وهنا يُرَدُّ على الذين يكيلونَ التُّهَم إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، من يَتَّهِم رسول الله بأنّه كانَ ولوعَ القلبِ بالنساءِ، أصغرُ نسائِه سِنًّا عائشةُ رضي الله عنها لما كانَ دورُ المبيتِ عندها في بيتِها كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستأذنُها ويذهب ليلًا إلى البقيع مدفن المسلمين يدعو اللهَ تعالى للمسلمين، ويتركُ أصغرَ زوجاتِه سنًّا.
وما عدَّدَ في النساءِ إلا لحِكَم منها أنَّهُ صلى الله عليه وسلم تزوَّج من قبائل متعدّدة وفي هذا تأليفٌ لما بينَ قبائلِ العرب وتعليم أحكامُ الإسلامِ المتعلقةِ بالنساء أسرعُ انتشارًا من النساءِ إلى النساء.
ولم يكنْ صلى الله عليه وسلم ولوعَ القلبِ بالنساءِ بل كانَ عليه الصلاةُ والسلام شديدَ الخشيةِ من اللهِ تعالى، يبكي جوفَ الليلِ ويكونُ قائمًا يصلي.
هذا النبيُّ العظيمُ سَبَقَت ولادتَهُ البشائرُ في الكتبِ السماويةِ المنزَّلة قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ عزَّروهُ أي عظَّموهُ.
اللهُ عظَّمَ قدرَ جاه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأيُّ بأسٍ في تعظيمِ النبيّ صلى الله عليهِ وسلَّم بالاحتفالِ بمولدِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام، وقد كان هذا بين المسلمين قبل ثمانمائة سنة إلى يومنا هذا وافقَ عليهِ المسلمون علماؤُهم وعامَّتهم المحدثون والفقهاءُ والصوفيةُ والمفسرون.
وكانَ الملكُ المُظَفَّر ملك إربل أوَّلَ مَن أحدثَ عمَلَ المولِد، وكان تقيًّا صالحًا وكان يُطعِم الطعامَ على حبِّ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأقرَّه على ذلك الحفاظُ والمحدِّثون، فلماذا ينكر نفاتُ التوسُّلِ الاحتفالَ بمولدِ خير الأنبياء أفضل الخلقِ عند اللهِ سبحانَهُ وتعالى؟! حسبيَ الله ونعمَ الوكيل.
يحتفلون بيومِ الشجرة ويُكَفِّرون عامَّة المسلمين الذين يصلُّون على النَّبيِّ جهرةً بعد الأذان ويُكفِّرون المسلمين ويُحَرِّمون عليهم عَمَل المولدِ ويقولون هذهِ بدعةٌ محرَّمة، هؤلاءِ يُبغِضون رسول الله صلى الله عليه وسلَم، يحتفلونَ بيومِ الخشب ولا يحتفلونَ بمولدِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
الله تعالى أخذَ العهدَ والميثاقَ على جميعِ النبيين أنْ يؤمنوا بنبيِّ آخرِ الزمانِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ما من نبيٍّ إلا وأخذَ الله عليهِ العهدَ والميثاق أنْ يؤمنَ بنبيِّ آخرِ الزمانِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وما من نبيٍّ إلا وبلَّغَ قومَه، مَن أدركَ منكم محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يؤمنَ به ويناصرَهُ ويؤازرَه.
في اليمنِ كانَ حكامُها يسمَون التَبابِعَة وتُبَّع الأوسَط، أسعدُ الحِميَريّ كانَ أحدُ حكَّامِ اليمن، قبل ستمائة عام وشيء من بعثةِ ومولِد النبيِّ عليه الصلاة والسلام ما بين موسى وعيسى، صُفَّت لهُ الجيادُ من بلادِ اليمنِ إلى بلادِ الشامِ، توجَّه إليها ليكسرَها وليجعلَها تحتَ سلطانِه فمَرَّ وهو بطريقه من اليمن إلى بلادِ الشام مرَّ بالمدينةِ المنورة يثرِب فلقيَ حَبرين من أحبارِ اليهودِ المسلمين الذينَ كانُوا على دين موسى عليه السلام واللذين قرآ في التوراةِ البشرى ببعثةِ نبيِّ آخرِ الزمانِ محمَّدٍ عليه الصّلاة والسّلام، فقالا لأسعد الحِميَريّ تِبَّعِ الأوسَط الذي ذَكَرَهُ اللهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ في سورة الدخان بقوله: ﴿أهُم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّع﴾
أسعدُ الحِميَريّ هذا قالا لهُ هذه المدينةُ أي يثرب أي التي صارَتْ فيما بعد المدينةَ المنورة مُهاجَر نبيِّ آخر الزمانِ أحمد أي سيهاجر إليها نبي آخر الزمانِ أحمد صلى الله عليه وسلم كما قرأوا في التوراةِ فأنشدَ يقول:
شَهِدتُ على أحمدٍ أنهُ رسولٌ من اللهِ بارئ النَسَم (1)
ولَوْ مُدَّ عمري إلى عمرهِ لكنتُ وزيرًا لهُ وابن عمّ
وجاهدْتُ بالسيفِ أعداءهُ وفَرَّجْتُ عن صدرِهِ كلّ غمّ فصار أهلُ المدينةِ المنوّرةِ منذ ذلك الحين يحفظون هذهِ الأبياتُ التي قالها أسعد الحِميَريّ تُبَّع الأوسَط حتى صاروا يحفظونَها خَلَفًا عن سَلَف.
وكان مِمَّن حفظَها أبو أيوب الأنصاريُّ الذي نزلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أوّلَ ما نزلَ يومَ وصلَ المدينة مهاجرًا نزلَ في بيت أبي أيوب الأنصاريُّ وكانَ يسمى خالد بن زيد.
هكذا البشائرُ على لسانِ الأنبياءِ وفي الكتبِ السماويّةِ المطهَّرة ببعثةِ خير الأنبياء وأفضل العالمين محمَّد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر.
له صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء محمَّد، وأحمد، والماحي أي الذي يمحو الله به الذنوب والخطايا، والعاقب أي الذي لا نبيَّ بعدَه الحاشر أي الذي يُحشَرُ النّاس عند قدمِهِ يوم القيامة.
هذه بعضٌ من أخبارِ البشائرِ ببعثةِ ومولدِ خير الأنبياء محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام.
وفي الصَّحيحِ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مرَّ بمِدراسِ اليهود فقال لهم "يا معشر اليهود أسلِموا فوالذي نفسي بيدِه إنكم لتَجِدون صفتي في كتبِكُم" ولكنَّهم حرَّفوا التوراة، ولكنّهم حرّفوا التوراة.
الله تبارك وتعالى عظّمَ قدرَ جاهِ محمَّد وأنالَه فضلًا لديهِ عظيمًا في محكمِ التنزيل قال لخلقِهِ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
أقولُ قولي هذا وأستغفر الله العظيمَ لي ولكم.
(1) أي خالق الأرواح.
