بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، ونتابع اليوم أحداث ما جرى مع سيدنا موسى عليه السلام بعد أن وصل خبر قتل موسى عليه السلام لأحد المصريين الظالمين إلى فرعون أراد فرعون قتله عندها جاء إلى موسى عليه السلام رجلٌ طيبٌ يريد له الخير وأخبره بما يريد فرعون فعله وقال له اذهب وغادر مصر فترك القصر بما فيه من ظلم وجور وذهب إلى مَدين أرض جده إبراهيم عليه السلام والتي يسكن فيها نبي الله سيدنا شعيب عليه السلام وبعد أن قطع موسى عليه السلام هذه المسافة الطويلة توقف عند بعض الآبار فوجد بنتين تريدان السقيا من البئر لوالدهما الشيخ الكبير والذي كان سيدنا شعيبًا عليه السلام وكان قومهما إذا انتهوا من سقياهم وضعوا حجرًا كبيرًا على فم البئر فلم يستطع أحدٌ رفعه،
فرآهما سيدنا موسى ورفع لهما الصخرة وحده مع شدة تعبه من سفره الطويل فرجعت الفتاتان إلى والدهما وأخبرتاه بما حصل فدعاه إليه إذ أحب أن يتعرف على هذا الشاب القوي الأمين واستضافه سيدنا شعيب عليه السلام في منزله وأخبره موسى عليه السلام بقصته من بدايتها فأحبه الرجل وقال له لقد نجوت من القوم الظالمين لأنه لا سلطان لفرعون وجنده في أرض مَدين وعرض عليه أن يقيم معه ويساعده في رعاية القطيع فقبل موسى عليه السلام وبعد فترة تزوج من إحدى بنتيه واسمها صفّورا، وفي أثناء عيشه في مدَين كان يسمع مدح الناس لجده إبراهيم عليه السلام وكيف كان صبره وما حصل معه من معجزات مر على سيدنا موسى في هذه الغربة سنين،
ثم اشتاق لأهله فأراد زيارتهم في بلاد مصر فسار بأهله في ليلة مظلمة ماطرة ومعه زوجته وولداه وغنم وبين هم في طريقهم حل الليل واشتد الظلم فأضلوا الطريق فتوقفوا قليلًا لعلهم يجدون الطريق الصحيح وبين هم كذلك إذ أبصر سيدنا موسى من بعيد نارًا تأجج فقال لزوجته إني آنست نارا فامكثوا هنا قليلًا سأذهب وأرى لعلي آتيكم بشعلة نارٍ أو بخبرٍ مفرح فذهب فرأى شجرة عجيبة خضراء ولكنها تشتعل نارا وكلما كانت تلك النار في اضطرام كانت خضرة تلك الشجرة في ازدياد فوقف موسى متعجبًا وفي تلك الليلة أكرمه الله بالنبوة والرسالة وأوحى إليه بأن يعود إلى مصر ويحرر شعبه من ظلم فرعون،
فسمع كلام الله الأزلي الأبدي الذي ليس بصوت ولا بحرف ولا يشبه كلام المخلوقين وكان في يد موسى عليه السلام عصا يستعين بها في رعي الغنم وفي أشياء أخرى فقال الله تعالى (قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) فألقاها فتحولت إلى حية كبيرة حقيقية وقال الله سبحانه (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) فوضع يده في وسط فمها فعادت كما كانت عصا ثم أمره الله تعالى بإدخال يده في جيبه ثم بنزعها ففعل فلما أخرجها وجدها بيضاء تتلألأ كالقمر وبهاتين المعجزتين
وغيرهما سيواجه سيدنا موسى عليه السلام فرعون كما أخبر الله تعالى وعندما أمره الله عز وجل بالذهاب إلى فرعون قال موسى ربي إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي وأشركه في أمري فاستجاب الله تعالى له لمكانته عنده قال (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) ثم سأل سيدنا موسى ربه أي يذهب عن لسانه أثر الجمرة التي تناولها في صغره فاستجاب الله تعالى له قال الله تعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام قال (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقه قولي) ثم قال الله تعالى (اذهبا إلى فرعون إنه طغى وقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فانطلق موسى عليه السلام مع زوجته وولديه إلى مصر واستقبله هناك أخوه سيدنا هارون فقال موسى عليه السلام يا هارون إن الله أمرني وأمرك أن ندعوا فرعون إلى عبادته فقم معي فقاما يقصدان باب فرعون ويروى أنهما ذهبا إلى قصر فرعون فوجداه مغلقًا فقال موسى للبوابين والحجبة أعلموه أن رسول الله بالباب،
فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه فعصاه فانزعج فرعون وأمر بإحضارهما فوقفا بين يديه ودعواه إلى الله عز وجل وإلى دين الإسلام كما أمرهما الله تعالى فقالا له إنا رسولا رب العالمين لقد أرسلنا الله تعالى بالحق لنأمر الناس بعبادته وهو الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا شبيه له وطلبا منه أن يفقك أسر بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطته ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا فتكبر فرعون في نفسه وطغى ونظر إلى موسى عليه السلام بعين الازدراء والتنقص قائلًا له ألم نربك منذ صغرك وبقيت عندنا سنين فقال له موسى هذه النعمة التي تذكرها من إحسانك لي وأنا رجلٌ واحد من بني إسرائيل هل تقابل ما تفعله بالشعب بأكمله فقال فرعون مستهزئًا وما رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما قال موسى رب السموات والأرض وما بينهما فقال فرعون لمن حوله ألا تستمعون فقال موسى له ولمن حوله ربكم ورب آباءكم الأولين فقال فرعون للناس متهكما يبدوا أن رسولكم الذي أرسل إليكم مجنون فقال موسى رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون،
ولكن فرعون زاد عنادًا وتكبيرًا وقال للقوم أنا ربكم الأعلى ثم قال لا إعلم لكم من إله غيري مع أنه في نفسه كان يعلم بأنه عبدٌ مخلوق، ولما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبقى له قولٌ سوى العناد عاد إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته فقال لموسى عليه السلام لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين فعندها قال سيدنا موسى أولو جئتكم بشيء مبين قال فائت به إن كنت من الصادقين فألقى سيدنا موسى عصاه فإذا هي ثعبان عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر الفظيع العظيم الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد وخوف كبير بحيث أنه حصل له بعده إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم واحد ثم أدخل سيدنا موسى يده في جيبه وأخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ نورًا يبهر الأبصار وهذان هما البرهان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد،
ولم يكن سحرا، لأن الأنبياء مؤيدون بالمعجزات الباهرات وظن الأحمق فرعون أن هذا سحر فقال أتسحرون يا موسى سأعارضك بسحر مثله، واتفقا أن يجمعا الناس في يومٍ معينٍ في وقت معين، وطلب موسى عليه السلام أن يكون ذلك نهارا في وقت اشتداد الشمس وضياءها وذلك ليظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس فنادى فرعون أن يحضر كل أمراءه وأهل دولته وأهل بلده هذا الموقف العظيم فخرجوا وهم يقولون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين وكان موعدهم يوم عيدٍ من أعيادهم ومجتمع لهم ويسمى بيوم الزينة وجمع فرعون جميع السحرة الذين كانوا تحت يده من جميع بلاد مصر حيث يقال إنه بلغ عددهم نحو ثمانين ألف ساحر، فتجمع الناس لينظروا ما الذي يحصل وتساءلوا من الذي تجرأ على مخالفة فرعون ومن هو الذي يزعم أنه رسول رب العالمين وما هي الآيات التي يريد أن يرينا إياها كل هذه الأسئلة سنسمع الجواب عنها في الدرس التالي، إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم وأحكم.