وفي شهر رمضانَ من سنة خمسمائةٍ وأربعٍ وأربعينَ للهجرةِ توفي القاضي أبو الفضل المعروفُ بالقاضي عياض بن موسى اليحصبيّ السَّبتيّ، وهو عالمُ المغربِ وإمامُ أهلِ الحديثِ في وقتهِ، كان من أعلمِ الناسِ بكلامِ العربِ وأنسابِهم وأيامهم، وكان عالمًا بالتفسيرِ فقيهًا أصوليًّا عالمًا بالنحوِ واللغةِ، بصيرًا بالأحكام، عاقدًا للشروط، حافظًا لمذهبِ مالكٍ رحمه الله، وكان شاعرًا وخطيبًا بليغًا، صبورًا حليمًا، جميلَ العِشرة، جوادًا سمْحًا كثيرَ الصدقة، دؤوبًا على العمل، شديدًا في الحقّ. ولي قضاء سبْتة، وفيها مولدُه ثم ولي قضاءَ غرناطة، وله الكثير من التصانيف منها "كمال المعلّم في شرح صحيح مسلم" و"كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم" و"ترتيبُ المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك"، وله "مشارق الأنوار" و"الإلماعُ إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع".
توفّي بمراكش رحمه الله ودُفن بباب إيلان داخل المدينة.
في يومِ عيد الفِطر من سنةِ ستمائةٍ وستٍ للهجرةِ وبعد انتهاءِ شهر رمضانَ المبارك توفّيالفقيه الشافعيّ فريدُ عصرِه الإمامُ فخرُ الدينِ محمدُ بن عمر بن الحسين الرازيّ رحمه اللهُ.
فاق أهلَ زمانِه في علم الكلامِ والمعقولاتِ وعلمِ الأوائل، له التصانيف المفيدةُ في فنونٍ عديدةٍ منها تفسيرُ القرءانِ الكريمِ. ومن تصانيفه "البيانُ والبرهان في الردّ على أهل الزيغِ والطّغيان" وكتاب "تهذيب الدلائل وعيونُ المسائل"، وصنَّف في علمِ الفِراسة، وله مصنَّفٌ في مناقبِ الإمام الشافعيّ، وقد انتشرتْ تصانيفُه في البلادِ. وكان لهُ في الوعظِ اليدُ البيضاءُ، ويعظُ باللسانينِ العربيّ والعجمي، وكان يلحقُه الوجدُ في حالِ الوعظِ ويُكثرُ البكاءَ، وكان يحضُر مجلسَه بمدينةِ "هَراة" أصحابُ المذاهبِ والمقالاتِ ويسألونَهُ وهُو يُجيبُ كلَّ سائلٍ بأحسنِ إجابة، ورجَع بسببهِ خلقٌ كثيرٌ من أهلِ البدعِ وغيرِهم إلى مذهبِ أهلِ الحقّ.
كانت ولادةُ الإمامِ فخرِ الدينِ الرازيّ في الخامسِ والعشرينَ من شهرِ رمضانَ سنة خمسمائةٍ وثلاثٍ وأربعينَ للهجرةِ، وكما أوردنا سابقًا فقد توفّي في عيدِ الفطر سنةَ ستمائةٍ وستّ بمدينة هراةَ ودُفنَ ءاخر النهار، وله وصيةٌ أملاها في مرضِ وفاتِه على أحدِ تلامذتِه تدلُّ على حُسن العقيدةِ.
وفي الخامس والعشرينَ من شهرِ رمضانَ من عامِ خمسمائةٍ وثمانيةَ عشرَ للهجرةِ توفّيَ أبو الفضلِ أحمدُ بنُ محمدٍ الميدانيُّ رحمهُ اللهُ، كان عارفًا باللغةِ وأمثالِ العرب. مات ودفنَ بنيسابورَ على بابِ "مَيدان زياد".
وفي التاسعَ عشرَ من شهرِ رمضانَ سنةَ خمسمائةٍ وسبعٍ وثمانينَ للهجرةِ توفّي الملكُ تقيُّ الدينِ أبو سعيدٍ عُمرُ بنُ نورِ الدولةِ بن أيوبَ صاحبُ حماه، وهو ابنُ أخي السلطان صلاح الدين رحمهُ اللهُ. كان شجاعًا مقدامًا منصورًا في الحروب، مؤيدًا في الوقائع، وله في أبوابِ البِرّ حسناتٌ كثيرةٌ، وكان كثيرَ الإحسانِ إلى العلماءِ والفقراءِ. ماتَ تقيُّ الدينِ ودُفن بحماه رحمهُ اللهُ تعالى.
وفي الرابعَ عشرَ من شهرِ رمضانَ المبارك سنةَ ستمائةٍ وثلاثينَ للهجرةِ توفّي الملكُ المعظّمُ مظفَّرُ الدينِ كوكبري بنُ أبي الحسنِ صاحبُ إربل. كان رحمهُ اللهُ كريمَ الأخلاقِ، كثيرَ التواضع، محبًّا للعلماءِ والفقهاءِ. ومن أشهرِ إنجازاتِه احتفالُه بالمولدِ النبويّ الشريفِ حيثُ لم يسبقْهُ أحدٌ إليهِ، وأجازَه على فعلِه العلماءُ والفقهاءُ والحُفَّاظ.
ولما توفّي رحمهُ اللهُ حُمل بوصيةٍ منهُ إلى مكَّةَ شرفَّها اللهُ تعالى، وكان قد أُعد لهُ بها قبّة تحتَ الجبلِ في ذيلِه يُدفن فيها، فلما توجَّه الركبُ إلى الحجازِ اتفقَ مع رجوعِ الحاجّ تلك السنةِ وعدم تمكّنهم من الوصول لفتنةِ قطَّاعِ الطرقِ فلم يصلوا به إلى مكَّةَ، فردُّوهُ ودفنوهُ بالكوفةِ.
