سؤال الملكين في القبر
قال الإمام المحدث الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله تعالى: روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات العبد أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان مؤمنًا قال عبد الله ورسوله فيوسع عليه قبره سبعين ذراعًا ويملأ عليه خضرًا.
وأما الكافر فيقول لا أدري كنت أقول كما يقول الناس.
فيقال لا دريت ولا تليت فيضرب بمطراق من حديد بين أذنيه ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ويُضَيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
في هذا الحديث "فأما الكافر أو المنافق" هكذا في الرواية في الصحيحين.
الراوي الذي روى هذا الحديث شك هل كان اللفظ الذي قاله رسول الله "فأما الكافر" أم كان لفظ رسول الله "وأما المنافق" وأيًا كان لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو في المعنى شامل لجميع طوائف الكفار، لأن الكافر إما أن يكون معلنًا أي مظهرًا لكفره لا يخفي كفره فيتستر بالإسلام أو مخفٍ كفره يتظاهر بالإسلام ككثير من الناس الذين ليس في قلوبهم يقين في صحة الإسلام، فيخفي ما في قلبه عن الناس استحياءً من الناس.
فهذا المخفي كفره قد يكون معروفًا بين الناس بأنه مسلم لكنه عند الله كافر ثم ينكشف أمره في القبر وفيما بعده.
فهذا الكافر المعلن والكافر المنافق حالتهما في القبر واحدة.
وفي هذا الحديث أن المؤمن أي المؤمن الكامل وهو الذي يؤدي الفرائض ويجتنب المعاصي جاء في هذا الحديث أنه يوسع عليه قبره سبعين ذراعًا، أي طولًا وعرضًا، كما جاء في رواية لهذا الحديث: "سبعين في سبعين".
المعنى أن الطول سبعون والعرض سبعون وأنه يُملأ خَضِرًا وأنه أي القبر يملأ خضرًا أي يوضع في قبره فيملأ من النبات الأخضر من نبات الجنة وهذا كله حقيقي ليس وهميًا.
لكن الله تعالى يحجب ذلك عن أبصار الناس بحيث لو فتح هذا القبر فإن الناظرين ينظرون إلى القبر كأنه بقعة ضيقة مثل ما كان حين حفر، بحيث إذا فتح القبر يخيل للناظرين أنه بقعة صغيرة ضيقة كما كانت حين حُفِرَت.
ويحجب عن أبصارهم رؤية هذا النبات الأخضر.
هذا بالنسبة للأكثر أما أهل الخصوصية من عباد الله الكاملين فيشاهدون هذا النبات الأخضر الذي ملئ به القبر وهذا الاتساع، أي اتساع مساحة القبر.
والله تعالى لا يعجزه شىء فقد يُصَغِّر الله تعالى أشياء كبيرة في عين الناظر فيريه صغيرًا وهو كبير وقد يُكَبِّر الشيء الصغير في عين الناظر.
ولا يَقِيس أمور القبر وأمور الآخرة على أمور الدنيا إلا جاهل والحكمة في إخفاء الله تعالى حقائق أمور القبر وأمور الآخرة أن يكون إيمان العباد إيمانًا بالغيب فيعظم ثوابهم.