النية لله تعالى

المصيبات المختصة بذات الإنسان

اعلم وفقنا الله وإياك أنّ جمهور النّاس إذا طرقهم المرض اشتغلوا تارة بالجزع منه والشكوى، وتارة بالتداوي، إلى أن يشتد فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلى المصالح من وصية، أو فعل خير أو تأهب للموت، فكم له من ذنوب لا يتوب منها، أو عنده وديعة لا يردها، أو عليه دين، أو زكاة، أو في ذمته ظلامة لا يخطر له تداركها، وإنما حزنه على فراق الدُّنيا، إذ لا همة له سواها، وربما أفاق فأوصى بجور.

فينبغي للمتيقظ أن يتأهب في حال صحته، قبل هجوم المرض، فربما ضاق الوقت عن العمل. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى الله، وما عليه من خطيئة".

وإنّ تشديد البلاء يختص بالأخيار لقوله عليه الصلاة والسلام: "أشد الناّس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه" رواه أحمد والترمذي.

ومنها: أن ينظر بعين بصيرته وعقله ويذكر عظمة الله الذي يبتلي، ثم يوقن أنه لا يملك لنفسه شيئًا، وإنّ مالك الملك العزيز الحكيم يفعل ما يشاء. ومنها: أن يعلم أن هذا الواقع، وقع بتقدير الله وإرادته.

فيجب أن يرضى بما قدّر الله وشاء، لأن الله لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ومنها: أن يقول لنفسه إنما هي ساعة ثم كأن لم يكن ما كان، وليتذكر أمراضًا جرت عليه، فبالغت في ألمه ثم ذهبت كأن لم يكن، وإنما الاعتبار بالعواقب ومن تأمّل العاقبة هان عليه البلاء.
قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "يؤتى بأنعم أهل الدُّنيا من أهل النّار يوم القيامة فيصبغ في النّار صبغة، ثم يقال يا ابن ءادم: هل رأيت خيرًا قطّ، هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا ربّ. ويؤتى بأشد النّاس بؤسًا في الدُّنيا من أهل الجنّة فيصبغ صبغة في الجنّة فيقال له: يا ابن ءادم هل رأيت بؤسًا قطّ، هل مرّ بك شدّة قط؟ فيقول: لا والله ما مرّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط" رواه مسلم.

ومنها أن يتفكر في الانتقال إلى نعيم الجنّة الذي لا انقطاع له.

ومنها: تذكر حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: يُنادى أهل الجنّة :"إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنّ لكم أن تَصِحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنّ لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا".

جعلنا الله من الصابرين على البلاء، الشاكرين على النعماء الراضين بالقضاء والحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ.