بَعْدَ بَيَانِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى صِفَاتُهُ لَيْسَتْ كَصِفَاتِ خَلْقِهِ وَأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً.
قَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَنَقُولُ عَنْهُ كَلَامُ اللهِ وَنَحْنُ نَتْلُوهُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ هَكَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى.
يَسْأَلُ كَيْفَ أَنْتَ تَقُولُ صِفَةُ اللهِ لَيْسَتْ لُغَةً، وَهَذَا نُسَمِّيهِ كَلَامَ اللهِ وَهُوَ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ؟
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُطْلَقُ لَفْظُ كَلَامِ اللهِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
يُرَادُ بِهِ صِفَةُ اللهِ تَعَالَى الَّتِي تَكَلَّمْنَا عَنْهَا شَىْءٌ مَوْجُودٌ لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً يُقَالُ عَنْ هَذَا كَلَامُ اللهِ، صِفَةُ اللهِ الْكَلَامُ.
وَيُطْلَقُ لَفْظُ كَلَامِ اللهِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ، هَذَا اللَّفْظُ مِنْ أَيْنَ أَتَى؟
سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ أَخَذَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، مَكْتُوبٌ كُلُّ مَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، التَّوْرَاةُ هُنَاكَ، الْإِنْجِيلُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى، صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، كُلُّ هَذَا مَوْجُودٌ في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ لَفْظُ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَخَلَقَ اللهُ تَعَالَى صَوْتًا بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَحَصَلَ لَهُ أَمْرَانِ: أَنَّهُ أَخَذَ هَذَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَخَلَقَ اللهُ صَوْتًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ فَنَزَلَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ العَظِيمِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي كَانَتْ لَيْلَةَ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِن رَمَضَانَ.
ثُمَّ صَارَ يَنزِلُ عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْآيَاتِ على حَسَبِ الْأَوَامِرِ حَتَّى تَمَّ نُزُولُ الْقُرْآنِ.
فَهَذَا أَيْضًا يُسَمَّى كَلَامَ اللهِ لِمَاذَا؟
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِن تَأْلِيفِ بَشَرٍ وَلَا مِن تَصْنِيفِ مَلَكٍ، أَخَذَهُ جِبْرِيلُ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
فَهُوَ عِبَارَةٌ عَن صِفَةِ اللهِ.
فَالْعِبَارَةُ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ شَىْءٌ.
هَذَا اللَّفْظُ الَّذِي أَنَا أَتَلَفَّظُ بِهِ أَنَا مَخْلُوقٌ، وَلِسَانِي مَخْلُوقٌ، وَشَفَتِي مَخْلُوقَةٌ، فَإِذَا نَطَقْتُ بِشَىْءٍ يَكُونُ مَخْلُوقًا، لَكِنَّ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ حِينَ نَطَقْتُ بِحُرُوفِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، صِفَةُ اللهِ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً.
مِثَالٌ لِلتَّقْرِيبِ: إِذَا إِنسَانٌ نَطَقَ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ اللهُ، فَسَأَلَ شَخْصٌ آخَرُ بِمَاذَا نَطَقَ هَذَا؟
فَيَقُولُ: اللهُ، لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْخَالِقَ قَامَ بِلِسَانِ النَّاطِقِ، إِنَّمَا الْمَعْنَى نَطَقَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ الْمُقَدَّسِ.
كَذَلِكَ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ وَكَتَبَ عَلَى هَذَا الْحَائِطِ حُرُوفَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ اللهُ، فَسَأَلَ سَائِلٌ مَا هَذَا؟
مَاذَا يَقُولُ؟ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَالِقَ حَلَّ فِي الْحَائِطِ، أَعُوذُ بِاللهِ، إِنَّمَا هَذِهِ حُرُوفٌ تَدُلُّ عَلَى الْخَالِقِ.
لِذَلِكَ اخْتَلَفَتِ اللُّغَاتُ، اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ الْمُنَزَّلَةُ مَعَ كَوْنِ صِفَةِ اللهِ شَيْئًا وَاحِدًا.
يَعْنِي التَّوْرَاةُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ كَلَامُ اللهِ بِأَيِّ لُغَةٍ؟ بِالْعِبْرَانِيَّةِ.
وَالْإِنْجِيلُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَيِّ لُغَةٍ؟ بِالسُّرْيَانِيَّةِ.
وَالْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
اخْتَلَفَتِ اللُّغَاتُ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ وَاحِدٌ وَهُوَ صِفَةُ اللهِ.
كَمَا أَنْتُمْ إِذَا أَرَدْتُمْ أَن تَقُولُوا اللهُ تَقُولُونَ اللهُ، وَالْإِنجِلِيزِيُّ يَقُولُ God وَالعَرَبِيُّ يَقُولُ اللهُ.
اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
إِبْلِيسُ كَانَ اللهُ تَعَالَى خَلَقَهُ قَبْلَ أَن يَخْلُقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
آدَمُ عليه الصلاة والسلام مِنْ حَيْثُ نَوْعُ الخَلْقِ هُوَ آخِرُ الْأَنْوَاعِ خَلْقًا.
