بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتابع اليوم ما تبقى لنا من قصة سيدنا داود عليه السلام وما حصل بعد أن آتاه الله النبوة والملك فإن الله تعالى أوحى من جملة ما أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أخبار بعض الأنبياء الكرام الذين صبروا على جحود أقوامهم وما لاقوه من مشقة وشداد حتى فرج الله عنهم وأثابهم الثواب العظيم ومن الأنبياء الذين ذكرهم الله ليستأنس النبي صلى الله عليه وسلم بقصهم سيدنا داود عليه السلام فإنه مع كمال مملكته ما سلم من الأحزان والهموم فالخلاص من الحزن لا سبيل إليه في الدنيا كان داود عليه السلام أشد ملوك الأرض سلطانا، إذ كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألفًا من العساكر الأقوياء الأوفياء ولا يأتي دورهم مرة أخرى إلا بعد عام،

تصوروا، لكثرة جنوده الذين كانوا يعدون بالملايين فإذا أتى على هؤلاء الحرس الصبح قيل لهم ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله، وكان مع سلطانه وهيبته وقوته رجلًا متواضعًا لله منكسرًا للمؤمنين زاهدًا في معيشته يأكل من عمل يديه وكان ينام أول الليل ثم يقوم فيصلي ويدعوا ما شاء الله له ثم ينام كي يستريح من تعب القيام في بقية الليل، وكان داود عليه السلام قد آتاه الله معجزة باهرة، ذلك أنه وُهب صوتًا عظيمًا لم يعطى لأحدٍ من قبل بحيث إنه كان إذا تلى الزبور وهو الكتاب السماوي الذي أنزل عليه تقف الطيور له في الهواء وقد حشرتها الملائكة والريح له فتستمع لتسبيح الجميل فتردد ما يقول وتسبح معه بمختلف الأصوات بأعذب النغمات ولم تكن الطيور فقط تسبح معه بل كانت الجبال الشامخات قد جعل الله فيها قدرة ومنطقا فإذا سبح داود عليه السلام بصوته الرخيم سبحت معه حيث سار قائلة سبحان الله أي تنزه الله عن الشبيه والشريك والمثيل،

فينطقها الله تعالى كما أنطق الحصى التي سبحت في يدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة له دالة على صدق نبوته كي يتبعه الناس وكان من حسن صوت داود عليه السلام أنه كان إذا قرأ كتاب الله تجتمع البهائم إليه وتتزاحم عنده حتى إنها لو أمسكت بأعناقها وأخذت لا تهرب، وكذلك كان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفًا لصوته الحسن صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته التي ذكرت في القرآن إلانة الحديد له إذا جعل الله تعالى الحديد بين يديه كالشمع والعجين والطين المبلول من غير إدخال إلى نار ولا ضربٍ بمطرقة بل يفتله بين يديه مثل الخيوط فيعمل منه ما يشاء وقد ألهم داود عليه السلام أن يصنع الدروع ولم تكن معروفة قبل ذلك بل كان المحاربون يستمعلون الصفائح مما يعيق حركتهم في الهجوم ونحوه فداود عليه السلام أول من جعلها طيعة ذات حلقات يسهل معها التحرك ثم تعلم الناس منه صنعها فعم النفع بها كل المحاربين،

وكانت الدروع التي صنعها كاملة واسعة مريحة متوسطة الحجم فلا هي صغيرة لا تقوى على الدفاع ولا هي ضخمة فتعيق صاحبها عن الحركة وكانت مساميرها ثابتة محكمة غير غليظة كي لا تتسع الثقوب فتقلقل المسامير فيها وليست دقيقة فتفلت منها ولا تثبت وكان داود عليها السلام يصنع كل يوم درعًا ويبيعه بستة آلاف درهم كما قيل، يأكل بألفين منها ما يكفي نفسه وعياله إذ كان يعيل الكثير من أهله وأقربائه الفقراء ويتصدق على المحتاجين والمساكين من بني إسرائيل بالأربعة آلاف الباقية، ولم يكن يشغل كل وقته بصنعها بل كان يصرف أغلب أوقاته في الدعوة إلى دين الإسلام والعبادة وقضاء حوائج الناس ولم تكن صنعة داود عليه السلام للدروع تنقص من منصب النبوة،

بل كانت زيادة في قدره وفضله، ولم يكن الوحيد بين الأنبياء ممن يعمل بيده فزيادة على صناعة الدروع كان يصنع أوعية القش وكان سيدنا آدم عليه السلام حرّافًا وسيدنا نوح كان نجارًا وسيدنا إدريس كان خياطًا وسيدنا يوسف عليه السلام كان حافظًا لخزائن مصر ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يعمل بالتجارة قبل النبوة وبعد نزول الوحي كان مشغولًا بأمور الدعوة فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس، وكان لداود عليه السلام مئة امرأة وكان يصوم يومًا ويفطر يوما، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا، وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه،

ويبكي ببكاءه كل شيء ويصرف بصوته الهموم وأما وفاته عليه السلام فكان إذا خرج من البيت أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، فيذكر أنه عليه السلام خرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تتطلع إلى الدار فإذا رجلٌ قائمٌ وسط الدار فقالت لمن في البيت من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة، فجاء داود عليه السلام فإذا الرجل قائم في وسط الدار، فقال له سيدنا داود من أنت فقال أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب، فقال داود عليه السلام أنت والله إذًا ملك الموت مرحبًا بأمر الله، ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكُفن وفرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، قال ابنه سيدنا سليمان عليه السلام للطير أظلي على داود فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض،

وكان عمر سيدنا داود عندما توفي مئة سنة، ورويت في ذلك قصة وهي أن الله تعالى لما استخرج الذرية من ظهر سيدنا آدم أبي البشر رأى آدم فيهم الأنبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلًا يزهر فقال آدم أي رب من هذا، قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما، قال أي رب زد في عمره، قال لا، إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام، فزاد داود أربعين عاما، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده آدم فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مئة سنة وهذا ليس فيه تغير مشيئة الله الأزلية لأن هذا شيء كان قد قدره الله تعالى وحصل بمشيئته سبحانه، ويقول الله تعالى وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين،

فورث من بعد داود ابنه سليمان عليه السلام، أي ورثه في النبوة، والملك وليس في المال، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحن معاشر الأنبياء لا نورث فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحتاجين، والله تعالى أعلم وأحكم.