن مبرئًا معصوما، وطلب من الملك أن يوليه النظر فيما يتعلق بأمر الزراعة ليعمل ما فيه المصلحة للعباد والبلاد، فسلمه الملك خزائن مصر فأتت سنوات القحط الصعبة على كثيرٍ من البلاد كما قال يوسف وجفت المياه بعد أن مرت سنوات الخصب ولكنه مرت على أهل مصر من دون أن يشعروا بها في حين عانت البلاد المجاورة من قساوتها فعم أهل فلسطين الجوع والبلاء وذاع صيت سيدنا يوسف الموكل بخزائن الطعام وانتشرت أخبار عدله ورحمته ورأفته، فأرسل سيدنا يعقوب عليه السلام أولاده من فلسطين إلى مصر لجلب الطعام ومعهم الثمن، فلما وصلوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عرفهم وهم لم يعرفوه إذا لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فأعطاهم من الطعام ما يعطي غيرهم من الناس وبدأ يحدثهم ويكلمهم حتى عرف أخبارهم وحالهم وكم هم فقالوا كن اثني عشر رجلا،

فذهب منا واحد يقصدون يوسف، وبقي شقيقه عند أبينا وهو بنيامين، فطلب سيدنا يوسف منهم طلبا وقال إذا قدمتم من العام المقبل فائتوني بأخيكم الأصغر فتعجبوا لطلبه ثم قال وإلا فلن أخصصكم بشيء من الكيل، فقالوا له سنجتهد في مجيئه معنا والإتيان به إليك، وخشي عليه السلام أن لا يكون عند إخوته البضاعة التي يبادلون بها الطعام عندما يرجعون مرة ثانية، فلما أرادوا أن ينصرفوا أمر يوسف عليه السلام فتيانه أن يضعوا بضاعتهم التي جلبوها معهم ليبادروها بالطعام في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها حتى يعلموا أن ذلك كان كرمًا من يوسف وسخاءا، فيبعثهم ذلك على العودة إليه، والحرص على معاملته فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا له يا أبانا مُنع منا الكيل فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه كما نحن نكتال،

وتزيد حصصنا وكان يعقوب عليه السلام متعلقًا ببنيامين تعلقًا شديدا، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه يوسف، ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه، ولكن بسبب ضيق الحال وحاجة القوم إلى الطعام أرسله معهم إلى مصر متوكلًا على الله تعالى فما الذي حصل معهم وكيف التقى يوسف بأهله كل ذلك تتابعونه في الحلقة المقبلة إن شاء الله، والله تعالى أعلم وأحكم.