إِبْلِيسُ مَا زَالَ حَيًّا مُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
هُوَ طَلَبَ مِنَ اللهِ أَن يَبْقَى حَيًّا إِلَى حِينِ يُبْعَثُ النَّاسُ، فَاللهُ تَعَالَى مَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ قَالَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.
يَعْنِي إِلَى حِينِ النَّفْخِ فِي الصُّورِ حِينَ يُنْفَخُ في الصُّورِ سَيَمُوتُ إِبْلِيسُ.
هذا إِبْلِيسُ وَحْدَهُ لَوْ نَظَرْنَا إِلَى حَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَفَسَادِهِ وَكُفْرِهِ وَكَمْ جَرَّ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي لَوْ كَانَ إِبْلِيسُ وَحْدَهُ، لَوْ كَانَ سُؤَالُهُ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ وَاللُّغَةِ لَأَكَلَ آلَافًا مِنَ السِّنِينَ، لِأَنَّهُ اللهُ أَعْلَمُ كَمْ عُمْرُهُ الْآنَ؟ وَكَمْ سَيَعِيشُ بَعْدُ؟ مَتَى يَكُونُ النَّفْخُ فِي الصُّورِ؟ اللهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.
هؤلاء اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ. هَؤُلَاءِ الرَّسُولُ بَلَّغَهُمُ الدَّعْوَةَ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يُعْرَجَ بِهِ مَرَّ بِهِمْ وَبَلَّغَهُمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، فَهُمْ مُكَلَّفُونَ.
هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ.
هَؤُلَاءِ مُكَلَّفُونَ سَيُسْأَلُونَ، سَيُحَاسَبُونَ.
وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَرَاءَهُمْ ثَلَاثَ أُمَمٍ: مَنسَكٌ وَتَاوِيل وَتَارِيس بَشَرٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللهُ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ وَكُلُّ الْإِنْسِ وَكُلُّ الْجِنِّ وَإِبْلِيسُ كَمَا ذَكَرْنَا لَوْ كَانَ سُؤَالُهُمْ كَمَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ الْعَبْدَ لَأَكَلَ آلَافًا مِنَ السِّنِينَ.
وَاللهُ يَقُولُ عَن نَفْسِهِ: ﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حِسَابَ اللهِ لِعِبَادِهِ لَيْسَ كَحِسَابِ عَبْدٍ لِعَبْدٍ.
وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً.
وَلَيْسَ مَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ أَنَّ صِفَةَ اللهِ تَحُلُّ في آذَانِهِمْ لَا، لِأَنَّ صِفَاتِ اللهِ لَا تَحُلُّ في شَىْءٍ مِنَ الْخَلْقِ.
إِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُزَالُ عَنْ أَسْمَاعِهِمُ الحِجَابُ الْمَعْنَوِيُّ الْمَانِعُ مِن سَمَاعِ كَلَامِ اللهِ فَيَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ.
ولَيْسَ مَعْنَى يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ أَنَّهُ يَحْدُثُ في ذَاتِ اللهِ الْآنَ كَلَامٌ لَا، لأَنَّ كَلَامَ اللهِ كَمَا نَقُولُ ذَاتُ اللهِ شَىْءٌ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا.
مَسْأَلَةٌ مهمة: لِمَاذا قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى الله عليه وسلم أُذِنَ لي بِزِيَارَةِ أُمِّي وَلَمْ يُؤْذَنْ لي بِالاسْتِغْفَارِ لَهَا؟
قال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك لَيْسَ لِأَنَّ أُمًّهُ كانت على غَيْرِ الْإِسْلَامِ، بَلْ أُمُّهُ آمِنَةُ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ مُسْلِمَة صَالِحَة، أَظْهَرَ اللهُ لَهَا كَرَامَاتٍ فَهِيَ مُؤْمِنَةٌ وصَالِحَةٌ.
الرسولُ صلى الله عليه وسلم قال ذَلِكَ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ أُمَّهَاتِ الصَّحَابَةِ مُتْنَ عَلَى الشِّرْكِ فَحَتَّى لا يَتْبَعُوهُ في الاسْتِغْفَارِ لِمَن مَاتَ على الشِّرْكِ، الله سبحانه وتعالى أَذِنَ لَرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِزِيَارَةِ قبرِ أمِّه ولم يُؤْذَن له بالاسْتِغْفَارِ لها.
وَلَيْسَ لأنها كانت على غيرِ الإسلام كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُ الناسِ.
الإمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه وهو مِن كِبَارِ أئمة أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة قَالَ: وَالِدَا الرَّسُولِ ما مَاتَا كَافِرَيْنِ.
أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ رحمها الله مَاتَتْ عَلَى الصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى وَالْوِلَايَةِ.
الله تبارك وتعالى أظهر لها كرامات.
قالت: أَنَّهَا رَأَتْ نُورًا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهِيَ حَامِلٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم أَضَاءَت له أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى، وَبُصْرَى بَعِيدَةٌ عَنِ الْحِجَازِ بعيدة عن مَكَّةَ بعدا شاسعا.
فهذه كَرَامَةٌ لها وإظهار لصلاحها وحسن حالها.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وأحكم.
بَعْدَ بَيَانِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى صِفَاتُهُ لَيْسَتْ كَصِفَاتِ…
مدة القراءة: نحو 6 دقائق
