تَحذِيْرٌ مِنْ بَعْضِ العِبَارَاتِ الكُفْريَةَ الَّتِيْ يَلْهَجُ بِهَا بَعضُ النَّاسِ...
فَلَا تَعْجَبُوا إِنْ سَمِعْتُمْ بَعْضَ الأَلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا عَامِّيُّو النَّاسِ، وَلَكِنْ مَقْصُودُنَا تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْ أَنْ يَلْهَجُوا بِهَذِهِ العِبَارَاتِ. قَالَ: وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِشَخْصٍ آخَرَ بِعَامِّيَّةِ بَعْضِ البِلَادِ كَبِلَادِنَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ "يِلْعَنْ رَبَّكْ"، هُمْ يَفْهَمُونَ مِنْ هَذِهِ العِبَارَةِ لَعْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَعْنِي كَأَنَّ الوَاحِدَ مِنْهُمْ يَقُولُ: الْعَنِ اللهَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ صَرِيحٌ فِي الكُفْرِ، لَا يَخْتَلِفُ فِي حُكْمِهِ اثْنَانِ وَلَا يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشان، كَفَرَ القَائِلِ بِلَا شَكٍّ. وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ بِعَامِّيَّةِ بَعْضِ البِلَادِ "يِلْعَنْ دِينَكْ". مَتَى يَكُونُ كُفْرًا؟ يَكُونُ كُفْرًا إِنْ قَصَدَ بِكَلِمَةِ الدِّينِ المِلَّةَ، مِلَّةَ الإِسْلَامِ، عِنْدَئِذٍ يَكُونُ كُفْرًا. وَهَذِهِ كَلِمَةٌ أَيْضًا تَصْدُرُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ لِأَتْفَهِ الأَسْبَابِ، وَيَنْبَغِي أَنْ نُحَذِّرَ مِنْهَا، صِيَانَةً لِدِينِ النَّاسِ مِنَ الوُقُوعِ فِيهَا. اِنْتَبِهُوا أَحْبَابَنَا: إِذَا قَالَ الشَّخْصُ لِمُسْلِمٍ "يِلْعَنْ دِينَكْ"، وَأَرَادَ دِينَ الإِسْلَامِ الَّذِي عَلَيْهِ المُخَاطَبُ فَهَذَا كُفْرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، لَكِنَّ شَيْخنَا رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، بِمَا أَنَّهُ مُتَوَسِّعٌ فِي عِلْمِ اللُّغَةِ، ذَكَرَ لَنَا قَصْدًا آخَرَ لِكَلِمَةِ الدِّينِ. رُبَّمَا يَعْرِفُهُ بَعْضُ العَامَّةِ مِنَ النَّاسِ وَرُبَّمَا يَجْهَلُهُ. قَالَ: قَالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: "إِنْ قَصَدَ سِيرَتَهُ فَلَا يَكْفُرُ". قَصَدَ سِيرَتَهُ، يَعْنِي سِيرَةَ هَذَا الرَّجُلِ المُخَاطَبِ، وَعَادَتَهُ وَشَأْنَهُ، لِأَنَّهُ يَفْعَلُ أَفْعَالًا خَبِيثَةً. فَقَالَ: "يِلْعَنْ دِينَكْ"، يُرِيدُ سِيرَتَهُ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ وَعَادَتَهُ وَلَا يُرِيدُ دِينَ الإِسْلَامِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَفَّرُ، لِأَنَّ كَلِمَةَ الدِّينِ أَحْبَابَنَا لَهَا فِي اللُّغَةِ هَذَا المَعْنَى. فِي اللُّغَةِ كَلِمَةُ الدِّينِ تَتَصَرَّفُ عَلَى مَعَانٍ. مِنْ مَعَانِيهَا السِّيرَةُ وَالعَادَةُ. لِذَلِكَ يَقُولُ الحَافِظُ الزَّبِيدِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ "تَاجُ العَرُوسِ"، وَهَذَا كِتَابٌ حَافِلٌ ضَخْمٌ فِي عِلْمِ مُفْرَدَاتِ الأَلْفَاظِ وَبَيَانِ مَعَانِيهَا، يَقُولُ: "الدِّينُ السِّيرَةُ"، أَيْ عَادَةُ الشَّخْصِ وَأَخْلَاقُهُ. فَإِنْ كَانَت أَخْلَاقُ هَذَا الإِنْسَانِ خَبِيثَةً فَأَرَادَ أَنْ يَسُبَّ سِيرَتَهُ وَعَادَتَهُ وَأَخْلَاقَهُ الخَبِيثَةَ فَقَالَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ "يِلْعَنْ دِينَكْ"، فَلَا يَكُونُ كُفْرًا. وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: "النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ"، مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: "النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ"؟ مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ هَذَا المَلِكُ عَدْلًا تَجِدُ رَعِيَّتَهُ يَتَأَثَّرُونَ بِعَدْلِهِ فَيَعْدِلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فِي تَعَامُلَاتِهِمْ وَفِي بِيَاعَاتِهِمْ وَفِي مُعَامَلَاتِهِمْ، النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ، إِذَا كَانَ المَلِكُ تَقِيًّا صَالِحًا عَامِلًا بِشَرْعِ اللهِ، تَتَأَثَّرُ الرَّعِيَّةُ بِصَلَاحِ المَلِكِ، تَكُونُ عَلَى سِيرَتِهِ، الرَّعِيَّةُ أَيْ النَّاسُ يكونونَ عَلَى سِيرَةِ وَأَخْلَاقِ وَعَادَةِ مَلِكِهِمْ يَتْبَعُونَهُ عَلَى صَلَاحِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ المَلِكُ فَاجِرًا فَاسِقًا ظَالِمًا أَكَّالًا لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الرَّعِيَّةِ وَحَاشِيَةِ هَذَا المَلِكِ يَتَأَثَّرُونَ بِسِيرَةِ وَدِينِ هَذَا المَلِكِ وَأَخْلَاقِهِ وَعَادَتِهِ. النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ.
فضيلة الشيخ طارق داهود حَفِظَهُ اللهُ تعالى وغَفرَ اللهُ لهُ وللمُؤمِنِينَ والمُؤمِنات.
تَحذِيْرٌ مِنْ بَعْضِ العِبَارَاتِ الكُفْريَةَ الَّتِيْ يَلْهَجُ بِهَا بَعضُ النَّاسِ
مدة القراءة: دقيقتان
