بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، ذكرنا في الدرس السابق أن قوم سبأ الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام كانوا يتنعمون بالعيش الهنيء والنعيم المفرط وكانت تملكهم امرأة واسمها بلقيس، ولما طالت بقوم سبأ مدة النعمة سئموا الراحة ولم يصبروا على العافية، وتمنوا طول الأسفار وقالوا لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأعلى قيمة وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام صحارى شاسعة ليركبوا النياق المحملة ويتزودوا بالزاد كغيرهم وانتشر البطر والطغيان والكفر بالله حيث بدأت عبادة الشمس والعياذ بالله تعالى، فأرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيًا دعوهم إلى الله تعالى وتوحيده وترك الكفر، وذكروهم نعمة الله عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا والعياذ بالله ما نعرف لله علينا نعمة،
فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع ذلك، وبقوا على هذه الحال إلى أن وصل خبرهم إلى نبي الله سليمان عليه السلام عن طريق الهدهد الذي كان بخدمته، وذلك أن الطيور عند سيدنا سليمان كان على كل صنف منها مقدمون يقومون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة، أي بالدور، كما هي عادة الجنود مع الملوك، وكانت وظيفة الهدهد أنهم كانوا إذا احتاجوا إلى الماء في القفار في حال الأسفار فيجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء، فإن فيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أنه ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض، فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم، فلما طلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده فلم يجده في موضعه من محل خدمته فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابًا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ولكن الهدهد غاب غيبة ليست بطويلة،
وعندما قدم قال لسليمان عليه السلام أحط بما لم تحط به واطلعت ما لم تطلع عليه وجئتك من سبأ بنأ بخبر صادق إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وأخبره بأنه رآها وقومها يعبدون الشمس من دون الله سبحانه فعند ذلك بعث سليمان عليه السلام مع الهدهد كتابه الذي يتضمن دعوته لهم إلى الإسلام وترك الكفر وإلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلى الخضوع لملك وسلطانه وقال لهم وائتوني مسلمين سامعين مطيعين فحمل الهدهد الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاها إليها وهي في خلوة ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها وقالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتابٌ كريم ثم قرأت عليهم عنوانه أولًا إنه من سليمان ثم قرأته وإنه بسم الله الرحمن الرحيم أن لا تعلو علي وائتوني مسلمين،
بعد هذا الكلام الذي قرأته كان الكل صامتا، ثم كلمتهم وشاورتهم وهم يسمعون فقالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري، ما كنت لأبت أمرًأ إلا وأنتم حاضرون، قالوا نحن لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال فإن أردت منا ذلك فإنا قادرون ومع ذلك فالأمر إليك فانظري ماذا تأمرين، ففوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم، ففكرت فيما بعث لها وما كتب وشاورت نفسها وقالت إن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع وإن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وإن هذا الملك لو غلب على هذه المملكة لم يخلص من بين يديه، سأرسل إليه هدية عظيمة باهرة ولننظر بما سيجيب ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يهمه المال والهدايا فلما جيء إليه بالهدية قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون،
ثم قال لرسولها ووافدها الذين قدموا عليه والناس حاضرون يسمعون ارجع إليهم بهديتك فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلدهم ودولتهم أذلة، فلما ذلك عن نبي الله لم يكن له بدٌ من السمع والطاعة فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة وأقبلوا إليه بصحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع سليمان بقدومه قال لمن بين يديه وممن هو مسخر له من الإنس والجان يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين وقال رجلٌ صالح واسمه آصف ابن برخيا، وهو ابن خالة سليمان أنا آتيك به قبل أن تطبق جفنك وهذا ما حصل بالفعل آتى به من اليمن كرامة لهذا الرجل الصالح ومعجزة لنبي الله سليمان عليه السلام،
فلما رأى سليمان عرش بلقيس مستقرًا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين قال هذا من فضل ربي، ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير بعض صفات هذا العرش وينكر لها ليختبر فمها وعقلها، فوصلت بلقيس إلى بيت المقدس وقابلت سيدنا سليمان عليه السلام فلما جاءت قالوا لها أهكذا عرشك قالت كأنه هو، وهذا من فطنتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون هو عرشها لأنها تركتها وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب وكان سليمان قد أمر ببناء صرحٍ من زجاج وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفًا من زجاج وجعل فيه من السمك وغيره من دواب الماء فأمرت بدخول هذا الصرح وسليمان جالسٌ على سريره فيه فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فقال لها إنه صرح ممرد من قوارير فتعجبت من أمره وانبهرت بما رأت فكلمها ودعاها للإسلام ومنعها من عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها وعلمها التوحيد والتنزيه فآمنت وأسلمت وتزوجها سليمان عليه السلام ثم أقرها على مملكة اليمن،
وكان يزورها في كل شهرٍ مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا لها ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون، ويذكر أنه كان لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمائة من الحرائر وثلاثمائة من السراري أي الجواري المملوكات وقيل غير ذلك والله أعلم، ومن جملة ما أنعم الله تعالى به على سيدنا سليمان أنه عليه السلام إذا أراد الصلاة عند رأس شجرة نابتة يقول لها ما اسمك فتقول كذا فيقول لأي شيء أنت فتجيبه فإن كانت لغرسٍ غرسها وإن كانت لدواءٍ أنبتها فبينما هو يريد الصلاة ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب، قال لأي شيء أنت قالت لخراب هذا البيت فعلم سليمان عليه السلام عندها باقتراب أجله ودعا ربه وقال اللهم أخفي عن الجن أمر موتي،
فنحت عصًا من الخشب وتوكأ عليها فقبضت روحه وهو على هذه الحال لكنه بقي واقفًا على هذه الهيئة سنة كاملة، والجن يرونه ويظنونه قائمًا يصلي فاستمروا سنة كاملة في الأعمال الشاقة التي كان قد وكلهم بها وفي هذه الأثناء كانت حشرة صغيرة واسمها الأرضة قد بدأت بأكل العصا التي اتكأ عليها سيدنا سليمان فأكلت منها شيئًا فشيئًا حتى وقع سليمان عليه السلام على الأرض، فعندها علمت الجن أن سليمان قد مات من سنة وعلم الناس عندها أن الجن لا يعلمون الغيب وإلا لما لبثوا سنة كاملة في العذاب والأعمال الشاقة، فشكر الشياطين هذه الحشرة وقالوا لها لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب،
ولكنا سننقل إليك الماء والطين فإنهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت فالطين الذي يكون في جوف الخشب هو ما يأتيها به الشيطان شكرًا لها، ومن شدة غيظ الجن وكرههم لنبي الله سليمان جعلوا بعد موته تحت كرسيه شيئًا من السحر ليقولوا للناس إن سليمان كان يعمل السحر ويحكمهم به ومعلوم أن الأنبياء معصومون عن مثل هذه الأفعايل فإن عمل السحر معصية من الكبائر ولا يليق بني من الأنبياء فعلها ومات سليمان عليه السلام وملك بعده ابنه رحبعام مدة سبعة عشرة سنة في ما يذكر ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل وانتشر الكفر من جديد والعياذ بالله تعالى، والله تعالى أعلم وأحكم.